١حَتّامَ نَحنُ نُساري النَجمَ في الظُلَمِ
وَما سُراهُ عَلى خُفٍّ وَلا قَدَمِ
الواحدي: يقول حتى متى نسرى مع النجوم في ظلم الليل وليست تسري هي على خف ولا قدم يعني أن النجوم لا يصيبها الكلال من السري كما يصيب الإبل والإنسان
العكبري: ١ الْإِعْرَاب حتام إِلَى مَتى وحذفت الْألف من مَا لاختلاطها بحتى وَكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا وَكَذَلِكَ فيمَ وعلام وإلام وَعم ومم وَيجوز الْإِثْبَات فِي الْجَمِيع على الأَصْل الْغَرِيب النَّجْم اسْم جنس وَلم يرد الثريا وَإِنَّمَا أَرَادَ النُّجُوم وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وبالنجم هم يَهْتَدُونَ﴾ الْمَعْنى يَقُول إِلَى مَتى نسري مَعَ النُّجُوم فِي ظلم اللَّيْل وَنحن نتألم بالسير والسهر وَهِي لَا تحس بألم لِأَنَّهَا تسير بِغَيْر خف وَقدم لِأَن الْخُف لِلْإِبِلِ والقدم لبني آدم فَهِيَ لَا ينالها الكلال وَلَا الضعْف وَلَا التَّعَب كَمَا يُصِيب الْإِنْسَان وَالْإِبِل
٢وَلا يُحِسُّ بِأَجفانٍ يُحِسُّ بِها
فَقدَ الرُقادِ غَريبٌ باتَ لَم يَنَمِ
الواحدي: يم يؤثر في النجوم عدم النوم كما يؤثر في بعيد عن أهله بات يسري ساهرا يعني نفسه
العكبري: الْمَعْنى أَي هَذَا الَّذِي يلقاه من السهر والتعب لَا يحس بِهِ النَّجْم وَلَا يُؤثر فِيهِ عدم النّوم كَمَا يُؤثر فِي غَرِيب بعيد عَن أَهله بَات يسرى ساهرا يُرِيد نَفسه
٣تُسَوِّدُ الشَمسُ مِنّا بيضَ أَوجُهِنا
وَلا تُسَوِّدُ بيضَ العُذرِ وَاللِمَمِ
الواحدي: يقول الشمس تغير ألواننا في وجوهنا البيض بالسواد ولا تؤثر مثل ذلك التأثير في شعورنا البيض وهذا من قول الطائي، ترى قسماتنا تسود فيها، وما أخلاقنا فيها بسود،
العكبري: الْغَرِيب الْعذر جمع عذار وأسكن الذَّال وَالْأَصْل عذر لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ على كتاب وَكتب فِي لُغَة من أسكن الْعين وَرَسُول ورسل والعذار مَأْخُوذ من عذار الدَّابَّة وَهُوَ السّير الَّذِي يكون على خديها فاستعير للشعر النَّابِت فِي مَوضِع العذار واللمم جمع لمة وَهِي الشّعْر الَّذِي يلم بالمنكب الْمَعْنى يَقُول الشَّمْس تغير ألواننا الْبيض وتؤثر فِي أوجهنا بِالسَّوَادِ وَلَا تُؤثر مثل ذَلِك التَّأْثِير فِي شعورنا الْبيض وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب (تَرَى قَسَماتِنا تَسْوَدُّ فِيها ... وَما أخْلاقُنا فِيها بسُودِ)
٤وَكانَ حالُهُما في الحُكمِ واحِدَةً
لَوِ اِحتَكَمنا مِنَ الدُنيا إِلى حَكَمِ
الواحدي: الحكم بمعنى الحاكم يقول لو احتكمنا إلى حاكم من الدنيا لحكم بأن ما يسود الوجه يسود الشعر ولكن الله قضى بأن الشمس تسود الوجه ولا تسود الشعر
العكبري: الْغَرِيب الحكم بِمَعْنى الْحَاكِم الْمَعْنى يَقُول لَو احتكمنا إِلَى حَاكم من حكام الدُّنْيَا لحكم بِأَن مَا يسود الْوَجْه يسود الشّعْر وَلَكِن الله حكم بِأَن الشَّمْس تسود الْوُجُوه وَلَا تسود الشُّعُور
٥وَنَترُكُ الماءَ لا يَنفَكُّ مِن سَفَرٍ
ما سارَ في الغَيمِ مِنهُ سارَ في الأَدَمِ
الواحدي: يقول نجعل الماء لا يزال مسافرا إما في الغيم وإما في مزاودنا من الأدم لأنا نغترفه من السحاب فنوعيه في الأداوي
العكبري: الْغَرِيب الْأدم جمع الْأَدِيم كأفيق وأفق وَيجمع على آدمه كرغيف وأرغفة الْمَعْنى يَقُول نعترف المَاء من أعقاب السَّحَاب فنوعية فِي الأداوى وَالْمَاء يُسَافر مَعنا إِمَّا فِي الْغَيْم وَإِمَّا فِي المزاود فَهُوَ مُسَافر حَيْثُمَا سافرنا
٦لا أُبغِضُ العيسَ لَكِنّي وَقَيتُ بِها
قَلبي مِنَ الحُزنِ أَو جِسمي مِنَ السَقَمِ
الواحدي: يقول ليست الإبل ببغيضة إلى أي ليس إتعابي إياها في السفر بغضا لها مني لكني أسافر عليها لأقي قلبي من الحزن أو جسمي من السقم وذلك أن السقم إذا غير الهواء والماء وسافر صح جسمه وكذلك المحزون يتنسم بروح الهواء أو يصير إلى مكان يسر فيه بالإكرام
العكبري: الْغَرِيب العيس الْإِبِل الْبيض الْمَعْنى يَقُول العيس لَا أبغضها يُرِيد أَن إتعابها فِي السّفر لم يكن بغضا لَهَا مَتى وَلَكِن أسافر عَلَيْهَا لأقي قلبِي وأحفظه من الْحزن وجسمي من السقم إِذا غير الْهَوَاء وَالْمَاء وسافر صَحَّ جِسْمه وَكَذَلِكَ المحزون يتنسم بِروح الْهَوَاء أَو يصير إِلَى مَكَان يسر بالإكرام فِيهِ
٧طَرَدتُ مِن مِصرَ أَيديها بِأَرجُلِها
حَتّى مَرَقنَ بِنا مِن جَوشَ وَالعَلَمِ
الواحدي: قال أبن جنى جوش والعلم مكانان يقول حثثتها على السير واعجلتها حتى كأن الرجل طاردة لليد كما قال بعض العرب، كأن يديها حين جد نجاؤها، طريدان والرجلان طالبتا وتر، وذلك أن اليد أمام الرجل كالمطرود يكون أما الطارد شبه خروجها من هذين المكانين بخروج الهم من الرمية لسرعة سيرها لذلك قال مرقن وسكن الياء من أيديها ضرورة
العكبري: الْإِعْرَاب اسكن الْيَاء من أيديها ضَرُورَة وَمثله بَيت الْكتاب (كَأنَّ أيْديِهِنَّ بِالقاعِ الفَرِقْ ... ) الْغَرِيب جوش وَالْعلم موضعان وهما جبلان ومرقن شبهها بِالسَّهْمِ لسرعة سَيرهَا فاستعار لَهَا المروق الْمَعْنى يَقُول لما خرجت من مصر وأسرعت السّير وَكَانَت الْإِبِل تعدو فَكَأَن أرجلها تطرد أيديها وَذَلِكَ أَن الْيَد أَمَام الرجل كالمطرودة أما م الطارد وَشبه خُرُوجهَا من هذَيْن المكانين بِخُرُوج السهْم من الرَّمية لسرعة سَيرهَا وَهُوَ كَقَوْلِه الآخر (كأنَّ يَدَيها حِينَ جَدَّ نَجاؤُها ... طَرِيدَان وَالرجْلانِ طالبِتَا وِتْرِ)
٨تَبري لَهُنَّ نَعامُ الدَوِّ مُسرَجَةً
تُعارِضُ الجُدُلَ المُرخاةَ بِاللُجُمِ
الواحدي: تبرى تعارض يقال برى له وانبرى له إذا عارضه ومنه قول أبي النجم، يبرى لها من أيمن وأشمل، أي يعارضها من جانبيها ويريد بنعام الدو الخيل جعلها كالنعام في سرعة عدوها وظهر بقوله مسرجة إنها الخيل يقول تنبري الخيل للعيس وتعارض أزمتها بلجمها واعنتها أي تباريها في السير وقال أبن جنى يقول الخيل لعلو أعناقها وإشرافها تباري أعناق الإبل فيكون اللجم في أعناقها كالجدل وهي الأزمة في أعناق الإبل
العكبري: الْغَرِيب تبرى تعَارض الدو الفلاة المستوية وَيُقَال بَرى لَهُ وانبرى إِذا عراضه قَالَ أَبُو النَّجْم (تَبِري لَها مِنْ أيْمُنِ وَأشمُلِ ... ) يُرِيد تعارضها من جَانبهَا وَأَرَادَ بنعام الدو الْخَيل شبهها بالنعام لسرعتها والعلو أعناقها وإشرافها تعَارض أَعْنَاق الْإِبِل والجدل جمع جديل وَهِي الأزمة الْمَعْنى تعَارض نعام الدو وَهِي الْخَيل لَهُنَّ يَعْنِي الْإِبِل مسرجة أَي فِي حَال إسراجها فتعارض أزمة العيس بلجمها فَتكون اللجم فِي أعناقها كالأزمة فِي أَعْنَاق الْإِبِل لعلوها وإشرافها فأعناق الْخَيل تعَارض أَعْنَاق الْإِبِل
٩في غِلمَةٍ أَخطَروا أَرواحَهُم وَرَضوا
بِما لَقينَ رِضا الأَيسارِ بِالزَلَمِ
الواحدي: يقول سريت من مصر في غلمة حملوا ارواحهم على الخطر لبعد المسافة وصعوبة الطريق ورضوا بما يستقبلهم من ملك أو هلك كما يرضى المقامرون بما تخرج لهم القداح والأيسار المقامرون واحدهم يسر والزلم السهم
العكبري: الْغَرِيب الأيسار جمع وهم الَّذين ينحرون الْجَزُور ويتقارعون عَلَيْهَا بِالْقداحِ وَهُوَ شَيْء كَانَت تَفْعَلهُ الْجَاهِلِيَّة واحدهم يسر والزلم السهْم الْمَعْنى يَقُول سرت من مصر فِي غلمة حملُوا أَرْوَاحهم على الْخطر لبعد الْمسَافَة وصعوبة الطَّرِيق وَرَضوا بِمَا يستقبلون من هَلَاك وَغَيره كَمَا يرضى المقامر بِمَا يخرج لَهُ من القداح
١٠تَبدو لَنا كُلَّما أَلقَوا عَمائِمَهُم
عَمائِمٌ خُلِقَت سوداً بِلا لُثُمِ
الواحدي: يقول كلما ألقوا عمائمهم من رؤسهم ظهرت من شعورهم على رؤسهم عمائم سود ليست لها لثم وذلك أن العرب تجعل العمائم بعضها لثما على الوجوه وبعضها على الرأس يقول فشعورهم على رؤسهم كالعمائم وليس منها شيء على وجوههم يعني أنهم مرد ولم يتصل شعر العوارض والوجوه بشعر رؤسهم ألا ترى أنه قال
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِن غلمانه مرد فَإِذا ألقوا عمائمهم الَّتِي على رُءُوسهم ظَهرت من شُعُورهمْ عمائم تقوم مقَام العمائم إِلَّا أَنَّهَا مَالهَا لثم وَهُوَ جمع لثام وَهُوَ مَا يلقى على الْوَجْه من طرف الْعِمَامَة وَالْعرب من عَادَتهَا أَن تجْعَل العمائم بَعْضهَا لثما على الْوَجْه وَبَعضهَا على الرَّأْس وَقد بَين أَنهم مرد لم تتصل شُعُور الْعَوَارِض بِشعر الرَّأْس بقوله الْبَيْت بعده
١١بيضُ العَوارِضِ طَعّانونَ مَن لَحِقوا
مِنَ الفَوارِسِ شَلّالونَ لِلنَعَمِ
الواحدي: يريد أنم مرد صعاليك قتالون للفوارس طرادون للنعم يغيرون عليها أينما وجدوها
العكبري: الْغَرِيب الْعَوَارِض جمع عَارض وَالنعَم تطلق على الْإِبِل وَغَيرهَا وَقيل على الْإِبِل وَحدهَا الْمَعْنى يُرِيد أَنهم قتالون للفوارس يغيرون على أَمْوَال النَّاس أَيْنَمَا وجودهَا وطاردون للنعم ويروى طعانين وشلالين على الْمَدْح وَيجوز على الْحَال
١٢قَد بَلَّغوا بِقَناهُم فَوقَ طاقَتِهِ
وَلَيسَ يَبلُغُ ما فيهِم مِنَ الهِمَمِ
الواحدي: أي قد استفرغوا وسع القنا طعنا ولم يبلغ القنا مع ذلك غاية هممهم
العكبري: الْمَعْنى يَقُول قد استفرغوا وسع القنا طَعنا وَلم يبلغ القنا مَعَ ذَلِك غَايَة الهمم
١٣في الجاهِلِيَّةِ إِلّا أَنَّ أَنفُسَهُم
مِن طيبِهِنَّ بِهِ في الأَشهُرِ الحُرُمِ
الواحدي: يقول هم أبدا في القتال والغارة كفعل أهل الجاهلية إلا أن أنفسهم طابت بالقتال وسكنت إليهم وكأنهم في الأشهر الحرم أمنا وسكونا وكان أهل الجاهلية يأمنون في الأشهر الحرم لأن القتال يترك فيها
العكبري: الْغَرِيب الْأَشْهر الْحرم أَرْبَعَة ثَلَاثَة سرد وَوَاحِد فَرد السرد الْقعدَة وَالْحجّة وَالْمحرم والفرد رَجَب الْمَعْنى يَقُول هم فِي الْقِتَال والغارة كَفعل أهل الْجَاهِلِيَّة إِلَّا أَن أنفسهم طابت بِالْقَتْلِ وسكنت إِلَيْهِ فكأنهم فِي الْأَشْهر الْحرم أمنا وسكونا لِأَن الْجَاهِلِيَّة كَانَت تسكن فِي الْأَشْهر الْحرم عَن الْقِتَال وَقَالَ ابْن القطاع الْمَعْنى أَنهم لتمرنهم فِي الْحَرْب وَالْقَتْل فِي مثل أَحْوَال الْجَاهِلِيَّة إِلَّا أَن أنفسهم غير خائفة من الْحَرْب لشجاعتهم واثقة بظهورهم على أعدائهم فكأنهم فِي الْأَشْهر الْحرم وَبِه الضَّمِير للقنا
١٤ناشوا الرِماحَ وَكانَت غَيرَ ناطِقَةٍ
فَعَلَّموها صِياحَ الطَيرِ في البُهَمِ
الواحدي: يقول تناولوا الرماح وكانت جمادا لا تنطق فاسمعوا الناس صريرها في طعان الشجعان وصارت كأنها طير تصيح وهذا من قول الآخر، تصيح الردينيات فينا وفيهم، صياح بنات الماء أصبحن جوعا، ومثله قول بعض العرب، رزق تصايحن في المنون كما، هاج دجاج المدينة السحر،
العكبري: الْغَرِيب ناشوا تناولوا والبهم جمع بهمة وَهُوَ الشجاع وصياح الطير يُرِيد صَوت الرماح إِذا طعنوا بهَا الْأَبْطَال كصوت الطير الْمَعْنى يَقُول تناولوا الرماح وَهِي جماد لَا تنطق فَاسْمَعُوا النَّاس صريرها فِي الْأَبْطَال فَصَارَت كَأَنَّهَا فرقة طير تصيح وَهُوَ من قَول الآخر (تَصيِحُ الرُّدَينْيِاتِ فِينَا وَفِيِهُمُ ... صِياحَ بَناتِ الماءِ أصْبَحْنَ جُوَّعا) ولبعض الْعَرَب (زُرْقٌ تَصايَحْنَ فِي المَنُونِ كَمَا ... هاجَ دَجاجَ المدِينَةِ السَّحَرُ)
١٥تَخدي الرِكابُ بِنا بيضاً مَشافِرُها
خُضراً فَراسِنُها في الرُغلِ وَاليَنَمِ
الواحدي: تسير الإبل بنا وهي بيض المشافر باللغام وقال أبن جنى لأنها لا تترك ترعى لشدة السير خضر الفراسن لأنها تسير في هذين النبتين والفرسن لحم خف البعير
العكبري: الْغَرِيب خدعت النَّاقة تخدى أَي أسرعت مثل وخذت وخودت كُله بِمَعْنى قَالَ الرَّاعِي (حَتَّى غَدَتْ فِي بَياضِ الصُّبحِ طَيِّبة ... رِيحَ المَباءَةَ تَخْدِى وَالثرَى عَمِدُ) وَإِنَّمَا نصب ريح المباءة لما نون طيبَة وَكَانَ حَقّهَا الْإِضَافَة فضارع قَوْلهم هُوَ ضَارب زيدا والفراسن جمع فرسن وَهُوَ للبعير بِمَنْزِلَة الْحَافِر للدابة والرغل والينم نبتان الْوَاحِدَة ينمة الْمَعْنى يَقُول الركاب تخدى بِنَا أَي تسرع ومشافرها بيض لِأَنَّهَا تمنع من المعرى لشدَّة السّير وفراسنها خضر لِأَنَّهَا تسير فِي هذَيْن النبتين
١٦مَكعومَةً بِسِياطِ القَومِ نَضرِبُها
عَن مَنبِتِ العُشبِ نَبغي مَنبِتَ الكَرَمِ
الواحدي: يقول السياط تمنعها المرعى فكأنها قد شدت أفواهها وهو من قول ذي الرمة، يهماء خابطها بالخوف مكعوم، أي لا يتكلم فيها خوفا فكان الخوف قد كعم فمه والبيت من قول الأسدي، إليك أمير المؤمنين رحلتها، من الطلح تبغى منبت الزرجون،
العكبري: الْإِعْرَاب معكومة حَال الْعَامِل فِيهَا نَضْرِبهَا الْغَرِيب معكومة مشدودة الأفواه الْمَعْنى يَقُول السِّيَاط تمنعها الْأكل لِأَن العكام هُوَ الَّذِي يشد بِهِ فَم الْبَعِير لِئَلَّا يعَض فَيَقُول نَحن نَضْرِبهَا عَن المرعى نبغي منبت الْكَرم لِأَنَّهُ قصدنا وَالْبَيْت من قَول الأسدى (إلَيْكَ أمِيرَ المُؤْمِنينَ رَحَلْتهَا ... مِنَ الطَّلِحْ تَبْغي مَنبِتَ الزَّرَجونِ)
١٧وَأَينَ مَنبِتُهُ مِن بَعدِ مَنبِتِهِ
أَبي شُجاعِ قَريعِ العُربِ وَالعَجَمِ
الواحدي: يقول أين منبت الكرم بعد موت هذا الرجل الذي كان منبت الكرم وكان سيد العرب والعجم
العكبري: الْغَرِيب القريع الْفَحْل لِأَنَّهُ مقترع من الْإِبِل أَي مُخْتَار وَلِأَنَّهُ يقرع النَّاقة قَالَ ذُو الرمة (وَقدْ لاحَ للِسَّارِي سُهَيْلٌ كأنَّهُ ... قَريعُ هِجانٍ عارَضَ الشَّوْلَ جافُر) والقريع السَّيِّد وَفُلَان قريع دهره الْمَعْنى يَقُول أَيْن منبت الْكَرم بعد موت هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ منبت الْكَرم وَكَانَ سيد الْعَرَب والعجم
١٨لا فاتِكٌ آخَرٌ في مِصرَ نَقصِدُهُ
وَلا لَهُ خَلَفٌ في الناسِ كُلِّهِمِ
الواحدي: يقول ليس لنا رجل آخر في وجوده فنقصده لأنه لم يخلف بعده مثله
العكبري: الْإِعْرَاب لَا بِمَعْنى لَيْسَ وفاتك مَخْصُوص فَلهَذَا نونه وَلَيْسَ بنكرة مَبْنِيا مَعَ لَا فَيكون مَنْصُوبًا بِغَيْر تَنْوِين الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ لنا بِمصْر رجل آخر نقصده فِي جوده مثل فاتك لِأَنَّهُ لم يخلف مثله بعده كرما وشجاعة
١٩مَن لا تُشابِهُهُ الأَحياءُ في شِيَمِ
أَمسى تُشابِهُهُ الأَمواتُ في الرِمَمِ
الواحدي: أي من لم يكن له شبيه من الأحياء في شيمه وأخلاقه صار الأموات يشابهونه في العظام البالية أي مات فاشبه الأموات واشتبهوه
العكبري: الْغَرِيب الرمم الْعِظَام البالية والشيم الْخَلَائق الْمَعْنى يَقُول من لم يكن لَهُ شبه فِي الْأَحْيَاء فِي أخلاقه صَار تشابهه الْأَمْوَات فِي الْعِظَام البالية فَمَاتَ فَأشبه الْأَمْوَات فِي الْعِظَام البالية
٢٠عَدِمتُهُ وَكَأَنّي سِرتُ أَطلُبُهُ
فَما تَزيدُنِيَ الدُنيا عَلى العَدَمِ
الواحدي: أي لكثرة أسفاري وترددي في الدنيا كأني أطلب له نظيرا ولا أحصل إلا على العدم
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة أسفاري وترددى فِي الدُّنْيَا كَأَنِّي أطلب لَهُ نظيرا وَلَا أحصل إِلَّا على الْعَدَم لِأَنِّي لَا أجد مثله بعده
٢١ما زِلتُ أُضحِكُ إِبلي كُلَّما نَظَرَت
إِلى مَنِ اِختَضَبَت أَخفافُها بِدَمِ
الواحدي: يقول مازلت اسافر عليها إلى من لا يستحق القصد إليه فلو كانت الإبل مما يضحك لضحكت إذا نظرت إلى من قصدته استخفافا به وفي الكلام محذوف به يتم المعنى إلى من أختضبت أخفافها بدم في قصده أو في المسير إليه
العكبري: الْمَعْنى يَقُول مازلت أسافر عَلَيْهَا إِلَى من لَا يسْتَحق الْقَصْد إِلَيْهِ فَلَو كَانَت الْإِبِل مِمَّا تضحك لضحكت إِذا نظرت من قصدته اسْتِخْفَافًا بِهِ وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف بِهِ يتم الْمَعْنى تَقْدِيره اختضبت أخفافها بِدَم فِي قَصده أَو الْمسير إِلَيْهِ وَفِيه تعويض بِبَعْض أهل بَغْدَاد
٢٢أُسيرُها بَينَ أَصنامٍ أُشاهِدُها
وَلا أُشاهِدُ فيها عِفَّةَ الصَنَمِ
الواحدي: يقال أسار دابته إذا سيرها ومن روى أسيرها أراد أسير عليها فحذف حرف الصلة وعنى بالأصنام قوما يطاعون ويعظمون وهم كالجماد والموت لا اهتزاز فيهم للكرم ولا أريحية للجود ثم فضل الصنم عليهم فقال ليست لهم عفة الصنم لأن الصنم وإن لم ينفع فهو غير موصوف بالفضائح والقبائح وهؤلاء لا يعفون عن محرم ولا عن قبيح
العكبري: الْغَرِيب يُقَال أساردابته بسيرها ويروى أَسِيرهَا بِمَعْنى أَسِير عَلَيْهَا والأصنام صور لَا تعقل جماد وعنى بِهَذَا هَهُنَا قوما يطاعنون ويعظمون وهم كالجماد الْمَعْنى يَقُول أَسِير دَابَّتي بَين أصنام كالجماد مطاعين لَا اهتزاز فيهم للكرم وَلَا أريحية للجود والصنم أفضل مِنْهُم لأَنهم لَيست لَهُ لَهُم من عفة الصَّنَم لِأَن الصَّنَم وَإِن لم ينفع فَهُوَ غير مَوْصُوف بالفضائح والقبائح وَهَؤُلَاء لَا يعفون عَن مُنكر وَلَا قَبِيح
٢٣حَتّى رَجَعتُ وَأَقلامي قَوائِلُ لي
المَجدُ لِلسَيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ
الواحدي: أي حتى عدت إلى وطني وقد علمت أن المجد يدرك بالسيف لا بالقلم لأن العالم غير معظم ولا مهيب هيبة صاحب السيف ولا يدرك من أمور المجد والشرف ما يدركه ولهذا قيل لا مجد أسرع من مجد السيف
العكبري: الْإِعْرَاب قطع ألف الْوَصْل فِي أول النّصْف الثَّانِي وَقد ذكره سِيبَوَيْهٍ فِي الضرورات وَأنْشد الْأَعْشَى (إذْ سامَهُ خُطَّتيْ خَسْفٍ فَقَالَ لهُ ... إعْرِضْهُما هَكَذَا أسْمَعْهمُا حارِ) وَحسن هَذَا أَنه حِكَايَة عَن قَائِل ولقطع ألف الْوَصْل أَربع مَرَاتِب الأولى أَن تكون فِي أول الْبَيْت وَلَا ضَرُورَة فِيهِ كَقَوْل الْقطَامِي (الضَّارِبُونَ عُمَيْراً عَنْ بُيُوِتهِم ... بِالنَّبْلِ يَوْمَ عُمَيرٌ ظالِمٌ عادِي) وَالثَّانيَِة هَكَذَا لِأَنِّي الطّيب وَالثَّالِثَة أَن تكون بعد حرف سَاكن كَقَوْل جميل (أَلا لَا أرَى اثْنَينِ أحْسَنَ شِيمَةً ... عَلى حَدَثانِ الدَّهْرِ مِنَّي وَمن جمل) وكقول قيس بن الخطيم (إِذا جاوَزَ الإثْنَيْنِ سرٌّ فإنَّه ... بِكُثرٍ وَتكثيرُ الوُشاةٍ قَمِينُ) وَالرَّابِعَة وَهِي أقبح الضرورات أَن تكون ألف الْوَصْل بعد متحرك كَقَوْل الراجز (يَا نفسُ صَبراً كلُّ حَتى لاقِ ... وكُلُّ اثْنَينِ إِلَى افْتِراقِ) وَلَو ترك قيس الِاثْنَيْنِ وَقَالَ الخلين لتخلص من الضَّرُورَة وَكَذَلِكَ الراجز وَقد قيل إنَّهُمَا نطقا بِهِ على الصَّوَاب وَغَيره الروَاة الْمَعْنى يَقُول عدت إِلَى وطني وَأَنا أعلم أَن الْمجد يدْرك بِالسَّيْفِ لَا بالقلم لِأَن الْقَلَم غير مُعظم وَلَا مهيب هَيْبَة السَّيْف وَلَا يُدْرِكهُ من أُمُور الْمجد والشرف مَا يُدْرِكهُ وَلِهَذَا قيل لَا مجد أسْرع من مجد السَّيْف وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب (السَّيْفُ أصْدَقُ أنْباءً مِنَ الكُتُبِ ... )
٢٤اِكتُب بِنا أَبَداً بَعدَ الكِتابِ بِهِ
فَإِنَّما نَحنُ لِلأَسيافِ كَالخَدَمِ
الواحدي: هذا من حكاية قول القلم أي قالت لي الأقلام أخرج على الناس بالسيف واقتلهم ثم اكتب بنا الفتوح وما تقول من الشعر فيهم فإن القلم كالخادم للسيف وهذا من قول البحتري، تعنو له وزراء الملك خاضعة، وعادة السيف أن يستخدم القلما، وجعل الضرب بالسيف كالكتاب به وهو مصدر كالكتابة
العكبري: الْغَرِيب الْكتاب مصدر يُقَال كتبت كتابا وكتبا الْمَعْنى هَكَذَا حِكَايَة قَول الْقَلَم وَالْمعْنَى قَالَت لي الأقلام اخْرُج على النَّاس بِالسَّيْفِ واقتلهم ثمَّ اكْتُبْ بِنَا مَا تَقول من الشّعْر فيهم فَإِن الْقَلَم كالخادم للسيف وَجعل الضَّرْب بِالسَّيْفِ كالكتابة بِهِ وَهُوَ من قَول البحتري (تَعْنُو لَهُ وُزَراءُ المُلْكِ خاضعِةً ... وَعادَةُ السَّيْفِ أنْ يَسْتَخْدِم القلما)
٢٥أَسمَعتِني وَدَوائي ما أَشَرتِ بِهِ
فَإِن غَفِلتُ فَدائي قِلَّةُ الفَهَمِ
الواحدي: هذا جواب للأقلام يقول لما أسمعتني قولك ودوائي إشارتك علي بالصواب فإن تركت إشارتك ولم أفهمها صار ذلك دائي ثم أكد ما أشارت به عليه الأقلام من استعمال السيف فقال
العكبري: الْمَعْنى أَنه جاوب الأقلام بِهَذَا الْجَواب فَقَالَ لَهَا أسمعتني قَوْلك ودوائي هُوَ إشارتك عَليّ بِالصَّوَابِ وَإِن تركت إشارتك وَلم أفهمها صَار ذَلِك دائي ثمَّ أكده بِمَا أشارت عَلَيْهِ الأقلام بِهِ من اسْتِعْمَال السَّيْف بقوله
٢٦مَنِ اِقتَضى بِسِوى الهِندِيِّ حاجَتَهُ
أَجابَ كُلَّ سُؤالٍ عَن هَلٍ بِلَمِ
الواحدي: يقول من طلب حاجته بغير السيف أجاب سائله عن قوله هل أدركت حاجتك لم أدرك قال القاضي أبو الحسن أبن عبد العزيز كان الواجب أن يقول عن هل بلا لأن الطالب بغير السيف يقول هل تتبرع لي بهذا المال فيقول المؤول لا فأقام لم مقام لا لأنهما حرفان للنفي وهذا ظلم منه للمتنبي وقلة فهم من القاضي ول أراد ذلك الذي ظنه لقال أجيب عن كل سؤال بهل بلا لأنه المقتضي فيجاب وليس هو المجيب والذي أراد أبو الطيب أن الناس سألونه هل أدركت هل وصلت إلى بغيتك فيجيب ويقول في الجواب لم أدرك ولم أبلغ لم أظفر ولم أصل
العكبري: الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح جعل هَل وَلم اسْمَيْنِ فجرهما وَهل حرف اسْتِفْهَام وَلم حرف نفي قَالَ وَيجوز أَن تكون الكسرة لم كسرة السَّاكِن إِذا احْتج إِلَى تحريكه للقافية كَقَوْل النَّابِغَة (٠٠٠٠٠ ... وَكأنْ قَدِ) وَحكى الْخَلِيل قَالَ قلت لأبي الدقيش هَل لَك فِي ثريدة كَأَن ودكها عُيُون الضياون فَقَالَ أَسد الْجَواب لهل أوحاه أَي أسرعه الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول من طلب حَاجته بِغَيْر السَّيْف أجَاب سائله عَن قَوْله هَل أدْركْت حَاجَتك بقوله لم أدْرك وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحسن بن عبد الْعَزِيز كَانَ الْوَاجِب أَن يَقُول عَن هَل يَلِي لِأَن الطَّالِب بِغَيْر السَّيْف يَقُول هَل تتبرع لي بِهَذَا المَال فَيَقُول الْمَسْئُول لَا فَأَقَامَ لم مقَام لَا لِأَنَّهُمَا حرفا نفي وَهَذَا ظلم مِنْهُ للمتنبي وَقلة فهم من القَاضِي وَلَو أَرَادَ ذَلِك الَّذِي ظَنّه لقَالَ أُجِيب عَن كل سُؤال بهل بِلَا لِأَن الْمُقْتَضى مجاب لَيْسَ هُوَ الْمُجيب وَالَّذِي أَرَادَ المتنبي أَن النَّاس يسألونه هَل أدْركْت حَاجَتك هَل وصلت إِلَى بغيتك فيجيب وَيَقُول لم أدْرك لم أبلغ لم أظفر لم أصل إِلَى مَا أطلب
٢٧تَوَهَّمَ القَومُ أَنَّ العَجزَ قَرَّبَنا
وَفي التَقَرُّبِ ما يَدعو إِلى التِهَمِ
الواحدي: يقول القوم الذين قصدناهم بالمديح توهموا أن العجز عن طلب الرزق قربنا ثم قال وقد يدعو إلى التهمة التقرب لأنك إذا تقربت إلى إنسان توهمك عاجزا محتاجا إليه
العكبري: الْمَعْنى الْقَوْم الَّذين قصدناهم بالمديح توهموا أَن الْعَجز عَن طلب الرزق قربنا ثمَّ قَالَ والتقرب قد يَدْعُو إِلَى التُّهْمَة لِأَنَّك إِذا تقربت إِلَى إِنْسَان توهمك عَاجِزا محتاجا إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يَنْبَغِي أَن يتهمونا فِي قصدهم وَلَا يتهمونا فِي أَنا مستهجنون
٢٨وَلَم تَزَل قِلَّةُ الإِنصافِ قاطِعَةً
بَينَ الرِجالِ وَلَو كانوا ذَوي رَحِمِ
الواحدي: ترك الإنصاف داعية للقطيعة بين الناس وإن كانوا أقارب وهذا من قول الآخر، إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته، على طرف الهجران إن كان يعقل
العكبري: الْمَعْنى يَقُول ترك الْإِنْصَاف دَاعِيَة القطيعة بَين النَّاس وَإِن كَانُوا أقَارِب وَهُوَ من قَول الآخر (إِذا أنْتَ لمْ تُنْصِفْ أخاكَ وَجَدْتَه ... عَلى طَرَفِ الهِجْرَانِ إِن كانَ يعقلُُ)
٢٩فَلا زِيارَةَ إِلّا أَن تَزورَهُمُ
أَيدٍ نَشَأنَ مَعَ المَصقولَةِ الخُذُمِ
الواحدي: يقول إذا لم ينصفونا فلا أزورهم إلا بالسيوف القواطع
العكبري: الْغَرِيب الخذم جمع خذوم وَهُوَ السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول إِذا لم ينصفونا فَلَا نزورهم إِلَّا بِالسُّيُوفِ القواطع
٣٠مِن كُلِّ قاضِيَّةٍ بِالمَوتِ شَفرَتُهُ
ما بَينَ مُنتَقَمٍ مِنهُ وَمُنتَقِمِ
الواحدي: من كل سيف تقضي شفرته بالموت بين الفريقين الظالم والمظلوم
العكبري: الْمَعْنى يَقُول من كل سيف تقضي شفرته وَهِي حَده بِالْمَوْتِ بَين الْفَرِيقَيْنِ الظَّالِم والمظلوم
٣١صُنّا قَوائِمَها عَنهُم فَما وَقَعَت
مَواقِعَ اللُؤمِ في الأَيدي وَلا الكَزَمِ
الواحدي: يقول صنا قوائم السيوف فما وقعت إلا في أيدينا التي لا لؤم فيها ولا كزم وهو قصر اليد يعني أنهم لا يحسنون العمل بالسيف ونحن أربابها نشأت أيدينا معها والمعنى أنهم لم يسلبونا سيوفنا فتقع في أيديهم التي هي مواقع اللؤم والقصر عن بلوغ الحاجة
العكبري: الْغَرِيب اللؤم خسة الأَصْل وَالْبخل والكزم قصر الْيَد وناقة كزماء إِذا قصر خطامها الْمَعْنى يَقُول صنا قَوَائِم السيوف فَمَا وَقعت إِلَّا فِي أَيْدِينَا الَّتِي لَا لؤم فِيهَا وَلَا قصر يَعْنِي أَنهم لَا يحسنون الْعَمَل بِالسُّيُوفِ وَنحن أَرْبَابهَا نشأت أَيْدِينَا مَعهَا وَالْمعْنَى أَنهم لم يسلبونا سُيُوفنَا فَتَقَع فِي أَيْديهم الَّتِي هِيَ مواقع اللؤم وَالْقصر عَن بُلُوغ الْحَاجة وَقَالَ ابْن القطاع قد صحف هَذَا الْبَيْت جمَاعَة فَرَوَوْه الْكَرم ضد الْبُخْل وَلَا معنى لَهُ هُنَا وَإِنَّمَا الصَّحِيح الكزم بالزاي وَهُوَ قصر الْيَد بالبخل وَمَا رَأَيْت أحدا روا بالراء كَمَا ذكر
٣٢هَوِّن عَلى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُ
فَإِنَّما يَقَظاتُ العَينِ كَالحُلُمِ
الواحدي: ما شق منظره أي ما صعبت رؤيته مما كرهته ومن روى منظره بالفتح فلأن المرأى يشق البصر ويفتحه باقتضائه النظر إليه والكناية على هذا للبصر وفي الرواية الأولى الكناية لما ومعنى شق من قولهم يشق علي هذا الأمر يقول هون على العين ما شق عليها النظر إليه مما تراه من المكاره وهب أنك تراه في الحلم لأن ما تراه في اليقظة شبيه بما تراه في المنام لأنهما يبقيان قليلا ثم يزولان ألا ترى إلى قول أبي تمام، ثم انقضت تلك السنون وأهلها، فكأنها وكأنهم أحلام، ولم يعرف أبن جنى شيئا من هذا فقال يقال شق بصر الميت شقوقا الفعل للبصر قال ومعنى البيت هون على بصرك شقوقه ومقاساة النزع وهذا كلام كما تراه في الفساد والبعد عن الصواب
العكبري: الْغَرِيب يقظات جمع يقظة وَهِي الانتباه والحلم مَا يرى فِي النّوم الْإِعْرَاب من روى منظره بِالرَّفْع يُرِيد مَا صعبت رُؤْيَته وَمن روى بِالْفَتْح فَإِن المُرَاد شقّ الْبَصَر وفتحه باقتضائه النّظر إِلَيْهِ وَالْكِنَايَة على هَذَا لِلْبَصَرِ وَفِي الرِّوَايَة الأولى الْكِنَايَة لما وَمعنى شقّ من قَوْلهم شقّ على هَذَا الْأَمر الْمَعْنى يَقُول هون على الْعين مَا شقّ عَلَيْهَا النّظر إِلَيْهِ مِمَّا ترَاهُ من المكاره وهب أَنَّك ترَاهُ فِي الْحلم لِأَن مَا ترَاهُ فِي الْيَقَظَة يشبه مَا ترَاهُ فِي الْمَنَام لِأَنَّهُمَا يبقيان قَلِيلا تمّ يزولان أَلا ترى إِلَى قَول أبي تَمام (ثمَّ انْقَضَتْ تِلْك السِّنُونَ وَأهلُها ... فكأنَّها وَكأنَّهُمْ أحْلامُ) قَالَ الواحدي وَلم يعرف ابْن جنى شَيْئا من هَذَا وَقَالَ يُقَال شقّ بصر الْمَيِّت شقوقا الْفِعْل لِلْبَصَرِ قَالَ وَمعنى الْبَيْت هون عَليّ بَصرك شقوقه ومقاساة النزع وَهَذَا كَلَام كَمَا ترَاهُ فِي غَايَة الْفساد والبعد عَن الصَّوَاب وَقَالَ ابْن القطاع قَول ابْن جنى هون عل بَصرك شقوقه ومقاساته النزع والحشرجة صَحِيح فَإِن الْحَيَاة كَالْحلمِ وَهُوَ من قَول الْحَكِيم كرور الْأَيَّام أَحْلَام وغذاؤها أسقام والآلام
٣٣وَلا تَشَكَّ إِلى خَلقٍ فَتُشمِتَهُ
شَكوى الجَريحِ إِلى الغِربانِ وَالرَخَمِ
الواحدي: يقول لا تشك إلى أحد ما ينزل بك من ضر وشدة فتشتمه بشكواك والشكوى إلى الناس يكون كشكوى المجروح إلى الطير التي ترقب أن يموت فتأكله
العكبري: الْغَرِيب الْغرْبَان جمع غراب يُقَال غربان وأغربة وغرابيب والرخم خسيس الطير الْمَعْنى يَقُول لَا تشك إِلَى أحد من النَّاس مَا تَلقاهُ لِأَنَّك لَا تأمن أَن يكون المشكو إِلَيْهِ شامتا إِذا علم بالشكية وَقَالَ الْخَطِيب النَّاس بَعضهم أَعدَاء بعض فَمن شكا حَاله إِلَيْهِم فَهُوَ كَمثل جريح اجْتمعت عَلَيْهِ الطير لتأكل لَحْمه فَهُوَ يشكو إِلَيّ من لَيْسَ عِنْده رَحْمَة لِأَن الْغرْبَان والرخم إِنَّمَا يَجْتَمِعَانِ حول الجريح ليأكلا لَحْمه
٣٤وَكُن عَلى حَذَرٍ لِلناسِ تَستُرُهُ
وَلا يَغُرُّكَ مِنهُم ثَغرُ مُبتَسِمُ
الواحدي: يقول احذر الناس واستر حذرك منهم ولا تغتر بابتسامتهم إليك فإن خدعهم في صدورهم
٣٥غاضَ الوَفاءُ فَما تَلقاهُ في عِدَةٍ
وَأَعوَزَ الصِدقُ في الإِخبارِ وَالقَسَمِ
العكبري: الْإِعْرَاب غاض مُتَعَدِّيا ولازما سَوَاء بِمَعْنى الْمَعْنى نقص الْوَفَاء فَمَا ترَاهُ فِي عدَّة يَعْنِي إِذا وَعدك أحد بِشَيْء لم يَفِ بِهِ وَقد أوعز الصدْق أَي قل فَمَا يُوجد فِي أَخْبَار وَلَا قسم إِذا أخْبرك أحد بِشَيْء فَمَا يصدق فِيهِ وَإِذا حلف لم يصدق
٣٦سُبحانَ خالِقِ نَفسي كَيفَ لَذَّتُها
فيما النُفوسُ تَراهُ غايَةُ الأَلَمِ
الواحدي: يتعجب من أن الله تعالى جعل لذته في ورود المهالك وقطع المفاوز وذلك غاية ألم النفوس
٣٧الدَهرُ يَعجَبُ مِن حَملي نَوائِبَهُ
وَصَبرِ جِسمي عَلى أَحداثِهِ الحُطُمِ
العكبري: الْغَرِيب الحطم بِالضَّمِّ جمع حطوم وبالفتح جمع حطمة وَهِي من أَسمَاء النَّار لِأَنَّهَا تحطم مَا يلقى فِيهَا وَاصل الحطم الْكسر حطمته كَسرته وَيُقَال حوادث وأحداث فحوادث جمع حادثه وأحداث جمع حدث الْمَعْنى يَقُول من شدَّة صبري على نَوَائِب الدَّهْر فالدهر يتعجب من حملي وصبري على حوادثه لِأَنِّي لَا أَشْكُو إِلَى أحد مَا بِي
٣٨وَقتٌ يَضيعُ وَعُمرٌ لَيتَ مُدَّتَهُ
في غَيرِ أُمَّتِهِ مِن سالِفِ الأُمَمِ
الواحدي: يقول لي وقت يضيع في مخالطة أهل الدهر ومصاحبتهم لأنهم سفل أنذال يضيع الوقت بصحبتهم وليت مدة عمري كانت في أمة أخرى من الأمم السالفة وهذا شكاية من أهل الدهر
العكبري: الْإِعْرَاب وَقت خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره هُوَ وَقت وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير لي وَقت فَيكون ابْتِدَاء الْمَعْنى يَقُول لي وَقت يضيع فِي مُخَالطَة أهل الدَّهْر ومصاحبتهم لأَنهم سفل أنذال يضيع الْوَقْت بصحبتهم وليت مُدَّة عمري كَانَت فِي أمة أُخْرَى من الْأُمَم السالفة وَهَذَا شكاية من أهل الدَّهْر الْغَرِيب الْهَرم الْكبر وَالْعجز وَالْخَوْف وَهُوَ مَا ينَال الشَّيْخ عِنْد كبره الْمَعْنى يَقُول الْأُمَم السَّابِقَة كَانُوا قبلنَا فِي حدثان الدَّهْر وجدته فسرهم وأتاهم بِمَا يفرحون وَنحن أتيناه وَقد كبر وَعجز فَلم نجد عِنْده مَا يسرنَا وَقد نظر إِلَى قَول من قَالَ (وَنْحنُ فِي عدََمٍ إذْ دَهْرُنا جَذَعٌ ... فَالْآن أمْسَى وَقدْ أوْدَى بهِ الخوَفْ) وَأخذ هَذَا الْمَعْنى أَبُو الْفَتْح البستي فِي قَوْله (لَا غَرْوَ إنْ لمْ نَجِدُ فِي الدَّهْرِ مُخْتَرَفا ... فَقَدْ أتَيْناهُ بَعدْ الشَّيْبِ وَالخرَفِ) الْمَعْنى يَقُول نَحن نزور ديار الْأَعْدَاء وَلَا نحب مغنى من مغانيها والزيارة تَقْتَضِي الْمحبَّة إِلَّا أَنا نزور هَذِه الديار غير محبين لَهَا لِأَنَّهَا ديار أَعْدَائِنَا ونسأل الْإِذْن من غير سكانها لأَنا نسْأَل سيف الدولة أَن يَأْذَن لنا لنسرع إِلَيْهَا فنقتل من بهَا ونسلبهم أَمْوَالهم
٣٩أَتى الزَمانَ بَنوهُ في شَبيبَتِهِ
فَسَرَّهُم وَأَتَيناهُ عَلى الهَرَمِ
الواحدي: يقول أبناء الزمان من الأمم السالفة كانوا في حدثان الدهر وجدته فسرهم وأتاهم ما يفرحون به ونحن أتينا الزمان وقد صار خرفا فلم نجد عنده ما يسرنا وقد أخذ أبو الفتح البستي هذا المعنى وجنس اللفظ فقال، لا غزو إن لم نجد في الدهر مخترفا، فقد أتيناه بعد الشيب والخرف، والمتنبي نظر في بيته إلى قول من قال، ونحن في عدم إذ دهرنا جذع، فالآن أمسى وقد أودى به الخرف
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.