من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ألفاظ لأهل العصر في صفات الثقلاء
فلان ثقيل الطّلعة، بغيض التفصيل والجملة، بارد السكون والحركة؛ قد خرج عن حدّ الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشّمال. يحكى ثقل الحديث المعاد، ويمشى في القلوب والأكباد، ولا أدرى كيف لم تحمل الأمانة أرض حملته؟ وكيف احتاجت إلى الجبال بعد ما أقلّته؟ كأنّ وجهه أيام المصائب، وليالى النوائب، وكأنما قربه فقد الحبائب، وسوء العواقب.
وكأنما وصله عدم الحياة، وموت الفجأة، وكأنما هجره قوة المّنة، وريح الجنّة.
يا عجبى من جسم كالخيال، وروح كالجبال. كأنه ثقل الدّين، على وجع العين. هو ثقيل السكون، بغيض الحركة، كثير الشؤم، قليل البركة. هو بين الجفن والعين قذاة، وبين الأخمص والنّعل حصاة. ما هو إلا غداة الفراق، وكتاب الطلاق، وموت الحبيب، وطلوع الرقيب. ما هو إلّا أربعاء
لا تدور في صفر، والكابوس في وقت السّحر، وأثقل من خراج بلا غلّة، ودواء بلا علّة، وأبغض من مثل غير سائر، وأجمع للعيوب من بغلة أبى دلامة، وحمار طيّار، وطيلسان ابن حرب، وأير أبى حكيمة، وأنشد:
مشى فدعا من ثقله الحوت ربّهوقال: إلهى زيدت الأرض ثانيه
وأنشد:
تحمل منه الأرض أضعاف مايحمله الحوت من الأرض
وأنشد:
مشتمل بالبغض لا تنثنىإليه لحظا مقلة الرّامق
يظلّ في مجلسنا قاعداأثقل من واش على عاشق
وقال الحمدونى:
سألتك بالله إلّا صدقتوعلمي بأنّك لا تصدق
أتبغض نفسك من ثقلهاوإلا فأنت إذا أحمق
وكتب أبو عبد الرحمن العطوى إلى بعض إخوانه:
إذا أنت لم ترسل وجئت فلم أصلملأت بعذر منك سمع لبيب
أتيتك مشتاقا فلم أرحاجباولا صاحبا إلا بوجه قطوب
كأنى غريم مقتض، أو كأننىطلوع رقيب أو نهوض حبيب
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يستثقل جليسا اسمه زنباع، فقال له رجل يوما: ما الزنبعة في كلام العرب؟ قال: التثاقل، ولذلك سمّى جليسنا زنباعا.
وقد كثّر الناس في الثقلاء، وأنا أستحسن قول جحظة، وإن كان غيره قد تقدّمه في مثله:
يا لفظة النّعى بموت الخليليا وقفة التّوديع بين الحمول
يا شربة اليارج يا أجرة المنزل يا وجه العذول الثفيل
يا طلعة النّعش ويا منزلاأقفر من بعد الأنيس الحلول
يا نهضة المحبوب عن غضبةيا نعمة قد آذنت بالرّحيل
يا كتابا جاء من مخلفللوعد مملوءا بعذر طويل
يا بكرة الثّكلى إلى حفرةمستودع فيها عزيز الثكول
يا وثبة الحافظ مستعجلابصرفه القينات عند الأصيل
ويا طبيبا قد أتى باكراعلى أخى سقم بماء البقول
يا شوكة في قدم رخصةليس إلى إخراجها من سبيل
يا عشرة المجذوم في رحلهويا صعود السّعر عند المعيل
يا ردّة الحاجب عن قسوةونكسة من بعد برء العليل
وجحظة هذا هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، وقال أبو الحسن على بن محمد بن مقلة الوزير: سألت جحظة من لقّبه بهذا اللقب؟ فقال: ابن المعتز، لقينى يوما، فقال لى: ما حيوان إن نكّسوه أتانا آلة للمراكب البحرية، فقلت: علق، إذا نكّس صار قلعا، قال: أحسنت يا جحظة؛ فلزمنى هذا اللقب، وكان ناتئ العينين جدّا، قبيح الوجه، ولذلك قال ابن الرومى:
نبئت جحظة يستعير جحوظهمن فيل شطرنج ومن سرطان
يا رحمتى لمنادميه تحمّلواألم العيون للذّة الآذان
وكان طيّب الغناء، ممتدّ النفس، حسن المسموع؛ إلا أنه كان ثقيل اليد فى الضرب؛ وكان حلو النادرة، كثير الحكاية، صالح الشّعر؛ ولا تزال تندرله الأبيات الجيدة، وهو القائل:
جانبت أطيب لذّتى وشرابىوهجرت بعدك عامدا أصحابى
فإذا كتبت لكى أنزّه ناظرىفى حسن لفظك لم تجد بجواب
إن كنت تتكر ذلّتى وتذلّلىونحول جسمى وامتداد عذابى
فانظر إلى بدنى الذى موّهتهللناظرين بكثرة الأثواب
وقال:
وإذا جفانى صاحبلم أستجز ما عشت قطعه
وتركته مثل القبور أزورها في كلّ جمعه
وقال:
ضاقت علىّ وجوه الرأى في نفريلقون بالجحد والكفران إحسانى
أقلّب الطرف تصعيدا ومنحدرافما أقابل إنسانا بإنسانى
وقال:
لقد مات إخوانى الصالحونفمالى صديق ومالى عماد
إذا أقبل الصبح ولّى السروروإن أقبل الليل ولّى الرقاد
وقالى يهجو رجلا:
لا تعذلونى إن هجرت طعامهخوفا على نفسى من المأكول
فمتى أكلت قتلته من بخلهومتى قتلت بالمقتول
ومن حكاياته ما حدّثنى خالد الكاتب قال: جاءنى يوما رسول إبراهيم ابن المهدى، فصرت إليه، فرأيت رجلا أسود على فرش قد غاص فيها، فاستجلسنى وقال: أنشدنى من شعرك، فأنشدته:
رأت منه عينى منظرين كما رأتمن الشمس والبدر المنير على الأرض
عشيّة حيّانى بورد كأنهخدود أضيفت بعضهن إلى بعض
ونازعنى كأسا كأن حبابهادموعى لمّا صدّ عن مقلتى غمضى
وراح وفعل الراح في حركاتهكفعل نسيم الريح بالغصن الغضّ
فزحف حتى صار في ثلثى الفراش، وقال: يا فتى، شبهوا الخدود بالورد، وأنت شبهت الورد بالخدود، زدنى فأنشدته:
عاتبت نفسى في هواك فلم أجدها تقبل
وأطعت داعيها إليك فلم أطع من يعذل
لا والذى جعل الوجوهـ لحسن وجهك تمثل
لا قلت إن الصبر عنكمن التّصابى أجمل
فزحف حتى انحدر عن الفرش ثم قال لى: زدنى، فأنشدته:
عش فحبّيك سريعا قاتلىوالضّنى إن لم تصلنى واصلى
ظفر الحبّ بقلب دنففيك والسّقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنىتركانى كالقضيب الذّابل
وبكى العاذل لى من رحمةفبكائى لبكاء العاذل
فنعر طربا وقال: يا يلبق؛ كم معك لنفقتنا؟ قال: ثمانمائة وخمسون دينارا.
قال: اقسمها بينى وبين خالد، فدفع إلىّ نصفها وأنشد جحظة أو غيره ولم يسمّ قائله:
لا يبعد الله إخوانا لنا سلفواأفناهم حدثان الدّهر والأبد
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتناولا يؤوب إلينا منهم أحد
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع