تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

السّمر والمنادمة

قال محمد بن أنس للقاسم بن صبيح: مازلنا في سمر نصل فصوله بتشوّقك، فيذهب ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر. فقال القاسم: مثلك ذكر صديقه فأطراه، واعتذر إليه فأرضاه، ولو كنتم آذنتمونى كنت أحدكم، مسرورا بما به سررتم، مفيضا فيما فيه أفضتم.

قال بعض الظرفاء: شرط المنادمة قلّة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف، والمسامحة في الشراب، والتغافل عن ردّ الجواب، وإدمان الرضا، واطّراح ما مضى، وإسقاط التحيّات، واجتناب اقتراح الأصوات، وأكل ما حضر، وإحضار ما تيسّر، وستر العيب، وحفظ الغيب.

وقد أحسن أبو عبد الرحمن العطوى في قوله:

حقوق الكاس والنّدمان خمسفأوّلها التزيّن بالوقار
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
وثانيها مسامحة النّدامىفكم حمت السماحة من ذمار
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
وثالثها، وإن كنت ابن خيرالبريّة محتدا، ترك الفخار
ورابعها وللنّدمان حقسوى حقّ القرابة والجوار
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
إذا حدثته فاكس الحديثالّذى حدّثته ثوب اختصار
فما حثّ التبيذ بمثل حسن الأغانى والأحاديث القصار
وخامسة يدلّ بها أخوهاعلى كرم الطبيعة والنّجار
حديث الأمس ننساه جميعافإنّ الذّنب فيه للعقار
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
ومن حكّمت كاسك فيه فاحكمله بإقالة عند العثار

وقال حسان بن ثابت:

نوّليها الملامة إن ألمناإذا ما كان مغث أو لحاء
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»

وشرب اليزيدى عند المأمون فلما أخذت منه الكأس أقبل يعتزّ عليه بتعليمه إياه، وأساء مخاطبته؛ فلما أفاق من سكره عرّف ما جرى، فلبس أكفانه، ووقف بين يدى المأمون فأنشده:

أنا المذنب الخطّاء والعفو واسعولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «أنا المذنب الخطاء والعفو واسع»
ثملت فأبدت منّى الكاس بعض ماكرهت وما إن يستوى السّكر والصّحو
للشاعر إبراهيم اليزيدي، اقرأ القصيدة
ولا سيما إن كنت عند خليفةوفي مجلس ما إن يجوز به اللّغو
للشاعر إبراهيم اليزيدي، اقرأ القصيدة
فإن تعف عنى ألف خطوى واسعاوإلا يكن عفو فقد قصر الخطو
للشاعر إبراهيم اليزيدي، اقرأ القصيدة

فقال المأمون: لا تثريب عليك، فالنبيذ بساط يطوى بما عليه.

وشرب كوران المغنى عند الشريف الرضى، فافتقد رداءه، وزعم أنه سرق. فقال له الشريف: ويحك! من تتّهم منا؟ أما علمت أنّ النبيذ بساط يطوى بما عليه؟ قال: انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائى واطووه إلى يوم القيامة! وكان أبو جعفر أحمد بن جدار كاتب العباس بن أحمد بن طولون ينقل أخبار أبى حفص عمر بن أيوب كاتب أحمد بن طولون على الشراب إلى العباس، فصار إليه أبو حفص فقال: يا أبا جعفر؛ إنما مجلس المدام مجلس حرمة، وداعية أنس،

ومسرح لبانة، ومذاد همّ، ومرتع لهو، ومعهد سرور، وإنما توسطته عند من لا يتّهم غيبه، ولا يخشى عتبه، وقد اتصل بى ما تنهبه إلى أميرنا أبى الفضل أعز الله أمره، من أخبار مجالستى، فلا تفعل، وأنشده:

ولقد قلت للأخلاء يوماقول ساع بالنّصح لو سمعره
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة
إنما مجلس المدام بساطللمودات بينهم وضعوه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوامن نعيم ولذة رفعوه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة
وهم أحرياء، إن كان منهمحافظ، ما أتوه أن يمنعوه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة

فاعتذر ابن جدار وحلف ما فعل، وقام من مجلسه.

وأنشد أبو حفص:

كم من أخ أو جست منه سجيّةفأنست بعد وداده بفراقه
لم أحمد الأيام منه خليقةفتركته مستمتعا بخلاقه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة

عوّل أبو حفص في أكثر كلامه على نقل كلام أبى العباس الناشىء في الشراب، والأبيات التي أنشد أولا له.

أبو القاسم الصاحب: قدما حملت أوزار السّكر، على ظهور الخمر، وطوى بساط الشراب، على ما فيه من خطأ أو صواب. متابعة العقار، تعذر في خلع العذار، وتغنى عن الاعتذار. متابعة الأرطال، تبطل سورة الأبطال، وتدع الشيوخ كالأطفال.

كتب إسحاق بن إبراهيم الموصلى إلى بعض الجلّة يستدعيه:

يومنا يوم ليّن الحواشى، وطىء النواحى؛ وسماؤنا قد أقبلت، ورعدت بالخير وبرقت، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور؛ فلا تفردنا فنقلّ، ولا تنفرد عنا فنذلّ.

وكتب بعض أهل العصر- وهو السّرىّ الموصلى- إلى أخ له يستدعيه إلى مؤانسته:

خلالك، ما اختلّ الصديق، سحائبوبشرك، ما هبّت رياح، مواهب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «خلالك ما اختل الصديق سحائب»
وأنت شقيق الرّوح تؤثر وصلهاإذا راعها بالهجر خلّ وصاحب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «خلالك ما اختل الصديق سحائب»
ونحن خلال القصف والعزف نجتنىثما ملاه كلهنّ أطايب
وعندى لك الرّيحان زين بساطهبزهر كما زانت سماء كواكب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «خلالك ما اختل الصديق سحائب»
وجيش كما انجرّت ذيول غلائلمصندلة تختال فيها الكواعب
وقد أطلقت فيه الشمائل، وانثنتمفنّدة عن جانبيها الجنائب
وحافظة ماء الحياة لفتيةحياتهم أن تستلذّ المشارب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «خلالك ما اختل الصديق سحائب»
نسربلها أخفى اللباس، وإنمايلفّ بها أفواهه والسّبائب
على جسد مثل الزّ برجد لم تزلتشاكله في لونه وتناسب
إذا استودعت حرّ اللّجين سبائكاتصوّب في أحشائها وهو ذائب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «خلالك ما اختل الصديق سحائب»
وفوق رءوس القوم غيم معلّقأنامل بيض للطبول تلاعب
ولا عائق يثنى عنانك عن هوىرغى جانب منه وأومض جانب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «خلالك ما اختل الصديق سحائب»
فبادر؛ فإن اليوم صاف من القذى،وبا ربّ يوم بادرته النوائب

وقال ابن المعتز:

لا شىء يسلى همّى سوى قدحتدمى عليه أوداج إبريق
فى غيم ندّ يزجى سحائبهبرق ابتسام ورعد نصفيق

وقال الحسن بن محمد الكاتب يصف طئلا:

يا حبّذا يومنا نلهو بملهيةتلهى بشىء له رأسان في جسد
قد شدّ هذا إلى هذا كأنهمامن شدّة الشدّ مقرونان في صفد
نظلّ نلطم خدّيه إذا ضربتبكلّ طاقتها لطما بلا حرد
فتسمع الصوت منه حين تضربهكأنه خارج من ما ضغى أسد

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.