من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ومن ألفاظهم في صفات مجالس الأنس وآلات اللهو وذكر الخمر
مجلس راحه ياقوت، ونوره ورد، ونارنجه ذهب، ونرجسه دينار ودرهم، يحملهما زبرجد. عندنا أترج كأنه من خلقك خلق، ومن شمائلك سرق، ونارنج ككرات من سفن ذهّبت، أو ثدى أبكار خلّقت. مجلس أخذت فيه الأوتار تتجاوب، والأقداح تتناوب. أعلام الأنس خافقة، وألسن الملاهى
ناطقة. ونحن بين بدور، وكاسات تدور، وبروق راح، وشموس أقداح. قد نشأت غمامة النّدّ، على بساط الورد. مجلس قد تفتّحت فيه عيون النرجس، وفاحت مجامير الأترجّ، وفتقت فارات النّارنج، ونطقت ألسن العيدان، وقامت خطباء الأوتار، وهبّت رياح الأقداح، وطلعت كواكب النّدمان، وامتدت سماء النّدّ. مجلس من رآه حسب الجنان قد اصطفّت عيونها، فجعلت فى قدر من الأرض، وتخيّرت فصوصها، فنقلت إلى مجلس الأنس واللهو.
قد فضّ اللهو ختامه، ونشر الأنس أعلامه. قد هبّت للأنس ريح برقها الراح، وسحابها الأقداح، ورعودها الأوتار، ورياضها الأقمار. قد فرغنا للهو والدهر عنا فى شغل.
جلّ هذا من قول بعض أهل العصر:
كم جوى مثّله رسم مثلودم قد طلّ أثناء طلل
ولآل كلّل الخدّ بهالعب البين بربّات الكلل
حبذا عيش الليالى باللّوىلو تجافى الدّهر عنّا وغفل
إذ فرغنا فيه للهو وقدباتت الأقدار عنّا في شغل
وأدرنا ذهبا في لهبكلما أخمد بالماء اشتعل
قد اقتعدنا غارب الأنس، وجرينا في ميدان اللهو. عمدنا إلى أقداح اللهو فأجلناها، ولمراكب السرور فامتطيناها. قد امتطينا غوارب السرور بالأقداح. مدامة توردريح الورد، وتحكى نار إبراهيم في اللّون والبرد، ولست أدرى أشقيق أم عقيق، أم رحيق أم حريق. راح كأنّ الدّيوك صبّت أحداقها فيها. راح كأنما اشتقّت من الرّوح والراحة.
قال ابن الرومى:
والله ما ندرى لأيّة علّهيدعونها في الرّاح باسم الرّاح
ألريحها أم روحها تحت الحشىأم لارتياح نديمها المرتاح
راح كالنار والنّور والنّور، أصفى من البلّور، ومن دمع المهجور. روح نور لها من الكأس جسم، كأنها شمس في غلالة سراب. شراب أكاد أقول:
هو أصفى من مودّتى لك، ومن نعم الله عندى فيك، وأطيب من إسعاف الزمان بلقائك. مدامة قد سبك الدهر تبرها فصفا. كأس كأنها نور ضميره نار. راح كياقوتة في درّة، أصفى من ماء السماء، ودمع العاشقة المرهاء، أحسن من الدنيا المقبلة، والنعم المكملة. أحسن من العافية في البدن، وأطيب من الحياة في السرور. أرقّ من نسيم الصّبا، وعهد الصّبا. أرقّ من دمع محبّ، وشكوى صبّ. أرقّ من دموع العشّاق، مرتها لوعة الفراق.
مزج نار الرّاح بنور الماء. راح كأنها معصورة من وجنة الشمس، فى كأس كأنها مخروطة من فلقة البدر. كأسها ملء اليد، وريحها ملء البلد، تصبّ على الليل ثوب النهار، كأنها في الكأس معنى دقيق في ذهن لطيف.
كأنّ الراح من خدّه معصورة، وملاحة الصورة عليها مقصورة. وهذا من قول الطائى
كأنها من خدّه تعصر
وقال عبد السلام بن رغبان الملقب بديك الجن الشاعر المشهور:
معتّقة من كفّ ظبى كأنماتناولها من خدّه فأدارها
تمشّت الصّهباء في عظامهم، وترقّت إلى هامهم، وماست في أعطافهم، ومالت بأطرافهم. سارت فيهم الكئوس، ونالت منهم سورة الخندريس.
شربت عقولهم، وملكت قلوبهم.
وقال أبو نواس، وهو أستاذ الناس في هذا الشأن:
صفة الطول بلاغة الفدمفاجعل صفاتك لابنة الكرم
تصف الطلول على السماع بهاأفذو العيان كثابت العلم
وإذا وصفت الشىء متبعالم تخل من غلط ومن وهم
وقال:
الكأس أهواها وإن رزأتبلغ المعاش وقلّلت فضلى
صفراء مجّدها مرازبهاجلّت عن النظراء والمثل
ذخرت لآدم قبل خلقتهفتقدمته بخطوة القبل
فاعذر أخاك فإنه رجلمرنت مسامعه على العذل
وقال:
فتسلّيت بشرب عقارنشأت في حجر أمّ الزمان
فتناساها الجديدان حتىهى أنصاف شطور الدّنان
وافترعنا مرة الطعم بهانزق البكر ولين العوان
واحتسينا من رحيق عتيقوشديد كامل في ليان
لم يجفها مبزل القوم حتىنجمت مثل نجوم السنان
أو كعرق السام تنشقّ منهشعب مثل انفراج البنان
وقال:
وخدين لذّات معلّل صاحبيقتات منه فكاهة ومزاحا
قال: ابغنى المصباح، قلت له: اتّئدحسبى وحسبك ضوءها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربةكانت له حتى الصباح صباحا
وهذا كقوله:
وخمّار أنخت عليه ليلاقلائص قد تعبن من السّفار
فترجم والكرى في مقلتيهكمخمور شكا ألم الخمار
أبن لى كيف صرت إلى حريمىوجفن الليل مكتحل بقار
فقلت له: ترفّق بى؛ فإنىرأيت الصبح من خلل الديار
فكان جوابه أن قال: كلّاوما صبح سوى ضوء العقار
وقام إلى الدّنان فسدّ فاهافعاد الليل مسدول الإزار
وقال بعض المحدثين:
ما زال يشربها وتشرب عقلهخبلا، وتؤذن روحه برواح
حتى انثنى متوسّدا بيمينهسكرا، وأسلم روحه للرّاح
وقال الصنوبرى وذكر شربا:
نازعتهم كأسا تخال نسيمهامسكا تضوّع في الإناء عتيقا
شقّت قناع الفجر لما غادرتكفّ النديم قناعها مشقوقا
صبغت سواد دجاه حمرة لونهافكأنه سبج أعيد عقيقا
وقال أبو الشّيص:
وكأس كسا الساقى لنا بعد هجعةحواشيها ما مجّ من ريقة العنب
كأنّ اطّراد الماء في جنباتهاتربّع ماء الدرّ في سبك الذّهب
سقانى بها، واللّيل قد شاب رأسه،غزال بحنّاء الزجاجة مختضب
وقال أبو عدى الكاتب:
ليس لها حدّ تحيط بوصفهلغات، ولا جسم يباشره لمس
ولكنه كالبرق أومض ماضيافلم يبق منه غير ما تذكر النّفس
وقال ابن المعتز:
ألا فاسقنيها قد مشى الصبح في الدّجىعقارا كمثل النار حمراء قرقفا
فناولنى كأسا أضاءت بنانهتدفّق ياقوتا ودرّا مجوّفا
ولما أريناها المزاج تسعرّتوخلت سناها بارقا قد تكشفا
يطوف بها ظبى من الإنس شادنيقلّب طرفا فاسق اللّحظ مدنفا
عليم بأسرار المحبين حاذقبتسليم عينيه إذا ما تخوّفا
فظل يناجينى يقلّب طرفهبأطيب من نجوى الأمانى وألطفا
وقال:
ألا عج على دار السرور فسلّموقل: أين لذّاتى وأين تكلمى؟
وقل: ما حلت بالعين بعدك لذةسواك، وإن لم تعلمى ذاك فاعلمى
وصفراء من صبغ المزاج برأسها،إذا مزجت، إكليل درّ منظم
قطعت بها عمر الدّجى وشربتهاظلاميّة الأحشاء نورية الدّم
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع