من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ومن إنشائه فى مقامات أبى الفتح الإسكندرى
قال: حدّثنى عيسى بن هشام قال: كنت فى بعض بلاد بنى فزارة مرتحلا نجيبة، وقائدا جنيبة، يسبحان سبحا، وأنا أهيم بالوطن، فلا الليل يثنينى بوعيده، ولا البعد يدنينى ببيده، وظللت أخبط ورق النّهار، بعصا التّسيار، وأخوض بطن الليل، بحوافر الخيل، فبينا أنا فى ليلة يضلّ بها الغطاط، ولا يبصر بها الوطواط، أسبح ولا سانح إلا السبع، ولا بارح إلا الضّبع، إذ عنّ لى راكب تامّ الآلات، يطوى منشور الفلوات، فأخذنى منه ما يأخذ الأعزل من شاكى السلاح، لكنى تجلّدت فقلت: أرضك لا أمّ لك! فدونك شرط الحداد، وخرط القتاد، وخصم ضخم، وحمية أزديّة، وأنا سلم إن شئت، وحرب إن أردت، من أنت؟ قال: سلما أصبت، قلت: خيرا أجبت، قلت: فمن أنت؟ قال: نصيح إن شاورت، فصيح إن حاورت، ودون اسمى
لثام، لا تميطه الأعلام. قلت: فما الطعمة؟ قال: أجوب جيوب البلاد، حتى أقع على جفنة جواد، ولى فؤاد يخدمه لسان، وبيان يرقمه بنان، وقصاراي كريم ينفض إلىّ حقيبته، ويخفّف لى جنيبته، كابن حرّة طلع إلىّ بالأمس، طلوع الشمس، وغرب عنى بغروبها؛ لكنه غاب ولم يغب تذكاره، وودّع وشيّعتنى آثاره، ولا ينبئك عنها أقرب منها، وأومأ إلى ما كان يلبسه، فقلت: شحاذ وربّ الكعبه أخاذ، له فى الصّنعة نفاذ، بل هو فيها أستاذ، ولا بد أن ترشح له وتسحّ عليه، وقلت له: يافتى، قد أجليت عبارتك، فأين شعرك من كلامك؟ فقال: وأين كلامى من شعرى! ثم استمدّ غريزته، ورفع عقيرته، بصوت ملأ الوادى، وأنشأ يقول:
وأروع أهداه لى الليل والفلاوخمس تمسّ الأرض لكن كلا ولا
عرضت على نار المكارم عودهفكان معمّا فى السوابق مخولا
وخادعته عن ماله فخدعتهوساهلته فى برّه فتسهّلا
ولما تجالينا وأحمد منطقىبلانى فى نظم القريض بمابلا
فما هزّ إلا صارما حين هزّنىولم يلقنى إلا إلى السّبق أوّلا
فلم أره إلا أغرّ محجّباوما تحته إلا أغرّ محجّلا
فقلت: على رسلك يا فتى، ولك مما يصحبنى حكمك. فقال: الجنيبة، قلت: إنّ وما عليها. ثم قبضت بجمعى عليه، وقلت: لا والله الذى ألهمها لمسا، وشقّها من واحدة خمسا، لا تزايلنا أو نعلم علمك، فحدر لثامه عن وجهه، فإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، فما لبثت أن قلت:
توشّحت أبا الفتحبهذا السيف مختالا
وما تصنع بالسيفإذا لم تك قتّالا؟
[فصغ ما أنت حليتبه سيفك خلخالا]
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع