من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
المزاح (٢)
قال الحجاج بن يوسف لابن القرّيّة: ما زالت الحكماء تكره المزاح، وتنهى عنه، فقال: المزاح من أدنى منزلته إلى أقصاها عشرة أبواب: المزاح أوله فرح، وآخره ترح. المزاح نقائض السفهاء، كالشّعر نقائض الشعراء. والمزاح
يوغر صدر الصديق، وينفّر الرفيق. والمزاح يبدى السرائر؛ لأنه يظهر المعاير.
والمزاح يسقط المروءة، ويبدى الخنى. لم يجرّ المزح خيرا، وكثيرا ما جرّ شرّا.
الغالب بالمزاح واتر، والمغلوب به ثائر. والمزاح يجلب الشتم صغيره والحرب كبيره، وليس بعد الحرب إلا عفو بعد قدرة.
فقال الحجاج: حسبك، الموت خير من عفو معه قدرة.
وذكر المزاح بحضرة خالد بن صفوان فقال: ينشق أحدكم أخاه مثل الخردل، ويفرغ عليه مثل المرجل، ويرميه بمثل الجندل. ثم يقول: إنما كنت أمزح! أخذ هذا المعنى محمود بن الحسين الوراق فقال:
تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنهفى لحن منطقه بما لا يغفر
ويقول: كنت ممازحا وملاعباهيهات نارك في الحشى تتسعّر!
أو ما علمت وكان جهلك غالباأنّ المزاح هو السّباب الأصغر
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع