من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من مليح العيافة والزجر
ومن مليح العيافة والزجر ما رواه الصّولى، قال: كان لأبى نواس إخوان لا يفارقهم، فاجتمعوا يوما في موضع أخفوه عنه، ووجّهوا إليه برسول معه ظهر قرطاس أبيض، لم يكتبوا فيه شيئا، فخزموه بزير، وختموه بقار، وتقدموا إلى رسولهم ليرمى بالكتاب من وراء الباب؛ فلما رآه استعلم خبرهم، وعلم أنه من فعلهم، فتعرّف موضعهم وآثارهم، فأتاهم فأنشدهم:
وجدت كتابكم لمّا أتانىيمرّ بسانح الطير الجوارى
نظرت إليه مخزوما بزيرعلى ظهر، ومختوما بقار
فقلت: الزّير ملهية ولهووخلت القار من دنّ العقار
وخلت الظّهر أهيف قرطقيّايحيل العقل منه باحورار
فهمت إليكم طربا وشوقافما أخطأت داركم بدار
فكيف تروننى وترون وجدىألست من الفلاسفة الكبار؟
وقال الطائى:
أتضعضعت عبرات عينك أن دعتورقاء حين تضعضع الإظلام
لا تنشجنّ لها؛ فإنّ بكاءهاضحك، وإن بكاءك استغرام
هنّ الحمام وإن كسرت عيافةمن حائهنّ فإنهنّ حمام
وروى يموت ابن المزرع قال: كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر فلم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد الجامع فلا تفارقه حتى يصلى مائة ركعة، ثم خلّه؛ فتحاماه الشعراء، إلا الأفراد المجيدين؛ فجاءه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصرى المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد، فقال: قد عرفت الشّرط؟ قال: نعم، وأنشده:
أردنا في أبى حسن مديحاكما بالمدح ينتجع الولاة
فقلنا: أكرم الثقلين طرّاومن كفّاه دجلة والفرات
فقالوا: يقبل المدحات لكنجوائزه عليهنّ الصّلاة
فقلت لهم: وما تغنى صلاتىعيالى! إنما الشأن الزّكاة
[فأما إذ أبى إلا صلاتىوعاقتنى الهموم الشاغلات]
فيأمر لى بكسر الصّاد منهافتصبح لى الصّلاة هي الصّلات
فضحك واستظرفه، وقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبى تمام الطائى:
هنّ الحمام فإن كسرت عيافةمن حائهنّ فإنهنّ حمام
فأحسن صلته.
وقال الأمير أبو الفضل الميكالى لقوم من أهل مرو انخلعوا عن طاعته:
يا راكبا أضحى يخبّ بعنسهليؤمّ مرو على الطريق المهيع
أبلغ بها قوما أثاروا فتنةظلّت لها الأكباد رهن تقطّع
إذ أقدموا ظلما على سلطانهمبالغدر والخلع الذميم المفظع
وبحلّ عقد لوائه وإباحةلجنابه وحريمه المتمنّع
أبلغهم أنى اتخذت لفعلهمفألا، له في القوم أسوأ موقع
أمّا اللّواء وحلّه فمخبّرعن حلّ عقد بينهم مستجمع
والخلع يخبر أن ستخلع عنهم الأرواح بالقتل الأشدّ الأشنع
والغدر ينبئ أن تغادر في الوغىأشلاؤهم لنسوره والأضبع
والفرقتان فشاهد معناهمابتفرّق لجميعهم وتصدّع
فتسمّعوا لمقالتى وتأهّبوابذميم بغيكم لشرّ المصرع
فالله ليس بغافل عن أمركمحتى تحلّ بكم عقوبة موجع
قال أبو عثمان الجاحظ: سمعت النظام، وذكر عبد الوهاب الثّقفى، قال:
هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم، ومن خصب بعد جدب، وغنى بعد فقر، ومن طاعة المحبوب، وفرج المكروب، ومن الوصال الدائم، والشباب الناعم.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع