تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

عود إلى تطير ابن الرومى

عاد ذكر ابن الرومىّ- وكان أبو الحسن علىّ بن سليمان الأخفش غلام أبى العباس المبرد في عصر ابن الرومى شابّا مترفا، ومليحا مستظرفا، وكان يعبث به، فيأتيه بسحر؛ فيقرع الباب، فيقال له: من؟ فيقول: قولوا لأبى الحسن مرّة بن حنظلة، فيتطير لقوله، ويقيم الأيام لا يخرج من داره، وذلك كان سبب هجائه إياه، فمن أول ما عاتبه به:

قولوا لنحوينا أبى حسنإن حسامى متى ضربت مضى
وإنّ نبلى إذا هممت بأنأرمى نصّلتها بجمر غضا
لا تحسبنّ الهجاء يحفلبالرفع ولا خفض خافض خفضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
ولا تخل عودتى كباديتىسأسعط السمّ من أبى الحضضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
أعرف في الأشقياء بى رجلالا ينتهى أو يصير لى غرضا
يليح لى صفحة السلامةوالسلم ويخفى في قلبه مرضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
أضحى مغيظا علىّ أن غضب اللّه عليه، ونلت منه رضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
وليس تجدى عليه موعظتىإن قدّر الله حينه وقضى
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
كأننى بالشقىّ معتذراإن القوافى أذقنه المضضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
ينشدنى العهد يوم ذلك والعهد خضاب إذا له قبضا
لا يأمننّ السفيه بادرتىفإننى عارض لمن عرضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
عندى له السوط إن تلوّم في السير وعندى اللّجام إن ركضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
أسمعت إنباضتى أبا حسنوالصفح لا شكّ نصح من محضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
وهو معافى من السهاد فلايحمل فيمسى فراشه قضضا
أقسمت بالله لا غفرت لهإن واحد من عروقه نبضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»

فاعتذر إليه، وتشفع عنده بجماعة من أهل بغداد- وكان الأخفش أكثر الناس إخوانا- فقبل عذره، ومدحه بقصيدته التي يقول فيها:

ذكر الأخفش القديم فقلنا ...: إن للأخفش الحديث لفضلا

وإذا ما حكمت- والروم قومى-فى كلام معرّب كنت عدلا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ذكر الأخفش القديم فقلنا»
أنا بين الخصوم فيه غريبلا أرى الزّور للمحاباة أهلا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ذكر الأخفش القديم فقلنا»
ومتى قلت باطلا لم ألقّبفيلسوفا ولم أسمّ هرقلا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ذكر الأخفش القديم فقلنا»

الأخفش القديم هو أبو الخطاب، وكان أستاذ سيبويه، وهو من المتقدمين فى النحو، ويعرف بالأخفش الكبير، وكان في عصر سيبويه [أيضا] أبو الحسن سعيد بن مسعدة، وهو الأخفش الصغير، وهو الذى قال: كان سيبويه يعرض ما وضع من النحو علىّ، ويرى أنى أعلم منه، وكان في وقته ذلك أعلم منى.

ثم عاد على بن سليمان إلى أذاه، واتصل به أنّ رجلا عرض عليه قصيدة من شعره فطعن عليها، فقال قصيدته التي يقول فيها:

أعتقت عبدىّ في القريض معاعبدة والفحل من بنى عبده
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رقاب أهل الحلوم معتبده»
إن أنا لم أرم بالإساءة منزاغ عن القصد أو أبى سدده
قلت لمن قال لى عرضت على الأخفش ما قلته فما حمده
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رقاب أهل الحلوم معتبده»
قصرت بالشعر حين تعرضهعلى مبين العمى إذا انتقده
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رقاب أهل الحلوم معتبده»
أنشدته منطقى ليشهدهفغاب عنه عمى وما شهده
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رقاب أهل الحلوم معتبده»
ما بلغت بى الخطوب رتبة منتفهم عنه الكلاب والقرده
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رقاب أهل الحلوم معتبده»
ولا أنا المفهم البهائموالطير سليمان قاهر المرده
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رقاب أهل الحلوم معتبده»
فإن يقل إننى حفظت فكالدفتر جهلا بكل ما اعتقده
سأسمع الناس ذمّه أبداما سمع الله حمد من حمده
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رقاب أهل الحلوم معتبده»

عبدة بن الطبيب، وعلقمة بن عبدة الفحل، وكانا شاعرين مجيدين، وقال علقمة ابن عبدة لرجل ورأى آخر يعتذر إليه وهو معبّس في وجهه: إذا اعتذر إليك المعتذر فتلقّه بوجه مشرق، وبشر مطلق؛ لينبسط المتذلّل، ويؤمّن المتنصّل.

ولابن الرومى في الأخفش إفحاش صنت الكتاب عنه.

قالّ على بن إبراهيم كاتب مسروق البلخى: كنت بدارى جالسا فإذا حجارة سقطت بالقرب منى، فبادرت هاربا، وأمرت الغلام بالصعود إلى السّطح، والنظر إلى كل ناحية؛ من أين تأتينا الحجارة، فقال: امرأة من دار ابن الرومى الشاعر! قد تشوّفت وقالت: اتقوا الله فينا، واسقونا جرّة من ماء، وإلّا هلكنا، فقد مات من عندنا عطشا.

فتقدمت إلى امرأة عندنا ذات عقل ومعرفة أن تصعد إليها وتخاطبها، ففعلت وبادرت بالجرّة، وأتبعتها شيئا من المأكول؛ ثم عادت إلىّ فقالت:

ذكرت المرأة أنّ الباب عليها مقفل من ثلاث بسبب طيرة ابن الرومى، وذلك أنه يلبس ثيابه كلّ يوم، ويتعوّذ ثم يصير إلى الباب، والمفتاح معه، فيضع عينه على ثقب في خشب الباب، فتقع عينه على جار له كان نازلا بإزائه، وكان أحدب يقعد كل يوم على بابه، فإذا نظر إليه رجع وخلع ثيابه، وقال:

لا يفتح أحد الباب.

فعجبت لحديثها، وبعثت بخادم كان يعرفه، فأمرته بأن يجلس بإزائه- وكانت العين تميل إليه- وتقدّمت إلى بعض أعوانى أن يدعو الجار الأحدب؛ فلما حضر عندى أرسلت وراء غلامى؛ لينهض إلى ابن الرومى، ويستدعيه الحضور؛ فإنى لجالس ومعى الأحدب إذ وافى أبو حذيفة الطّر سوسىّ ومعه برذعة الموسوس صاحب المعتضد، ودخل ابن الرومى، فلما تخطّى عتبة باب الصّحن عثر فانقطع شسع نعله، فدخل مذعورا؛ وكان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظرا يدلّ على تغير حال؛ فدخل وهو لا يرى جاره المتطيّر منه، فقلت له: يا أبا الحسن، أيكون شىء في خروجك أحسن من مخاطبتك للخادم، ونظرك إلى وجهه الجميل؟

فقال: وقد لحقنى ما رأيت من العثرة، لأنى فكرت أنّ به عاهة! وهي قطع انثييه، قال برذعة: وشيخنا يتطيّر؟ قلت: نعم ويفرط، قال: ومن هو؟

قلت: على بن العباس، قال: الشاعر؟ قلت: نعم، فأقبل عليه وأنشده:

ولما رأيت الدهر يؤذن صرفهبتفريق ما بينى وبين الحبائب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه»
رجعت إلى نفسى فوطّنتها علىركوب جميل الصّبر عند النوائب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه»
ومن صحب الدنيا على جور حكمهافأيامه محفوفة بالمصائب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه»
فخذ خلسة من كل يوم تعيشهوكن حذرا من كامنات العواقب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه»
ودع عنك ذكر الفأل والزّجر واطّرحتطيّر جار أو تفاؤل صاحب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه»

فبقى ابن الرومى باهتا ينظر إليه ولم أدر أنه شغل قلبه بحفظ ما أنشده، ثم قام أبو حذيفة وبرذعة معه، فحلف ابن الرومى لا يتطيّر أبدا من هذا ولا من

غيره، وأومأ إلى جاره، فقلت: وهذا الفكر أيضا من التطيّر، فأمسك، وعجب من جودة الشعر ومعناه، وحسن مأتاه، فقلت له: ليتنا كتبناه؟ قال: اكتبه فقد حفظته، وأملاه علىّ.

ومن شدة حذره، وعظيم تطيّره، قوله لأبى العباس بن ثوابة، وقد ندبه إلى الخروج إليه وركوب دجلة:

حضضت على حطبى لنارى فلا تدعلك الخير، تحذيرى شرور المحاطب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
ومن يلق مالا قيت في كلّ مجتنىمن الشّوك يزهد في الثمار الأطايب
أذا قتنى الأسفار ما كرّه الغنىإلىّ، وأغرانى برفض المطالب
ومن نكبة لا قيتها بعد نكبةرهبت اعتساف الأرض ذات المناكب
فصبرى على الإقتار أيسر مطلباعلى من التّغرير بعد التّجارب
لقيت من البرّ التّباريح بعد مالقيت من البحر ابيضاض الذّوائب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
سقيت على رىّ به ألف مطرةشغفت لبغضيها بحبّ المجادب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
ولم أبغها، بل ساقها لمكيدتىتلاعب دهر جدّ بى كالملاعب
أبى أن يغيث الأرض حتى إذا رمتبرحلى أتاها بالغيوث السّواكب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
سقى الأرض من أجلى فأضحت مزلّةتمايل صاحيها تمايل شارب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
فملت إلى خان مرثّ بناؤهمميل غريق الثّوب لهفان لاغب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
فما زلت في جوع وخوف ووحشةوفي سهر يستغرق الليل واصب
يؤرقنى سقف كأنى تحتهمن الوكف تحت المدجنات الهواضب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
يظلّ اذا ما الطّين أثقل متنهتصرّ نواحيه صرير الجنادب
وكم خان سفر خان فانقضّ فوقهمكما انقضّ صقر الدّجن فوق الأرانب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
وما زال ضاحى البرّ يضرب أهلهبسوطى عذاب جامد بعد ذائب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
فإن فاته قطر وثلج فإنّهرهين بساف تارة وبحاصب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
فذاك بلاء البرّ عندى شاتياوكم لى من صيف به ذى مثالب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
ألا ربّ نار بالفضاء اصطليتهامن الضّحّ يودى لفحها بالحواجب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ومن نكبة ٍ لاقيتُها بعد نكبة»
فدع عنك ذكر البرّ إنى رأيتهلمن خاف هول البحر شرّ المهارب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
وما زال يبغينى الحتوف مواربايحوم على قتلى وغير موارب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
فطورا يغادينى بلصّ مصلّتوطورا يمسّينى بورد الشّوارب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
وأمّا بلاء البحر عندى فإنهطوانى على روع مع الرّوح واقب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وأما بلاءُ البحر عندي فإنه»
ولو ئاب عقلى لم أدع ذكر بعضهولكنّه من هوله غير ثائب
ولم لا ولو ألقيت فيه وصخرةلوافيت منه القعر أوّل راسب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
ولم أتعلّم قطّ من ذى سباحةسوى الغوص والمضعوف غير مغالب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
وأيسر إشفاقى من الماء أنّنىأمرّ به في الكوز مرّ المجانب
وأخشى الرّدى منه على كل شاربفكيف بأمنيه على نفس راكب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»

أخذه من قول أبى نواس وقد رأى التمساح بمصر أخذ رجلا:

أضمرت للنيل هجرانا ومقليةمذ قيل لى إنما التمساح في النيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أضمرت للنيل هجرانا ومقلية»
فمن رأى النيل رأى العين عن كثبفما أرى النيل إلا في البراقيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أضمرت للنيل هجرانا ومقلية»

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.