من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
حث الاشتياق
وقال عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة في معنى قول عمرو بن شأس في حثّ الاشتياق:
خليلىّ ما بال المطايا كأنماتراها على الأعقاب بالقوم تنكص
فقد أتعب الحادى سراهنّ، وانحنىبهنّ- فما بالوا-، عجول مقلّص
وقد قطّعت أعناقهنّ صبابةفأعينها مما تكلّف تشخص
يزدن بنا قربا فيزداد شوقناإذا ازداد قرب الدار والبعد ينقص
وقال بعض الرجاز، وذكر إبلا:
إنّ لها لسائقا خدلجّالم يدلج الليلة فيمن أدلجا
يريد امرأة يحبها فيحثه ما يجده من الشوق على إجهاد مطاياه بالسوق. كما أنشد إسحاق الموصلى:
صبّ يحثّ مطاياه بذكركموليس ينساكم إن حلّ أو سارا
لو يستطيع طوى الأيام نحوكمحتى يبيع بعمر القرب أعمارا
يرجو النّجاة من البلوى بقربكموالقرب يلهب في أحشائه نارا
هذا البيت يناسب أبيات ابن أبى ربيعة. يقول: كلما دنا ازداد حرصا على اللقاء.
وشخص إسحاق الموصلى إلى الواثق بسرّ من رأى، وأهله ببغداد، فتصيد الواثق وهو معه إلى نواحى كبراء، فلما قرب من بغداد قال:
طربت إلى الأصيبية الصّغاروهاجك منهم قرب المزار
وكلّ مسافر يزداد شوقاإذا دنت الديار من الدّيار
ولحّنه وغنّاه الواثق، فاستحسنة وأطربه، فصرفه إلى بغداد على ما أحب وكان إسحاق قال أولا:
وكلّ مسافر يشتاق يوماإذا دنت الديار من الديار
فعابوا قوله «يوما»، وقالوا: هى لفظة قلقة في هذا الموضع، لم تحلّ بمركزها، ولا لهاهنا موقع. قال: فضعوا مكانها مثلها لا خيرا منها. فما استطاعوا ذلك، فغيّرها إلى ما أنشدت أولا.
وقال أبو نواس:
أما الدّيار فقلما لبثوا بهابين اشتياق العيس والرّكبان
وضعوا سياط الشّوق فوق رقابهاحتى طلعن بها على الأوطان
وقال مخلد بن بكار الموصلى:
أقول لنضو أنفد السّير نيّهاولم يبق منها غير عظم مجلّد
خدى بى ابتلاك الله بالشّوق والهوىوشاقك تحنان الحمام المغرّد
فمرّت سريعا خوف دعوة عاشقتشقّ بى الموماة في كلّ فدفد
فلما ونت في السير ثنّيت دعوتىفكانت لها سوطا إلى ضحوة الغد
وكان مخلد حلو الطبع، وهو القائل يمدح رجلا:
يطلع النّجم على صعدتهفإذا واجه نحرا أفلا
معشر إن ظمئت أرماحهمأوردوهنّ مجاجات الطلى
تحسن الألوان منهم في الوغىحين تستنكر للرّعب الحلى
سخط عبد الله يدنى الأجلاورضاه يتعدّى الأملا
يعشب الصّلد إذا سالمهوإذا حارب روضا أمحلا
[ملك لو نشّرت آلاؤهوأياديه على الليل انجلى]
حلّ بالبأس ابن عمرو منزلاطال حتى قصرت فيه العلا
حطّ رحلى في ذراه جودهوتمشّى في نداه الخيزلى
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع