تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

جملة من الفصول القصار لابن المعتز

البشر دال على السخاء كما يدلّ النّور على الثمر. إذا اضطررت إلى الكذّاب فلا تصدّقه، ولا تعلمه أنك تكذّبه، فينتقل عن ودّه، ولا ينتقل عن طبعه.

كما أن الشمس لا يخفى ضوءها وإن كانت تحت السحاب كذلك الصبىّ لا تخفى غريزة عقله وإن كان مغمورا بأخلاق الحداثة. كرم الله ﷿ لا ينقض حكمته، ولذلك لا يجعل الإجابة في كل دعوة. كما أنّ جلاء السيف أهون من صنعه، كذلك استصلاح الصديق أهون من اكتساب غيره. إذا استرجع الله مواهب الدنيا كانت مواهب الآخرة. لولا ظلمة الخطا ما أشرق نور الصواب.

الحوادث الممضّة مكسبة لحظوظ جزيلة: من صواب مدّخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريف بقدر النعمة، ومرون على مقارعة الدهر.

ومثل هذا الفصل محفوظ عن ذى الرياستين، قاله بعقب علّة فأغار عليه ابن المعتز.

وكتب إلى أحمد بن محمد جوابا عن كتاب استزاده فيه: قيّد نعمتى عندك

بما كنت استدعيتها به، وذبّ عنها أسباب سوء الظن، واستدم ما تحبّ منى بما أحبّ منك.

وكتب إليه: والله لا قابل إحسانك منى كفر، ولا تبع إحسانى إليك منّ، ولك عندى يد لا أقبضها عن نفعك، وأخرى لا أبسطها إلى ظلمك، فتجنّب ما يسخطنى؛ فإنى أصون وجهك عن ذلّ الاعتذار.

وكان أحمد بن سعيد يؤدّبه فتحمل البلاذرى على قبيحة أم ابن المعتز بقوم سألوا أن تأذن له أن يدخل إلى ابن المعتز وقتا من النهار، فأجابت أو كادت تجيب، قال ابن سعيد: فلما اتصل الخبر بى جلست في منزلى غضبان لما بلغنى عنها، فكتب إلىّ ابن المعتز وله ثلاث عشرة سنة.

أصبحت يابن سعيد خدن مكرمةعنها يقصّر من يحفى وينتعل
سر بلتنى حكمة قد هذّبت شيمىوأجّجت نار ذهنى فهى تشتعل
أكون إن شئت قسّا في خطابتهأو حرثا وهو يوم الحفل مرتجل
وان أشأ فكر زيد في فرائضهأو مثل نعمان لما ضاقت الحيل
أو الخليل عروضيّا أخا فطنأو الكسائىّ نحويّا له علل
تعلو بداهة ذهنى في مراكبهاكمثل ما عرفت آبائى الأول
وفي فمى صارم ماسلّه أحدمن غمده فدرى ما العيش والجذل
عقباك شكر طويل لا نفاد لهيبقى بجدته ما أطّت الإبل

وقسّ الذى ذكر: هو قسّ بن ساعدة الإيادى، وقد سمع النبىّ ﷺ شعره، وعجب منه.

وحارث: هو الحارث بن حلّزة اليشكرى، وصف ارتجاله يوم فخره بقصيدته التى أنشدها بحضرة عمرو بن هند التي أولها:

آذنتنا ببينها أسماءربّ ثاو يملّ منه الثّواء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

وزيد: هو زيد بن ثابت الأنصارى، وإليه انتهى علم الفرائض. ونعمان: هو

أبو حنيفة النعمان- ﵁ بن ثابت، سبق أهل العراق في الفقه. والخليل بن أحمد الفرهودى، ويقال: الفراهيدى، منسوب إلى حىّ من الأزد، اليحمرى.

والكسائى: على بن حمزة الكوفى.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.