تجاوز إلى المحتوى

آذنتنا ببينها أسماء

الحارث بن حلزةالخفيفالعصر الجاهلي

اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه

سند النص: قوبِل هذا النصّ كاملًا على نسخةٍ أخرى · آخر مراجعة ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦

عن القصيدة

«آذنتنا ببينها أسماء» من شعر الحارث بن حلزة، من العصر الجاهلي، وتقع في ٨٥ بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة، وهي من المعلقات.

بحر الخفيف: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن · قصائد أخرى رويّها الهمزة

معلقة الحارث بن حلزة اليشكري، أنشدها أمام الملك عمرو بن هند يدافع عن قومه بكر في خصومتهم مع تغلب، وفي الخصومة نفسها قال عمرو بن كلثوم معلقته. وهي على بحر الخفيف ورويّها الهمزة.

اقرأ: ما هي المعلقات؟

من هذه القصيدة في «مجمع الأمثال» للميداني

من هذه القصيدة في كتب التراث

معنى قول الحارث بن حلزة

آَذَنَتنا بِبَينِها أَسماءُ

رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثَواءُ

قال الزوزني في «شرح المعلقات السبع»: يقول: أعلمتنا أسماء بمفارقتها إيانا، أي بعزمها على فراقنا، ثم قال: رب مقيم تمل إقامته ولم تكن أسماء منهم، يريد أنها وإن طالت إقامتها لم أمللها، والتقدير: رب ثاو يمل من ثوائه.

شرح القصيدة بيتًا بيتًا
  1. ١

    آَذَنَتنا بِبَينِها أَسماءُ

    رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثَواءُ

    ابن الأنباري: قوله (آذنتنا) معناه أعلمتنا، قال الله عز وجل: (آذنْتُكم على سَواء) أراد أعلمتكم. وقال جل ذكره: (فأذَنوا بحرب من الله ورسولهِ) أي فأعلموا. ويقول الرُجل للرجُل: لم توذني بكذا وكذا، يريد: لم تعلمينه. (البين): الفراق. يقال: بان الرجل يبين بينا وبينونة. وقال زهير: إنَّ الخليطَ أجدَّ البَينَ فانفرقا ... وعُلّق القلب من أسماء ما عَلِقا والبين من الأضداد، يكون الفراق ويكون الوصال. قال الله عز وجل: (لقد تقطَّعَ بينكم) قرأ مجاهد وغيره: (بينُكم) بالرفع، على معنى تقطَّع وصلكم. والبين، بكسر الباء: القطعة من الأرض قدر مد البصر. قال تميم بنى مقبل: بسَروِ حِميرَ أبوالُ البِغال به ... أنَّى تَسَدَّيتَِ وهناً ذلك البِينا تسديت معناه علوت وركبت. وقوله (رب ثاو يملُّ منه الثواء) معناه: رب مقيم يمل منه إقامته، ولكنَّا لا نمل ثواء هذا المرأة. والثاوي: المقيم. والثواء: الإقامة. يقال ثوى الرجل، إذا أقام. قال الشاعر: ثَوَى في مَلحد لابدَّ منه ... كفَى بالموت نَأياً واغترابا قال أبو عبيدة: ثوى الرجل وأثوى، إذا أقام. قال الأعشى: أثَوى وقصَّر ليلةً ليزوَّدا ... فمضَى وأخلفَ من قُتَيلة مَوِعدا وقال غير أبي عبيدة: يقال ثوى الرجل ولا يقال أثوى. وكان هؤلاء يروون بيت الأعشى: (أثوى) بفتح الثاء، على معنى الاستفهام. و (أسماء) رفع بفعلها، والباء صلة الفعل، وثاو خفض برب، أصله ثاوي فاستثقلت الكسرة في الياء فألقيت، وأسقطت الياء لسكونها وسكون التنوين، ويمل منه الثواء صلة ثاو. لو رددت يمل إلى الدائم خفضته على النعت فقلت ثاو مملول منه. الثواء رفع لأنه اسم ما لم يسم فاعله، ومن صلة يمل.

    الزوزني: الإيذان: الإعلام. البين: الفراق. الثواء والثُويّ: الإقامة، والفعل ثوى يثوي. يقول: أعلمتنا أسماء بمفارقتها إيانا، أي بعزمها على فراقنا، ثم قال: رب مقيم تمل إقامته ولم تكن أسماء منهم، يريد أنها وإن طالت إقامتها لم أمللها، والتقدير: رب ثاو يمل من ثوائه.

    الخطيب التبريزي: آذنتنا: أي أعلمتنا، والبين: الفراق، والثاوي: المقيم، ويُمل: من الملال. والثواء: الإقامة.

  2. ٢

    بَعدَ عَهدٍ لَها بِبُرقَةِ شَمّا

    ءَ فَأَدنى ديارَها الخَلصَاءُ

    ابن الأنباري: ويروى: (بعد عهد لنا). ومعنى البيت: آذنتنا ببينها بعد عهدنا بهذا الموضع. و (شماء): هضبة معروفة. والهضبة: الجبل من الرمل. و (البرقة) والأبرق والبرقاء: رابية فيها رمل وطين، أو طين وحجارة مختلطان. ثم أخبر أن له عهدا بهذه المرأة في الخلصاء أقرب من عهده بها في برقة شماء. و (الخلصاء): أرض. وبعد صلة آذنتنا، واللام والباء صلتان للعهد، وشماء مخفوضة بإضافة البرقة إليها، إلا أنها نصبت لأنها لا تجرى بمدة التأنيث التي فيها. وأدنى رفع بالخلصاء، والخلصاء به. و (الديار): جمع دار. والأصل في دار دور، وديار في الجمع بمنزلة قولك عبد وعباد، وبحر وبحار. ويقال في جمع الدار أيضا أدؤر ودور. والأصل في أدؤر أدور، فلما انضمت الواو همزت.

    الزوزني: العهد: اللقاء والفعل عهد يعهد. يقول: عزمت على فراقنا بعد أن لقيتها ببرقة شَمّاء وخلصاء التي هي أقرب ديارها إلينا.

    الخطيب التبريزي: ويروى (بعد عهد لنا) ومعنى البيت: آذنتنا بعد عهدها بهذه المواضع، وشماء: هضبة معروفة، والبُرقة والأبرق والبرقاء: رابية فيها رمل وطين أو طين وحجارة مختلطان، ثم أخبر أن له عهدا بهذه المرأة بالخلصاء أقرب من عهده بها في بُرقة شمَّاء.

  3. ٣

    فَمَحيّاةٌ فَالصَفاحُ فَأَعلى

    ذي فِتاقٍ فَغَاذِبٌ فَالوَفاءُ

    ابن الأنباري: فمحياة: أرض. والصفاح: أسماء هضاب مجتمعة. وواحد الصفاح صفحة. وفتاق: جبل. ويروى: (فأعناق فتاق). وعاذب: واد. والوفاء: أرض. أخبر بقرب عهده بهذه المواضع وبهذه المرأة فيها. ومحياة وما بعدها من أسماء المواضع ترتفع بالنسق على الخلصاء.

    الخطيب التبريزي: ويروى (فأعناق فتاق) ومحياة: أرض، والصفاح: أسماء هضاب مجتمعة، وواحد الصفاح صفحة، وفتاق: جبل، وعاذب: واد، والوفاء: أرض، أخبر بقرب عهده بهذه المرأة في هذه المنازل منزلاً منزلا.

  4. ٤

    فَرياضُ القَطا فَأَودِيَةُ الشُر

    بُبِ فَالشُعبَتانِ فَالأَبلاءُ

    ابن الأنباري: رياض القطا: رياض بعينها بكثر فيها استنقاع الماء ودوامه، تعشب فتألفها الطير لذلك. لا يقال في الشجر روضة، إنما الروضة في النبت، والحديقة في الشجر. قال أبو عبيدة: الترعة: الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المكان المطمئن فهي روضة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن منبري على ترعة من تُرع الجنة)، أراد على روضة. وقال أبو عمرو الشيباني: الترعة: الدرجة. وقال غيره: الترعة: الباب. وقال أبو زياد الكلابي: أحسن ما تكون الروضة على المكان الذي فيه غلظ وارتفاع. ألا تسمع قول الأعشى: ما روضةٌ من رياض الحَزْن مُعْشبة ... خضراءُ جادَ عليها مُسبِلٌ هَطِلُ قال: والحزن: ما بين زُبالة فما فوق ذلك مصعدا في بلاد نجد، وفيه ارتفاع وغلظ. والأصل في رياض رواض، فصارت الوا ألفا لتحركها وانكسار ما قبلها. و (الشربُب): جبل. ويروى: (الشرْبَب)، بفتح الباء الأولى. وقال الأصمعي: إنما أراد بوادي الشُّربب، فاضطره الشعر إلى الجمع. وقال غيره: العرب توقع الجمع على الواحد؛ من ذلك قول الله تعالى: (فنادَته الملائكة)، أراد: فناداه جبريل عليه السلام وحده. وقوله: (فالشعبتان) هي أكمة لها قرنان ناتئان. والأكمة جبل من الرمل. (الأبلاء): اسم بئر. خبر إنه قد كان يعهد من يواصله في هذه المواضع كلها، ثم تحملوا عنها وخلَّفوها خاوية. والرياض وما بعدها من أسماء المواضع نسق على الخلصاء.

    الزوزني: هذه كلها مواضع عهدها بها. يقول: قد عزمت على مفارقتنا بعد طول العهد.

    الخطيب التبريزي: رياض القطا: رياضٌ بعينها، والأبلاء: اسم بئر.

  5. ٥

    لا أَرى مَن عَهِدتُ فيها فَأَبكي ال

    يَومَ دَلهاً وَما يَرُدُّ البُكاءُ

    ابن الأنباري: يقول: لا أرى من عهدت من أحبابي في هذه المنازل، فأنا اليوم أبكي شوقا إليهم، أني حيث رأيت آثارهم تذكرت ما كنت فيه منهم، فهاج ذلك لي البكاء. وقوله (دلها) معناه باطلا وضياعا. أي بكائي يذهب ضياعا، إذ كنت لا أستدرك به شيئا. يقال: رجل مدله العقل، إذا كان ذاهب العقل. ويروى: لا يُرى من عهدت فيها فأبكى ... أهلَ ودِّي ... وقوله (وما يرد البكاء) معناه ما يردهم عليّ ولا يغنى شيئا، غير أني أبكي لتذكرهم، وأشفى بعض ما بي من الحزن على فراقهم. ويروى: (وما يحير البكاء) أي وما يرد. قال الله تعالى. (إنَّه ظنَّ أن لن يَحُورَ بَلَى) أراد: أن يرجع. قال الشاعر: إن كنتِ عاذلتي فسيرِي ... نحوَ العراقِ ولا تَحُوري ومن نصب بأرى، وعهدت صلة من، والهاء المضمرة تعود على من، كأنه قال: من عهدته فيها. ودلها نصب على المصدر، وما نصب بيرد ومعناها الاستفهام كأنه قال: وأي شيء يرد البكاء. ويجوز أن تكون في موضع رفع بما عاد من الهاء المضمرة، كأنه قال: وأي شيء يرده البكاء. والبكاء رفع بفعله.

    الزوزني: الإحارة: الرد، من قولهم: حار الشيء يحو حورًا، أي رجع، وأحرته أنا أي رجعته فرددته. يقول: لا أرى في هذه المواضع من عهدت فيها، يريد أسماء، فأنا أبكي اليوم ذاهب العقل وأي شيء رد البكاء على صاحبه؟ وهذا استفهام يتضمن الجحود، أي لا يرد البكاء على صاحبه فائتًا، ولا يجدي عليه شيئًا، وتحرير المعنى: لما خلت هذه المواضع منها بكيت جزعًا لفراقها مع علمي بأنه لا طائل في البكاء. الدَّلْه والدَّلَهُ: ذهاب العقل، والتدلية إزالته.

    الخطيب التبريزي: (فيها) أي في هذه المواضع، وقوله: (فأبكى) ليس بجواب لقوله (لا أرى) ولو كان جوابا لنصبه، ولكنه خبر، فهو في موضع رفع؛ لأنه خبر إنه يبكي كما خبر إنه لا يرى من عهد بها فيها، ودلها: أي باطلا، وقيل: هو من قولهم: (دلهني) أي حيرني، وهو منصوب على البيان، كما تقول: امتلأ فلان غيظا، وقوله: (وما يرد البكاء؟) ما: في موضع نصب بيرد، والمعنى: وأي شيء يرد البكاء، أي ليس يغني شيئا.

  6. ٦

    وَبِعَينَيكَ أَوقَدَت هِندٌ النا

    رَ أَخيراً تُلوي بِها العَلياءُ

    ابن الأنباري: قوله (وبعينيك) معناه وبرأي عينيك أوقدت هند النار. وهند ممن كان يواصل. أخبر إنه رأى نارها عند آخر عهده بها؛ لقوله (أخيراً). وقوله (تلوى بها العلياء) معناه ترفعها وتضيئها له. و (العلياء): المكان المرتفع من الأرض. وإنما يريد العالية، وهي الحجاز وما يلية من بلاد قيس. أنشدنا أبو العباس: يا دارَ ميَّةَ بالعَلياء فالسَّنَدِ ... أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبَدِ ويقال: هو من عُليا معد، بضم العين مع القصر، ومن عَلياء معد بفتح العين مع المد. فأراد أن العلياء تضيء النار كما يلوى بالرجل بثوبه إذا رفعه يلوح به للقوم إذا بشرهم من بعيد. وكذلك يقال: ألوت الناقة بذنبها، إذا رفعته. وهند ترتفع بأوقدت أيضا. وأخيرا نصب على الوقت أراد وقتا آخرا. وتلوى موضعه رفع في اللفظ بالتاء وفي الحقيقة نصب، والعلياء ترتفع بتلوى، والباء صلة تلوى.

    الزوزني: ألوى بالشيء: أشار به. العلياء: البقعة العالية. يخاطب نفسه ويقول: وإنما أوقدت هند النار بمرآك ومنظر منك، وكأن البقعة العالية التي أوقدتها عليها كانت تشير إليك بها، يريد أنها ظهرت لك أَتَمّ ظهور فرأيتها أتم رؤية

    الخطيب التبريزي: ويروى (أخيرا) قوله: (وبعينيك) أي: برأي عينيك أوقدت هند النار، وهند ممن كان يواصل، أخبر إنه رأى نارها عند آخر عهده بها لقوله: (أخيرا) وقوله: (تُلوى بها العلياء) معناه: ترفعها وتضيئها له، والعلياء: المكان المرتفع من الأرض، وإنما يريد العالية، وهي الحجاز وما يليه من بلاد قيس.

  7. ٧

    أَوقَدَتها بَينَ العَقيقِ فَشَخصَي

    نِ بِعودٍ كَما يَلوحُ الضِياءُ

    ابن الأنباري: ويروى: بين العقيق فشَخصٍ ... ذي قِضِينٍ كما يلوحُ الضّياءُ قوله (أوقدتها بين العقيق)، معناه رأى النار بالعلياء ولم يدر أين موضعها من العلياء، حتى تأملها فعلم أين هي من العلياء فقال بين العقيق - و (العقيق): مكان - وبين شخصين - وشخصان: أكمة لها شعبتان - فعلم أن موقد النار كان بالعلياء بين العقيق وشخصين. وقوله (بعود) أراد الذي يُتبخر به، وهو الألنجوج واليلنجوج، والألوة. يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال في صفة أهل الجنة: (مجامرهم الألوة). وقال أبو دهبل: تَجعل النَّدَّ والألوَّةَ والمِسْ ... كَ صِلاءً لها على الكانونِ ولعل هذه المرأة التي ذكر لم تر عودا قط، ولكن الشعراء قالوا في ذلك فأكثروا. وما جعلوها كذلك إلا لحبهم موقدي النار. ثم قال: (كما يلوح الضياء)، أي كما يظهر الضياء. والضياء: الضوء. وضياء الفجر من هذا. ضياء السراج وضياء النهار واحد. والقضين: جمع قضة، وهي شجرة. ويقال: هذه قضون فاعلم، ورأيت قضين، فتفتح النون لأنها مشبهة بنون الجمع. ومنهم من يقول هذه قضين ورأيت قضينا ونظرت إلى قضين، فتعرب النون لأنها بمنزلة ما هو من الاسم. ويروى: (أوقدتها بين العقيق وذي السدر). وذو السدر: موضع. وفاعل أوقدت مضمر فيه من ذكر هند، والهاء والألف تعودان على النار، وهي والباء صلتان لأوقدت، وشخصين نسق على العقيق، والكاف نصب به أيضا، وما خفض بالكاف، ويلوح الضياء صلتها، ولا عائد لها لأنها في معنى المصدر

    الزوزني: يقول: أوقدت هند تلك النار بين هذين الموضعين بعود فلاحت كما يلوح الضياء.

    الخطيب التبريزي: شخصان: أكمة لها شُعبتان، وقوله: (بِعُود) أراد العود الذي يُتبخر به، وقوله: (كما يلوح الضياء) قيل: يعني ضياء الفجر، وقيل: يعني ضياء النار، يصف أنها أوقدت بالعود حتى أضاء كما تضيء النار التي تُوقد بالعود، والكاف في قوله: (كما) في موضع نصب؛ لأنها نعت لمصدر محذوف، والمعنى: أوقدتها إيقادا مثل ما يلوح الضياء.

  8. ٨

    فَتَنَوَّرتُ نارَها مِن بَعيدٍ

    بِخَزازى هَيهاتَ مِنكَ الصلاءُ

    ابن الأنباري: قوله (تنورت نارها) معناه نظرت لي سناها في الليل. والتنور: نظرك إلى النار وتأملك أين هي؟ قريبة أم بعيدة. ثم قال (بخزاز). وخزاز: جبل بين العقيق وشخصين كما وصف. ثم إنه أطمع نفسه في اصطلائها فظن إنها قريب، فلما علم إنها بعيدة قال: هيهات منك الصلاء، أي ما أبعده منك. ويقال: قد تنور فلان النار، إذا نظر إليها. قال الشاعر: وأجَّجْنا بكل يَفَاعِ أرضٍ ... وَقودَ النار للمتنوّرينا ويقال: قد أنار القمر الموضع ونوره، إذا صار الموضع نيرا به. قال الأعشى يمدح بشر بن معد يكرب الكندي: لو كنتُ مِن شيءٍ سوى بشرٍ ... كنت المنوِّرَ ليلةَ البدرِ ومعنى هيهات البعد. قال الله عز وجل: (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِمَا تُوعَدون) معناه: بعيد ما توعدون. قال الشاعر: تَرى أمرَ بكر ثم أنت تلومُني ... على خَلَّةٍ هيهاتَ منك قريبُها فمعناه: بعيد. ويقال: هيهاتٍ هيهاتٍ بكسر التاء فيهما مع التنوين. ويقال: هيهاتاً هيهاتاً بنصبهما مع التنوين. قال الأحوص: تَذكَّرُ أياماً مضَين من الصّبا ... وهيهات هَيهاتاً إليك رجوعُها ويقال: أيهاتَ أيهاتَ. وانشد الفراء: فأيهات أيهاتَ العقيقُ ومَن بهِ ... وأيهاتُ وَصْلٌ بالعقيق تُواصلُه ويقال: هيهاتُ بالرفع بغير تنوين، وهيهاتٌ بالرفع مع التنوين. و (الصلاء): النار بكسر الصاد فيمد. والصَّلا بالفتح مقصور. قال الشاعر: وباشَرَ راعيها الصَّلاَ بلَبانِهِ ... وكَفَّيهِ حَرَّ النار ما يتحرّفُ ومن والباء صلتان لتنورت، والصلاء رفع بهيهات، والنار نصب يتنورت.

    الزوزني: التـَّنـَوُّرُ: النظر إلى النار. خزازى: بقعة بعينها. هيهات: بعدُ الأمر جدًّا. الصلاء مصدر صَلْيِ النَّار، وصَلِيَ بالنار يصلى صِلَىً وَصِلاَءً إذا احترق بها أو ناله حرّها. يقول: ولقد نظرت إلى نار هند بهذه البقعة على بعد بيني وبينها لأصلاها، ثم قال: بعد منك الاصطلاء بها جدًّا، أي أردت أن آتيها فعاقتني العوائق من الحروب وغيرها.

    الخطيب التبريزي: ويروى: بخزازي، يقال: تنوَّرت النار، إذا نظرتها بالليل لتعلم أقريبة هي أم بعيدة، أم كثيرة أم قليلة، وخزازي: اسم موضع، ومن النورة يقال: انترت، وهيهات: بمعنى بعد، يقول: إنها قد بعدت عنك وبعدت نارها بعد أن كانت قريبة.

  9. ٩

    غَيرَ أَنّي قَد أَستَعينُ عَلى الهَ

    مِّ إِذا خَفَّ بِالثَوِيِّ النَجاءُ

    ابن الأنباري: غير اني، معناه إلا أني، فلما وضعت غير في موضع إلا نصب على الاستثناء وفتحت الراء لاجتماع الساكنين؛ وذلك إنه ترك ما كان فيه من ذكر الصبا ثم أنشأ شيئا صار فيه وقال: (إذا خف بالثوى النجاء)، وهو المقيم. و (النجاء): الانطلاق والانكماش، والغالب عليه المد وربما قصر في الشعر، فإذا كرر فقيل النَّجا النَّجا، جاز فيه المد والقصر. و (خف) معناه مضى وذهب. والنَّجا مقصور: ما ألقيته عن الرجل من حلة أو لباس. يقال: أنجو عنه كذا وكذا، إذا ألقيته. قال الشاعر: فقلتُ انجُوَا عنها نجا الجِلْد إنَّه ... سيرضيكما منها سَنَامٌ وغاربُه

    الزوزني: غير أني: يريد ولكني، انتقل من النسيب إلى ذكر حاله في طلب المجد. الثويّ والثاوي: المقيم. النّجاء: الإسراع في السير، والباء للتعدية. يقول: ولكني أستعين على إمضاء همي وقضاء أمري إذا أسرع المقيم في السير لعظم الخطب وفظاعة الخوف.

    الخطيب التبريزي: الثوى: المقيم، وهو على التكثير، فإن أردت أن تجريه على الفعل قلت: ثاو، على لغة من قال: ثوى يثوى، ومن قال أثوى قال مُثو؛ والنجاء: السرعة، و (غير أني) منصوب على الاستثناء، وهذا استثناء ليس من الأول، ويقال: أن قوله (قد أستعين على الهم) متعلق بقوله: (وما يردُّ البكاء؟) أي وما يرد بكاء بعد أن تباعدت عني هند، وقد أستعين على هم بهذه الناقة.

  10. ١٠

    بِزَفُوفٍ كَأَنَّها هِقلَةٌ أَ

    مُّ رِئالٍ دَوِّيَّةٌ سَقفاءُ

    ابن الأنباري: زفزف: نافة مسرعة خفيفة، تزف زفيفا. والزفيف: عدو النعام إذا أسرع والدَّفيف؛ طيران الطائر إذا أسرع في الحال التي يكون فيها قريبا من الأرض. فالزفيف للنعام، والدفيف للطير. يقال: زف الرجل يزف زفيفا، إذا أسرع قال الله تعالى: (فأقْبَلوا إليه يَزِفُّونَ). وقرأ بعض القراء بالتخفيف: (يَزِفُونَ) وإنما وصف الناقة بصفة النعامة لأنها شبهت بها. والهقلة نعامة، والذكر هقل. قال الأعشى: فإذا أطاف لُغامُه بسَديسِهِ ... ثَنَّى ورادَ لحاجة وتزيَّدا شبَّهتَه هِقْلاً يُبارِي هِقلةً ... رَبْداءَ في خَيط نَقانِقَ أربَداَ النقانق: جمع نقنق، الذكر منها، والأنثى نقنقة. واللغام: الزبد والسديس: ناب من أنيابه. والمربد: الذي يضرب إلى السواد. والخيط: القطعة من النعام. وفيه خَيط وخيط، بالفتح والكسر. والخيْط من الخُيُوط، ولا يجوز الا بالفتح. و (الرئال): فراخ النعام، واحدها رأل، وثلاثة أرؤل، فاذا كثرت فهي رئال ورئلان. و (دوية) منسوبة إلى الدو. والدو: الأرض الواسعة البعيدة الأطراف. و (سقفاء): نعامة في رجلها انحناء. ويقال للرجل أسقف، وللمرأة سقفاء، إذا كان فيهما انحناء. والهاء اسم كأن، وهقلة خبر كأن. وأم رئال، ودوية، وسقفاء، نعوت لهقلة.

    الزوزني: الزَّفيف: إسراع النعامة في سيرها ثم يستعار لسير غيرها، والفعل زفّ يزِف، والنعت زافّ، والزفوف مبالغة. الهقلة: النعامة، والظليم هقل. الرأل: ولد النعامة، والجمع رئال، الدوِّية: منسوبة إلى الدوّ وهي المفازة. السقف: طول مع انحناء، والنعت أسقف يقول: أستعين على إمضاء همي وقضاء أمري عند صعوبة الخطب وشدته بناقة مسرعة في سيرها، كأنها في إسراعها في السير نعامة لها أولاد طويلة منحنية لا تفارق المفاوز.

    الخطيب التبريزي: الزفيف: السرعة، وأكثر ما يستعمل في النعام، والهقلة: النعامة، والرأل: ولد النعامة، ودوية: منسوبة إلى الدو، وهي الأرض البعيدة الأطراف، وسقفاء: مرتفعة، وكل ما ارتفع سقف.

  11. ١١

    آَنَسَت نَبأةً وَأَفزَعَها القَ

    نّاصُ عَصراً وَقَد دَنا الإِمساءُ

    ابن الأنباري: معناه: آنست هذه النعامة نبأة. و (النبأة): الصوت الخفي لا يدري من أين هو. و (آنست) هنا: أحسست. والإيناس: النظر وإبصارك الشيء. ويقال؛ آنست الشيء، إذا وجدته. قال الله عز وجل: (آنَسَ مِنْ جانب الطور ناراً)، أراد: وجد. وقال الأنصاري: فعِفْتَ المدينَةَ إذْ جئتَها ... وآنسْت للأُسدِ فيها زئيرا وقوله (وأفزعها القناص) يعنى الصياد. والقنص: الصيد. يقول: فلما رأتهم طارت على وجهها فزعا. و (عصرا) معناه عشيا. وإنما سميت العصر في الصلاة عصرا لأنها في آخر النهار. والعصر في غير هذا: الدهر. وفيه لغتان: عُصُرٌ وعصْر. وقال امرؤ القيس: إلا انعَمْ صباحاً أيها الطَّللُ البالي ... وهل ينعَمَنْ مَن كان في العُصُر الخالي ويقال في جمعه أعصر، وعصور. قال الشاعر: تذكَّرتُ ليلى والشَّبيبة أعصُرا ... وذكرُ الصّبا بَرْحٌ على من تذكَّرا وفاعل آنست مضمر فيه من ذكر النعامة، والنبأة منصوبة به، وعصرا منصوب على الوقت، والواو في وقد واو الحال. والإمساء رفع بدنا، وهو مصدر أمسى.

    الزوزني: النَّبْأَةُ: الصوت الخفي يسمعه الإنسان أو يتخيله. القُنّاص. جمع قانص وهو الصائد. الإفزاع: الإخافة. العصر: العشي. يقول: أَحَسّت هذه النعامة بصوت الصيادين فأخافها ذلك عشيًّا وقد دنا دخولها في المساء، لما شبه ناقته بالنعامة بسيرها بالغ في وصف النعامة بالإسراع في السير بأنها تـَئُوب إلى أولادها مع إحساسها بالصيادين وقرب المساء، فإن هذه الأسباب تزيدها إسراعًا في سيرها.

    الخطيب التبريزي: آنست: أحست، والنبأة: الصوت الخفي، وعصرا: عشيا، وسميت العصر في الصلوات لأنها في آخر النهار.

  12. ١٢

    فَتَرى خَلفَها مِنَ الرَجعِ وَالوَق

    عِ مَنيناً كَأَنَّهُ إِهباءُ

    ابن الأنباري: والمعنى: فترى خلف الناقة من الرجع، أي من رجع قوائمها. و (المنين): الغبار الدقيق الذي تثيره بقوائمها. وكل ضعيف منين، فعيل بمعنى مفعول. والممنون: الذي ذهبت منته. والمنة: القوة؛ ولذلك قيل للحبل الخلق منين. قال الله عز وجل: (فلهمْ أجرٌ غَير مَمْنون)، أراد: غير مقطوع ولا ضعيف. ويقال معناه غير محسوب. وقال آخرون: لا يمن الله سبحانه وتعالى عليهم به. ويقال: فلان قدمنه السير، أي أضعفه. و (الإهباء): إثارتها الهباء. والهباء: الغبار الذي كأنه دخان. وإذا دخلت الشمس في الكوة فالذي تراه كأنه غبار من السماء يتناثر هو الهباء. قال الله تبارك وتعالى: (وقَدِمْنا إلى ما عَمِلوا مْن عَمَلٍ فجعلنْاه هَبَاءً مَنْثوراً). والمنثور: المنتشر المتفرق. والهبوة: الغبرة. قال الشاعر: وزُرق كسَتْهنّ الأسنة هَبوةً ... أرقّ من الماء الزُّلال كليلُها الزرق: نصال الأسنة. والأسنة أراد بها المسان التي يحد بها النصال، الواحد مسن. وقوله: كستهن هبوة، أراد أن النصال جلتها المسان حتى اشتد جلاؤها، فكانت كأن عليها غبرة من شدة الصفاء؛ وهو مثل الظلم في الأسنان، وهو ماؤها، وذلك إذا نظرت إليها خيل إليك أن فيها غبرة من شدة صفائها وبياضها. والرماد الهابي هو الأسود الذي يعلوه بياض وهبوة. ومن رواه (كأنه أهباء) بفتح الهمزة قال: الأهباء جمع الهباء. يقال: ثار أهباء، أي غبرة في إثر غبرة. ويقال: أهبي الظليم يهبي إهباء، إذا غبر. والإهباء بالكسر في هذا البيت أصح في قول الأصمعي، على معنى المصدر. والمنين نصب بترى، والهاء اسم كأن، والاهباء خبرها.

    الزوزني: المنين: الغبار الرقيق. الأهباء: جمع هباء، والإهباء إثارته. يقول: فترى أنت أيها المخاطب خلف هذه الناقة من رجعها قوائمها وضربها الأرض بها غبارًا رقيقًا كأنه هباء منبث. وجعله رقيقًا إشارة إلى غاية إسراعها.

    الخطيب التبريزي: ويروى (فترى خلفهن من شدة الوقع منينا)، والمنين: الغُبار الدقيق الذي تثيره، وكل ضعيف منين، والرجع: رجع قوائمها، والوقع: وقع خفافها، وقوله (خلفها) أي خلف الناقة، و (خلفهن) خلف الإبل؛ لأن الناقة الموصوفة تسير مع غيرها، فحمل الضمير على المعنى، والإهباء: مصدر أهبي يُهبى إهباء، إذا أثار التراب، ومكن روى (أهباء) بفتح الهمزة فإنه يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون قصر الهباء ثم جمعه على أهباء لأن الهباء الممدود يجمع على أهيبة، والثاني: أن يكون جمع هبوة وهي الغُبار.

  13. ١٣

    وَطِراقاً مِن خَلفِهِنَّ طِراقٌ

    ساقِطاتٌ تُلوي بِها الصَحراءُ

    ابن الأنباري: ويروى: (أودت بها الصحراء)، ويروى: (تودى بها الصحراء). الطراق: مطاوقة نعال الإبل. وقوله (من خلفهن طراق)، يريد: طورقت مرة بعد مرة. وقد قيل: الطراق: الغبار هاهنا. و (ساقطات): قد سقطت من أرجلها. فالطراق تؤدى بها الصحراء، أي تبلى هذه النعال فتسقط. ويقال أطرقت النعل، إذا ضربت واحدة بأخرى، إطراقا، وطارقت. وقد يجوز ذلك في كل شيئين أحدهما على الاخر. ونصب طراقا لأنه نسق على المنين، كأنه قال: وترى طراقا. والطراق الثاني رفع بمن، وساقطات نعت لطراق، لأنه وان كان لفظه لفظ الواحد فمعناه بمعنى الجمع. والصحراء رفع بتلوى، والباء صلة.

    الزوزني: الطراق: يريد بها أطباق نعلها. ألوى بالشيء: أفناه وأبطله، وألوى بالشيء أشار به. يقول: وترى خلفهما أطباق نعلها في أماكن مختلفة قد قطعها وأبطلها قطع الصحراء ووطؤها.

    الخطيب التبريزي: ويروى (أردت بها الصحراء) ويروى (نُوجى)، والطراق: مُطارقة نعال الإبل، وقوله: (من خلفهن طراق) أي طُورقت مرة بعد مرة، وقد قيل: الطراق الغبار هاهنا، و (ساقطات) قد سقطت من أرجلها، و (تلوى بها الصحراء) أي تذهب بها وتُفرقها، وقوله (من خلفهن) قيل في الضمير قولان، أحدهما: إنه يعود على الإبل، والآخر إنه يعود على الطِّراق، فمن قال إنه يعود على الإبل فقوله (طراق) مرفوع بمعنى هو طراق، وقال النحاس: ولا يجوز على خلاف هذا عندي؛ لأنه مثل قولك: مررت برجل من خلف دار عمرو وزيد، فلا يجوز أن تكون الجملة من نعت رجل؛ لأنه لم يعد عليه منها شيء، وكذلك قوله (وطراقا من خلفهن طراق) أن قدرته في موضع نعت لم يجز؛ لأنه لم يعُد على طراق شيء، ويجوز (طراقا من خلفهن طراقا ساقطات) على أن تُبدل الطراق الثاني من الأول، ويكون قوله ساقطات في موضع نصب على إنه نعت لطراق الثاني؛ لأن المصدر يؤدي عن الواحد والجمع، والأجود على إنه نعت لطراق الثاني؛ لأن المصدر يؤدي عن الواحد والجمع، والأجود أن يكون الضمير يعود على طراق الأول، أو يكون جمع طراقة كما أجاز بعض النحويين (سيرَ بزيدٍ سيرٌ) على أن يكون سير جمع سيرة، وقيل في قوله عز وجل: (إِنْ نَظنُّ إِلاّ ظنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيِقِنِينَ): أن ظنا هنا جمع ظنة، وقيل: المعنى أن نظن أيها الدُّعاة إلا أنكم تظنون ظنا وما نحن بمستيقنين أنكم على يقين، وقيل: أن إلا في غير موضعها، وإن المعنى أن نحن ألا نظن ظنا، كما قال أبو العباس، وهذا مثل قولهم (ليس الطيب إلا المسك) والمعنى ليس إلا الطيب المسك، ومن قال أن ظنا جمع ظنة قال في طراق إنه جمع طراقة، فيكون الضمير يعود عليه، ويكون المعنى وطراقا من خلف الطراق طراق، وطراقا: منصوب لأنه معطوف على (منينا).

  14. ١٤

    أَتَلَهّى بِها الهَواجِرَ إِذ كُ

    لُّ اِبنَ هَمٍّ بَلِيَّةٌ عَمياءُ

    ابن الأنباري: أتلهى بها، معناه بالناقة، أي أركبها وأتعلل بوطئها وسرعتها وحسن ذهابها ونشاطها في شدة الحر، فلا أجد، مع ما أنا فيه، شدة من الحر عليّ. و (الهواجر). انتصاف النهار، واحدتها هاجرة. قال أبو العباس: إنما سميت الهاجرة هاجرة لبعدها من وقت البرد وطيب الهواء، أخذت من قولهم: قد هجرت الرجل، إذا بعدت منه. وقوله (إذ كل ابن هم)، معناه: كل ذي هم وكب من نزل به الهم. يقال هذا ابنُ هم وأخو همّ، إذا لحقه ذلك. قال المجنون: لقد عشتُ من ليلى زماناً أحبُّها ... أخا الموت إذ بعضُ المحبين يكذِبُ معناه أجد هما يكسب الموت. وقال ابن الطثرية: حلفتُ لها أن قد وُجِدت من الهوى ... أخا الموت لا بِدعاً ولا متآسيا يقول: إذا كان صاحب الهم لا يدري كيف يتوجه من عيه بالأمور فأراد أن ينجو، ليلا كان أو نهارا، لا أعيا أنا بأمري. وشبهه بالبلية. والبلية: ناقة الرجل إذا مات عقلت عند رأسه، أي عند القبر مما يلي الرأس، وعكس رأسها بذنبها، فتترك لا تأكل ولا تشرب حتى تموت، فهي عمياء لا تتجه. وقال بعضهم: كانوا في الجاهلية يعقلون ناقة الرجل عند رأسه ويقولون: إذا قام من قبره للبعث ركبها. وموضع (أتلهى) رفع بالألف، والباء صلة أتلهى وهي منصوبة، والهواجر نصب بأتلهى، وكل رفع بالبلية، والبلية مرتفعة به، والعمياء نعت البلية، وإذ وقت ماض، وهي من صلة أتلهى منتصبة به.

    الزوزني: يقول: أتلعب بها في أشد ما يكون من الحر إذا تحيَّر صاحب كل هم تحير الناقة البلية العمياء يقول: أركبها وأ قتحم بها لفح الهواجر إذا تحير غيري في أمره، يريد أنه لا يعوقه الحرّ عن مرامه.

    الخطيب التبريزي: أتلهى: من اللهو، أي ألهو بها في الهواجر، وابن هم: صاحب الهم، والبلية: ناقة الرجل إذا مات عُقلت عند رأسه عند القبر مما يلي رأسه، وعُكس رأسها إلى ذنبها فتترك لا تأكل ولا تشرب حتى تموت، فهي عمياء لا تتجه لأمرها، وقيل: كانوا يفعلون ذلك حتى إذا قام من قبره للبعث ركبها، والمعنى أن صاحب الهم إذا تحير نجوت أنا من الهم على ناقتي ولم يلحقني تحير.

  15. ١٥

    وَأَتانا عَن الأَراقِمِ أَنبا

    ءٌ وَخَطبٌ نُعنى بِهِ وَنُساءُ

    ابن الأنباري: قوله (أنباء) معناه أخبار. قال الله عز وجل: (عن النَّبأ العظيم)، وهو القرآن. و (الخطب): الأمر، قال الله تبارك وتعالى: (ما خَطْبُكَ يا سامرِيُّ)، أراد: ما أمرك. قال الشاعر: آذنت جارتي بِوَشْك رحيل ... بَكَراً جاهَرَتْ بخطبٍ جليل أراد: بأمر عظيم. والخطب: القصة؛ والمعنى واحد. والعرب تقول للخبر نبأ، حقا كان أو باطلا. ويقال: أنبأني فلان ونبأني. وقوله (نعنى به) معناه نهتم به ويثقل علينا. يقال عنيت بالشيء أعني به فأنا به معنى. و (الأراقم): أحياء من بني تغلب اجتمعوا هم وأحياء من بني بكر بن وائل، وهم عجل وحنيفة وذهل به شيبان، كانوا مالوا بني تغلب على بني يشكر. والأنباء ترتفع بأتانا. وإنما قال وأتانا ولم يقل وأتتنا لأن فعل المؤنث إذا فُصل بينه وبين المؤنث بشيء كان الفاصل بينهما كالعوض من تاء التأنيث. ويجوز أن يكون ذكر الفعل لأن الأنباء جمع نبأ، والنبأ مذكر، فبنى الجمع على الواحد. وخطب نسق على الأنباء، ونعني به صلة خطب، والهاء تعود عليه، ونساء نسق على نُعنى. ومعنى نساء به نُظن فيه ونلزم الإساءة. وقال بعض أهل اللغة: معناه ويسوءنا ما يأتينا من ذلك. ويروى: وأتانا من الحوادث والأنْ ... باء خَطبٌ نُعنَى به ونُساءُ)

    الزوزني: وَأَتَانَا مِنَ الْحَوَادِثِ والأَنـْبَا ءِ خَطْبٌ نـُعْنَى بِهِ وَنُسَاءُ يقول: ولقد أتانا من الحوادث والأخبار أمر عظيم نحن معنيون محزونون لأجله. عُني الرجل بالشيء يـُعْنَى به فهو معني به، وعنِيَ يعْنَى إذا كان ذا عناء به. وسؤت الرجل سواء ومَساءة وسوائية أحزنته.

    الخطيب التبريزي: الأراقم: أحياء من بني تغلب وبكر بن وائل وأنباء: جمع نبأ وهو الخبر، والخطب: الأمر العظيم، وقوله (نُعنى به) فيه قولان: أحدهما نُتهم ونظن به، أي يعنوننا به، والآخر أن يكون من العناية، أي نهتم به كما يقال: (عُنيت بحاجتك، أُعنى بها، عناية) هذا الفصيح، وحكى ابن الأعرابي عنيت بحاجتك - بفتح العين - و (نُساء) فيه أيضا قولان: يُساء بنا فيه الظن، والآخر نساء نحن في أنفسنا لاهتمامنا بهذا الخطب.

  16. ١٦

    أَنَّ إِخوانِنا الأَرَاقِمَ يَغلو

    نَ عَلَينا في قَولِهِم إِحفاءُ

    ابن الأنباري: قوله (يغلون علينا) معناه يرتفعون علينا في القول ويظلموننا، ويُحملوننا ذنب غيرنا ويطلبون ما ليس لهم بحق. وأصل الغلو في اللغة: الارتفاع والزيادة. قال الله عز وجل: (لا تَغْلُوا في دينِكم غَيرَ الحقّ) أراد: لا تجوروا ولا ترتفعوا من محجة الطريق. وجاء في الحديث: (من إجلال الله عز وجل إجلال حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإعظام ذي الشيبه المسلم)، أراد غير المرتفع فيه عن محجة القصد. ويقال غلا السعر، إذا ارتفع وزاد. ويقال: غلا الصبي، إذا شب وزاد. وغلا النبات يغلو، إذا طال. ويقال: فعل ذلك في غلو شبابه، أي في أوله وزيادته. قال عبد الله بن قيس الرقيات: لم تلتفت للِداتها ... ومضَتْ على غُلوائها أي سبقت نظراءها في السن وزادت عليهن. ويقال للجارية إذا شبت شبابا حسنا (غلا بها عُظم)، أي زادت على أترابها في الطول والتمام وحسن الشباب. قال الحارث بن حلزة: خُمصانة قَلِقٌ موشَّحُها ... رُود الشَّباب عَلاَ بها عُظْمُ وقوله (في قولهم إحفاء) معناه انهم حملوا علينا وألحوا في مساءتنا، وألصقوا بنا ما نكره. وهو من قولهم: أحفيت الشيء، إذا استقصيت عليه. ويقال: أحفيت شاربي وشعري. وجاء في الحديث: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى)، أي وفروها وزيدوا فيها. ويقال: قد أحفى فلان في الشتم، إذا اشتد فيه وألح. ويقال: قد تحفى فلان بفلان، إذا استقصى وأظهر العناية به. وقال الله عز وجل: (يَسْألونَكَ كأنكَ حَفِيٌّ عنها)، أي كأنك معنى بها مستقص في السؤال عنها. وقال الأعشى: فإنْ تسألي عني فيا ربُّ سائلٍ ... حَفّيٍ عن الأعشى به حيث أصعَدَا أراد: معنى به. ويقول: رأسك حاف، إذا دام شعثه، يحف حفوفا. وقد حف الشيء، إذا مر به يعدو. وقد حففت الشيء أحفه حفا، إذا دُرت حوله أو جعلت حوله شيئا؛ من قول الله عز وجل: (حافِّينَ مِن حَوِلِ العَرْش). وموضع أن رفع على الترجمة عن الأنباء، كأنه قال: أتانا أن إخواننا الأراقم. والأراقم ينتصبون على الترجمة عن الإحفاء، وخبر أن ما عاد من يغلون، وعلى صلة يغلون، والاحفاء يرتفع به. ويروى: (في قيلهم إحفاء)، وهي لغة؛ يقال قول وقيل، وقال. ويجوز أن يكون أن في موضع نصب في قول الفراء، وخفض في قول الكسائي، على معنى بأنَّ ولأنَّ.

    الزوزني: الأراقم: بطون من تغلب، سموا بها لأن امرأة شبهت عيون آبائهم بعيون الأراقم. الغلو: مجاوزة الحد. الإحفاء: الإلحاح. ثم فسر ذلك الخطب فقال: هو تعدي إخواننا من الأراقم علينا وغلوهم في عدوانهم علينا في مقالتهم.

    الخطيب التبريزي: ويروى (إن إخواننا) بكسر إنّ، فمن فتح فموضعها عنده موضع رفع على البدل من قوله (أَنباء) ومن كسرها صيرها مُبتدأة، وقوله (يغلون علينا) أي يرتفعون في القول علينا ويظلموننا ويُحمِّلوننا ذنب غيرنا، وأصل الغُلُو في اللغة الارتفاع والزيادة، و (إحفاء) يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون معناه الاستقصاء، كأنهم استقصوا علينا ونقضُوا العهد، من قولك (أحفيت شعري) إذا استقصيت أخذه، والمعنى الآخر أن يكون من (أحفيت الدابة) إذا كلفتها ما لا تطيق حتى تحفي، فيكون معناه في البيت انهم ألزمونا ما لا نطيق.

  17. ١٧

    يَخلِطونَ البَريءَ مِنّا بِذي الذَن

    بِ وَلا يَنفَعُ الخَلِيَّ الخِلاءُ

    ابن الأنباري: يخلطون، معناه يشوبون ذا الذنب بالذي لا ذنب له، ظلما لنا وإساءة بنا؛ فهذا عين الجور. وقوله (لا ينفع الخلي الخلاء)، معناه ولا ينفع البريء من الذنب براءته منه. و (الخلاء) بفتح الخاء: البراءة والترك. يقال: منزل خلاء، إذا كان خاليا. قال الشاعر: أصبحتْ دارُنا خلاءً قِفارا ... بعد عَدنان والإلهُ مُجارُ وروى أبو جعفر وغيره: (ولا ينفع الخلي الخِلاء، بكسر الخاء، وقال: الخلاء المتاركة. يقال: قد خالي فلان فلانا يخاليه خلاء، إذا تاركه. واحتج بقول النابغة: قالت بنو عامرٍ خالُوا بني أسدٍ ... يا بوسَ للجهلِ ضَرَّاراً لأقوام فمعناه: تاركو بني أسد. واخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: المخالي: المحارب. ويقال: أنا الخلاء منك وأنا البراء منك، بفتح الخاء في الخلاء، أي أنا خليُّ منك، أي بريء منك. ويتركان موحدين في التثنية والجمع، مذكرين في المؤنث، كقولك: نحن الخلاء والبراء منك، وهند الخلاء والبراء منك. قال الله تبارك وتعالى: (إنَّني بَراءٌ ممَّا تعبدون). والخلاء بالكسر في غير هذا: علة في النوق، بمنزلة الحران في الدواب. يخلطون موضعه رفع في اللفظ بالياء، وموضعه في التأويل نصب على الحال، كأنه قال: خالطين. والبري منصوب بيخلطون، وهو مهموز لأنه فعيل من بريء من الذنب براءة. والباء صلة يخلطون ايضا، وهي نصب به، والخلاء رفع بينفع، والخلى نصب به ولا يجوز همزه لأنه ليس بأخوذ من فعل مهموز، إنما هو فعيل من الخلوة، كأن الأصل فيه الخليو، ولما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن أبدل من الواو ياء وأدغمت الباء الأولى فصارتا ياء مشددة. وكذلك حكم الواو إذا سبقت الياء والواو ساكنة.

    الزوزني: يريد بالخلي: البريء الخالي من الذنب. يقول: هم يخلطون بـُ رَآءَنَا بمذنبينا، فلا تنفع البريء براءة ساحته من الذنب.

    الخطيب التبريزي: (يخلطون) معناه يُسوون ذا الذنب بالذي لا ذنب له، ظلما لنا وإساءة بنا، فهذا عين الجور، والخَلاء - بفتح الخاء - البراءة والترك، ويروى (الخِلاء) بكسر الخاء، وأصل الخلاء في الإبل بمنزلة الحران في الدواب.

  18. ١٨

    زَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَن ضَرَبَ العَي

    رَ مَوالٍ لَنا وَأَنّا الوَلاءُ

    ابن الأنباري: قال أبو نصر أحمد بن حاتم: لم يقل الأصمعي في هذا البيت شيئا. وقال أبو عمرو: معناه أن إخواننا الأراقم يلوموننا ويصفوننا بالباطل، ويضيفون إلينا ذنب غيرنا، ويعلقونه علينا، ويطالبوننا بجناية كل من جنى عليهم ممن نزل صحراء أو ضرب عيرا، ويجعلونهم موالى. والموالى في هذا الموضع: بنو العم. قال الله تعالى: (وإني خِفْتُ المَوَاليَ مِن ورائي)، أراد بني العم. قال الشاعر: ومِن الموالي مَوليانِ فمنهما ... مُعطى الجزيلِ وباذلُ النَّصِر ومن الموالى ضَبُّ جندلةٍ ... لَحِزُ المروَّة ظاهر الغِمْرِ أراد: بني العم. وقال قوم: الموالى في هذا البيت معناهم الأولياء. أي جعلوا كل من فعل هذا الفعل وليا لنا. قال الله عز وجل: (إنَّ الكافرينَ لا مولَى لهم) أراد لا ولى لهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل)، أراد بغير إذن وليها. وقال الأخطل: كانوا مَوالىَ حقّ يَطلبُون به ... فأدركوه وما ملُّوا وما لَغِبَوا يعني أولياء حق. وقال أيضا: فأصبحتَ مولاها من الناس بعده ... وأحْرَى قريش أن يُهابَ ويحمدا وقال المفضل بن محمد، وأبو علي، وأبو مالك: أراد بالعير الوتد، وإنما سمي عيرا لنتوه من الأرض، مثل عير النصل والسهم، وهو الناتئ في وسطه. يقول: كل من ضرب وتدا في الصحراء فأذنب في الأراقم الزمونا ذنبه. وقال أبو الحسن الأثرم: حدثني أبو عمرو عن خراش العجلي قال: العير أراد به كليبا ابن وائل، أي جعلتم كل من قتل كليبا أو أعان على قتله ابن عم لنا، فألزمتمونا ذنبه ظلما. وإنما سمى كليبا عيرا لجلالته وعلو شأنه وسودده. والعرب تسمى السيد العظيم من الرجال عيرا. وإنما قيل للسيد من الرجال عير لأنه شبِّه بالحمار في الصيد، إذ كان أجل ما يصطاد. من ذلك الحديث الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن أبا سفيان استأذن عليه فحجبه، ثم أذن له، فقال: ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهتين! فقال: (يا أبا سفيان، أنت كما قال القائل: كلُّ الصَّيد في جوف الفرا). والفرا: الحمار، يُهمز ولا يهمز. أنشدنا أبو العباس: إذا اجتمعوا عليَّة أشقذُوني ... فصرت كأنني فَرَأٌ مُتارُ ومتار ... من الإتآر. والجهلتان: جانبا الوادي. وقال قوم: أراد بالعير الحمار نفسه. يقول: يضيفون إلينا ذنوب كل من ساق حمارا ويجعلوننا أولياءهم. وقال آخرون: العير جبل في المدينة، ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (حرم ما بين عير إلى ثور). يريد: جعلوا كل من ضرب إلى ذلك الموضع وأراده وبلغه أولياءنا. وقوله (وأنَّا الولاء) معناه وأنا أصحاب الولاء، فحذف الأصحاب وأقام الولاء مقامه، كما قال الشاعر، أنشدنا أبو العباس: وكيف نصاحب من أصبحتْ ... خَلالتُه كأبي مرحبِ أراد: خلالة أبى مرحب. وقال الآخر: وشرُّ المنايا ميَّت وسط أهله ... كهذا الفتى قد أسلم الحيَّ حاضرهُ أراد: وشر المنايا ميته ميت، فحذف الميتة وأقام الميت مقامها. والولاء: العون واليد، يقال: هم عليه ولاة ولائه، أي عون ويد. والولاء في العون ممدود. والولي في المطر يكتب بالياء. وإن كفت من اسم زعموا وخبره، وكلا اسم أن، وضرب العير صلة من، وما في ضرب يعود على من، وموال رفع لأنه خبر أن، والأصل فيه موالي فاستثقلت الضمة في الياء لسكونها وسكون التنوين. ولنا صلة، وأن الثانية نسق على الأولى، والنون والألف اسم أن، والولاء خبرها.

    الزوزني: العير في هذا البيت يفسر: بالسيد، والحمار، والوتد، والقذى، وجبل بعينه. قوله: وأنَّا الولاء، أي أصحاب ولائهم، فحذف المضاف، ثم إن فسر العير بالسيد الأراقم: جمع أرقم وهو الذكر من الحيات أو أخبثها كان تحرير المعنى: زعم الأراقم أن كل من يرضى بقتل كليب وائل بنو أعمامنا وأنَّا أصحاب ولائهم تلحقنا جرائرهم، وإن فسر بالحمار كان المعنى: أنهم زعموا أن كل من صاد حُمُرَ الوحش موالينا، أي ألزموا العامة جناية الخاصة، وإن فسر بالوتد كان المعنى: زعموا أن كل من ضرب الخيام وطنَّبها بأ وتادها موالينا، أي ألزموا العرب جناية بعضنا، وإن فسر بالقذى كان المعنى: زعموا أن كل من ضرب القذى ليتنحي فيصفوا الماء موالينا، وإن فسر بالجبل المعيّن كان المعنى: زعموا أن كل من صار إلى هذا الجبل موالٍ لنا. وتفسير آخر البيت في جميع الأقوال على نمط واحد.

    الخطيب التبريزي: قالوا: يريد بالعير الوتد، والمعنى انهم يُلزموننا ذنوب الناس، أي كل من ذرب وتدا لخيمة ألزموا ذنبه، وهذا معروف أن يقال لكل شيء نانئ: عير، فقيل للوتد عير لنتوه، ويقال: أراد انهم يلزموننا ذنب كل من أطبق جفنا على جفن، لأنه يقال للعين، عير، وقيل: إنه أراد بالعير الحمار، أي يلزموننا ذنب كل من ضرب حمارا، وقيل: أراد بالعير كُليبا؛ ويقال لسيد القوم: هو عير القوم، وقيل: عير جبل بالمدينة، أي زعموا أن كل من مشى اليه، وفي الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم ما بين عير إلى أحد) وقيل: ما بين عير إلى ثور، والأول أصح، لأن ثورا بمكة، وقوله: (وأَنَّا الولاء) أي نحن ولاتهم على هذا، وقيل: معناه أنا أهل الولاء، ثم حذف، وقوله (موال لنا) قيل: يريد بني عمنا، وقيل: هو من النصر، يقال: (فلان مولاي) أي ناصري، فأما مفعولا (زعموا) فإن وما عملت فيه، كما تقول (زعمت أن زيدا مُنطلق) معناه كمعنى قولك زعمت زيدا منطلقا، وأنَّ توكيد، وموال في موضع رفع، والتنوين عند سيبويه عوض من الياء، وعند أبي العباس عوض من حركة الياء.

  19. ١٩

    أَجمَعوا أَمرَهُم بِلَيلٍ فَلَمّا

    أَصبَحُوا أَصبَحَت لَهُم ضَوضاءُ

    ابن الأنباري: أجمعوا، معناه أحكموا. يقال: قد جمعت الشيء، إذا وفقت بينه وأزلت تفرقه. وأجمعت الأمر، إذا أحكمته. قال الله عز وجل: (فأجمِعُوا أمركُم وشركاءَكم)، قرأ بعضهم: (فأجْمَعُوا) على التفسير الذي مضى. وأنشد الفراء: يا ليت شِعري والمُنَى لا تَنفعُ ... هل أغدُوَنْ يوماً وأمري مُجْمَعُ أي محكم. ويروى: (أجمعوا أمرهم بليل)، أي عزموا على أن يصبحوا بالذي اتفقوا عليه وبيتوه في الليل وتقدموا فيه. ويروى: (أجمعوا أمرهم عشاء)، أي لم يدعوا منه شيئا إلا أحضروه، كقول القائل: هذا أمر قد أسرى عليه بليل، أي دبر بليل. وقوله (أصبحت لهم ضوضاء)، معناه جلبة. والضوضاء حرف ممدود، وهو جمع واحدته ضوضاءة، وربما قصر فيكون حينئذ جمع ضوضاة. وروى بعضهم (أصبحت لهم غوغاء)، فالغوغاء: الرذال من الناس. والغوغاء من الجراد: الصغار الذي يركب بعضه بعضا. وفاعل جمعوا مضمر فيه ولا خبر له. والضوضاء اسم الإصباح الثاني واللام خبره. وقال الفراء: أصبح على معنى بيَّن، إذا أردت أن تفيد المخاطب صباح الاسم استغنيت عن الخبر، كقيلك أصبح زيد قائما. وأمسى بمنزلة أصبح. وأصح الروايتين رواية الذين رووا: (أصبحوا أصبحت لهم غوغاء)؛ لأن البيت الثاني يدل على الصياح والجلبة.

    الزوزني: الضوضاء: الجلبة والصياح. إجماع الأمر: عقد القلب وتوطين النفس عليه. يقول: أطبقوا على أمرهم من قتلنا وجدالنا عشاء، فلما أصبحوا جلبوا وصاحوا.

    الخطيب التبريزي: ويروى (أجمعوا أمرهم عشاء) وأجمعوا: أحكموا، كما قال تعالى: (فَأَجِمعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) وإنما خص الليل لأنه وقت تتفرغ فيه الأذهان، والضوضاء: الجلبة والاختلاط أي لما أحكموا أمرهم بليل أصبحوا في تعبية لما أحكموه من إسراج وإلجام وكلام، ومن العرب من يصرف ضوضاء في المعرفة والنكرة، وهو الاختيار عند أبي إسحاق؛ لأنه عنده بمنزلة قلقال، ومن العرب من لا يصرفه في معرفة ولا نكرة بمنزلة حمراء وما أشبهها.

  20. ٢٠

    مِن مُنادٍ وَمِن مُجيبٍ وَمِن تَص

    هالِ خَيلٍ خِلالَ ذاكَ رُغاءُ

    ابن الأنباري: معناه من مناد يقول يا فلان، ومن مجيب المنادى، ومن صهيل خيل. وقوله (خلال ذاك رغاء) معناه بين ذاك رغاء؛ لاجتماع بني تغلب علينا، وتهمتهم إيانا بأبنائهم الذين قتلهم العطش، يقولون: أدوا إلينا أبناءكم فإنكم اغتلتمونا اغتيالا. قال الله عز وجل: (فجاسُوا خلالَ الدِّيار)، أراد: بين الديار. أي قتلوكم بين بيوتكم. والرغاء: رغاء الخيل والإبل. والرغي: جمع رغوة اللبن، مقصور يكتب بالياء. والرغوة فيها ست لغات، يقال الرَّغوة، والرُّغوة، والرِّغْوة، والرَّغاوة، والرُّغاوة، والرِّغاوة. ومن صلة الضوضاء، ورغاء يرتفع بقوله خلال. ويروى: (خلال ذاك الرغاء) بالألف واللام.

    الزوزني: التصهال كالصهيل، وتفعال لا يكون إلا مصدرًا، وتِفعال لا يكون إلا اسْمًا. يقول: اختلطت أصوات الداعين والمجيبين والخيل والإبل، يريد بذلك تجمعهم وتأهبهم.

    الخطيب التبريزي: بيَّن الضوضاء في هذا البيت فقال: من مُناد يُنادى صاحيه فيقول: يا فلان، ومن مجيب يقول: هاأنا ذا، و (خلال ذاك) أي بين ذاك الجميع رغاء الإبل: أي أصواتها.

  21. ٢١

    أَيُّها الناطِقُ المُرَقِّشُ عَنّا

    عِندَ عَمرَوٍ وَهَل لِذاكَ بَقَاءُ

    ابن الأنباري: قوله (أيها الناطق) يعنى عمرو بن كلثوم. و (المرقش): المزين للشيء، ومعناه هاهنا تزيينه: قوله للملك: إنَّا قتلنا أبناءهم واغتلناهم اغتيالا، وادعاؤهم الكذب والباطل عند الملك. ثم قال: (وهل لذلك بقاء)، يقول: وهل للكاذب بقاء عند الملك. أي هو ينظر فيما ادعيتم فيعرف صدق ذلك من كذبه، ويعرف ترقيشك القول له بالباطل وبما لم يكن. ويروى: (أيها الناطق المحبر عنا عند عمرو)، وهو المزين. يقال: حبرت الكلام ورقشته، ونممته ونمنمته، وذهبته وأذهبته، بمعنى. قال المرقش: الدَّار قفرٌ والرسومُ كما ... رقَّش في ظهر الأديمِ قلَمْ اراد: زيَّنَ. والمرقش نعت الناطق، وعن وعند صلتان له، والبقاء رفه باللام في قوله لذاك. وفي رواية قطرب: (وماله إبقاء)، معناه: ليس يبقى على أحد. ويروى: (المخبر عنا)، بخاء معجمة.

    الزوزني: يقول: أيها الناطق عند الملك الذي يبلّغ عنا الملك ما يريبه ويشككه في محبتنا إياه ودخولنا تحت طاعته وانقيادنا لحبل سياسته، هل لذلك التبليغ بقاء؟ وهذا استفهام معناه النفي، أي لا بقاء لذلك؛ لأن الملك يبحث عنه فيعلم أن ذلك من الأكاذيب المخترعة والأباطيل المبتدعة؛ وتحرير المعنى: أنه يقول: أيها المضرب بيننا وبين الملك بتبليغك إياه عنا ما يكرهه لا بقاء لما أنت عليه لأن بحث الملك عنه يعرفه أنه كذب بحت محض.

    الخطيب التبريزي: المرقش: المزين القول بالباطل ليقبل منه الملك باطله، ويقال: إنه يخاطب بها عمرو بن كلثوم، ومعنى (وهل لذاك بقاء) أن الباطل لا يبقى.

  22. ٢٢

    لا تَخَلنا عَلى غَرائِكَ إِنّا

    قَبلُ ما قَد وَشى بِنا الأَعداءُ

    ابن الأنباري: قوله (لا تخلنا) معناه لا تظننا. يقال: خلت عبد الله قائما، أي ظننته. قال الفراء: هو مأخوذ من الخيال والشيء يشبه لك، ثم ذهب به مذهب الظن. وإنما خاطب بهذا النعمان بن المنذر. أراد: لا تحسب أنا جازعون لإغرائك الملك بنا. و (الغراء) مأخوذ من قولك: غريت بالشيء أغرى به، إذا اولعت به ولزمته. يقال غريت بالشيء أغرى به غراء. والغرا: ولد البقرة مقصور، يكتب بالألف لانهمن الواو، يقال في ثنتيته غروان. قال الشاعر: لها الجيد من جَيداء والعين طرفها ... كعيناء يهديها غَرَاهَا فريق وأنشدنا أبو العباس في المعنى الأول لكثير: إذا قلت مهلاً غارت العين بالبكا ... غِرَاءً ومدَّتها مدامعُ حُفَّلُ قال الأصمعي: غارت فأعلت من غريت بالشيء أغرى، إذا لزمته. والغراء الذي يلزق به، إذا كسر مد وإذا فتح قصر. وقيل هو الغري. وقوله (إنَّا قبل ما قد وشى بنا الأعداء)، معناه طال ما نمم بنا الأعداء قبلك عند الملوك فلم يضرنا ذلك. يريد: إنا قد مرنا على ذلك وعداوة الناس إيانا. ويروى: (طال ما قد وشى). ومعنى وشى نمم. والواشي هو النمام، وجمعه واشون ووشاة، قال بعض الأعراب: فما لكَ من سدر ونحنُ نحبُّه ... إذا ما وشَى واشٍ بنا لا نجادلُهْ كما لو وشَى بالسدر واش رددتُه ... كئيباً ولم تَملُحْ لدينا شمائلُهْ وأنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا الزبير بن بكار: قال الوشاة لهندٍ عَنْ تُصارِمَنا ... ولستُ أنسى هوى هندٍ وتنساني معناه: أن تصارمنا، فأبدل العين من الهمزة، والأصل فيه من الشية وهي العلامة. فإذا قال وشى به فمعناه نسب إليه أمرا جعله به علما. قال الله عز وجل: (لاشيَةَ فيها)، أراد لا بون فيها يخالف لون جميع جلدها، أي ليست فيها علامة. ويقال: وصفت شيات الغنم، أي علامتها. قال النابغة: من وَحش وجرة مَوشِىّ أكارعُه ... طاوِى المَصيرِ كسيَفِ الصَّقل الفَرَدِ معناه: معلم أكارعه، أي هو أبيض في وجهه سفعة. وطاوى المصير، معناه ضامر. والفرد، يريد هو منقطع القرين لا نظير له في الجود. ويقال أتيتك قبلَ وقبلُ، وقبلاً وقبلٌ، وكذلك بعدُ وبعدٌ. أنشدنا أبو العباس: ونحن قتلْنا الأزد أزدَ شنوءة ... فما شربوا بَعدٌ على لذَّة خمرا وتخلنا جزم بلا على النهى وعلامة الجزم فيه سكون اللام، والألف سقطت لسكونها وسكون اللام. والنون والألف اسم المخيلة، وعلى خبرها، والنون والألف اسم أن، وخبرها ما عاد من النون والألف في بنا، وقبل ضمت على الغاية، وما صلته، والأعداء رفع بوشى. ومن رواه (طال ما قد وشى) رفع ما بطال، وما بعدها صلتها ولا عائد لها ولأنها في معنى المصدر، كأنه قال: سعى الأعداء بنا.

    الزوزني: الغراة: اسم بمعنى الإغراء، يخاطب من يسعى بهم من بني تغلب إلى عمرو بن هند ملك العرب. يقول: لا تظننا متذللين متخاشعين لإغرائك الملك بنا، فقد وشى بنا أعداؤنا إلى الملوك قبلك؛ وتحرير المعنى: إن إغراءك الملك بنا لا يقدح في أمرنا كما لم يقدح إغراء غيرك فيه، قوله: على غراتك، أي على امتداد غراتك، والمفعول الثاني لَتَخَلْنَا محذوف تقديره: لا تخلنا متخاشعين، وما أشبه ذلك.

    الخطيب التبريزي: (على غراتك) يقال: غرى بالشيء يغرى غرا مقصور وغراة تأنيث غرا، وروى سيبويه والفراء إنه يقال: غرى به يغرى غراءا، وهذا من الشاذ الذي لا يقاس عليه، وقد روى (لا تخلنا على غرائك) على هذا، وقوله (لا تخلنا) أي لا تحسبنا أنا جازعون لإغرائك الملك بنا، ويروى (إنّا طالما قد وشى بنا الأعداء) وما: هذه كافة قد يقع بعدها الفعل والفاعل، وإن اضطر شاعر جاز له أن يأتي بعدها بابتداء وخبر كما تقول في قلَّما، وأنشد سيبويه: صَدَدْتِ فَأَطْوَلْتِ الصُّدُودَ وَقَلَّمَا ... وِصَالٌ عَلَى طُولِ الصُّدُودِ يَدُومُ وكان يجب على قول سيبويه أن يقول: وقلَّ ما يدوم وصال، وعلى هذا (طالما قد وشى بنا الأعداء). والمعنى: أن الأعداء قبلك قد وشوا بنا ليهلكونا، فلم يقدروا على ذلك. والمفعول الثاني من (تخلنا) محذوف، والمعنى لا تخلنا على غراتك بأنا هالكون، ثم حذف، والبيت الذي بعده يدل على ذلك.

  23. ٢٣

    فَبَقينا عَلى الشَناءَةِ تَنمِي

    نا حُصونٌ وَعِزَّةٌ قَعساءُ

    ابن الأنباري: ويروى: (فعلونا على الشناءة). والشناءة: البغض. تقول: شنئت الرجل، إذا أبغضته. والشناءة والشنَّآن بفتح النون المصدر أيضا، قال الله عز وجل: (ولا يَجْرِمنكمُ شَنَآنُ قوم)، أراد: لا يجرمنكم بغض قوم. قال الفراء: من سكَّن النون فقرأ: (شَنْآن) أراد الاسم، أي بُغض قوم. قال الشاعر: وأي رئيس القوم ليس بحامل ... بالبغضاء والشنَآن ويقال رجل مشنوء ومشنى، أي مبغض. ويترك همزته فيقال مشنو ومشنى. قال الشاعر: وما خاصم الأقوامُ من ذي خصومةٍ ... كورْهاءَ مشنوٍّ إليها حليلُها ويروى: (مشنى). ومن العرب من يترك همزة شنآن فيقول شنان، على مثال أبان. قال الشاعر: وما العيشُ إلا ما تلذّ وتشتهي ... وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنَان وفنَّدا ومعنى البيت: بتنا على بغض الناس، أنا نزداد رفعة وعلوا ويزدادون غيظا، لما يرون من ثبات عزنا ومكاننا من الملك، ونحن لا نبالي عدوا ولا حسودا ولا وشاية منهم بنا. وقوله (تنمينا جدود) أي ترفعنا آباؤنا بأحسابهم. والجدود: جمع جد، وهو في هذا الموضع أبو الاب، ويجوز أن تكون جمع جد، والجد: الحظ، وهو الذي تسميه العامة البخت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دخلت الجنة فإذا أكثر الناس - أي أهلها - الفقراء، وإذا أصحاب الجد محبوسون)، أي أصحاب الحظ في الدنيا. ويقال للرجل: ما كنت ذا جد، ولقد جددت، وأنت تجد. أنشدنا أبو العباس: ولقد يجُدُّ المرء وهو مقصِّر ... ويخيب سعى المرءِ غيرَ مقصّرِ ويقال: رجل حظيظ وجديد؛ ورجل جد، إذا كان عظيم الجاه في الناس. ويروى: (تنمينا حصون). ويروى ايضا: (ومنعة قعساء)، أي الحصون تحول بيننا وبين شناءة الناس إيانا. و (العزة): الغلبة، من قولهم: (من عز بزَّ)، أي من غلب سلب. وإنما سمى العزيز عزيزا لغلبته. و (القعساء): الثابتة المصمتة. ويروى: (تُنبيها حصون)، أي ترفعها؛ أخذ من النبوة والنباوة وهي المكان المرتفع. قال القطامي: لما وردْنَ نبيّاً واستتبَّ لنا ... مسحنفرٌ كخطوط النَّسج مُنْسحلُ وقال أبو عبيدة: العرب تترك همز ثلاثة أحرف أصلها الهمز، وهي النبي من أنبأ عن الله عز وجل؛ والخابية، وهي مأخوذة من خبأت؛ والذرية، وهي من ذرأ الله تعالى الخلق. وبعض العرب يهمز النبي ويخرجه على أصله. والجدود مرتفعة بتنمينا. والعزة نسق عليها.

    الزوزني: الشناءة: البغض. تنمينا: ترفعنا. يقول: فبقينا على بغض الناس إيانا وإغرائهم الملوك بنا ترفع شأننا وتعلي قدرنا حصون منيعة وعزة ثابتة لا تزول.

    الخطيب التبريزي: ويروى (فنمينا على الشناة) ويروى (فعلونا على الشناءة) والشناءة: البغض، يقول: فبقينا على بغضهم لنا ترفعنا جدود وهي الحظوظ ويروى (تنمينا حصون) يعني أنهم في عز ومنعة، والقعساء: الثابتة، ويقال: نماه كذا، أي رفعه، ويقال (نمى الشيء في نفسه ينمى) إذا زاد، هذا اللازم، وفي المتعدى اختلاف، فأكثر أهل اللغة يقول: أنمى الله إنماء، وقال بعضهم: لا يجوز إلا نماه الله.

  24. ٢٤

    قَبلَ ما اليَومِ بَيَّضَت بِعُيونِ ال

    ناسِ فيها تَعَيُّطٌ وَإِباءُ

    ابن الأنباري: معناه: قبل اليوم عظم شأنها على الناس حتى أعمتهم وعظمت على أبصارهم. يقال للرجل: لأوصلن إليك مكروها يظلم من أجله عليك نهارك وشبيه به قولهم: لأرينك الكواكب بالنهار، أي لأفعلن بك أمرا يظلم من أجله نهارك حتى يصير في عينك بمنزلة الليل فترى الكواكب. وقال النابغة: تبدو كواكبه والشمسُ طالعةٌ ... لا النور نورٌ ولا الإظلامُ إظلامُ وقال الأعشى: رجَعتَ لمَّا رُمتَ مُستحسراً ... ترى للكواكب كهرا وَبيصَا أي رجعت حسيرا كئيبا قد أظلم عليك نهارك، فأنت ترى فيه الكواكب بعالي النهار بريقا. والكهر: ارتفاع النهار. ومما يداني هذا المعنى أيضا قول جرير يرثى عمر بن عبد العزيز: فالشمسُ كاسفةٌ ليست بطالعةٍ ... تبكى عليك نجومَ اللَّيل والقَمَرا معناه الشمس كالكاسفة لشدة ظلمتها. ونصب نجوم الليل والقمر على الوقت، كأنه قال: تبكى عليك أبدا. ورواه البصريون: والشمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ كأنه قال: طلعت الشمس ولم يكسف ضوءها نجوم الليل والقمر، لحزنها وبكائها عليك. وقال محمد بن يزيد: تبكي عليك نجومُ الليل والقمرا فرفع النجوم ونصب القمر على معنى مع القمر؛ فلما حلت الواو محل مع نصب ما بعدها، كما تقول: لو تُرك عبد الله والأسد لأكله. والذي أذهب إليه أن يكون نصب النجوم والقمر بتبكى، كانه قال: بكت الشمس ونجوم الليل والقمر فبكتهما الشمس تبكيهما، أي غلبتهما بالبكاء، كما تقول: كارمني عبد الله وكرمته وأنا أكرمه: غلبته. ومعنى قوله: (بيضت بعيون الناس): بيضت عيون الناس، والباء زائدة، كما قال الله تبارك وتعالى: (ومَن يُردْ فيه بإلحادٍ بظُلْم)، أراد: ومن يرد فيه إلحادا. وقال الفراء: سمعت أعرابيا من ربيعة وسألته عن شيء فقال: أرجو بذاك، يريد: ذاك. وأنشدني أبو الجراح: فلما رجَتْ بالشرب هَزَّ لها العصا ... شحيحٌ له عند الإزاء نَهيمُ أراد: رجت الشرب. وقال امرؤ القيس: ألاَ هل أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ ... بأنّ امرأ القيس بن تَمِلكَ بَيْقَرا أراد: هل أتاها أن امرأ القيس. وقال قيس بن زهير: ألم يأتيك والأنْباء تَنمى ... بما لاقتْ لبَونُ بني زيادِ أراد: ألم يأتك ما لاقت. وأنشد أبو عبيد: ضَمنتْ برزق عيالنا أرماحُنا ... ملءَ المراجل والصَّريحَ الأجردَا أراد: ضمنت رزق عيالنا. وقوله (فيها تعيط معناه فيها ارتفاع وامتناع، أي في عزتنا. والإباء معناه أنها تأبى الضيم. ومن التعيط قولهم: اعتاطت الناقة واعتاصت، إذا امتنعت من الحمل فلم تحمل أعواما. ويقال: ناقة عائط، وفي الجمع نوق عوط وعيط. وحكى الفراء عوطط في الجمع، وهو على غير القياس. وقبل نصب ببيضت، وما صلة اليوم مختفض بقبل، والتعيط رفع بفي، والإباء نسق عليه.

    الزوزني: الباء في: بعيون، زائدة، أي بيّضت عيون الناس، وتبييض العين: كناية عن الإعماء. وما في قوله: قبل ما، صلة زائدة. يقول: قد أعمت عزتنا قبل يومنا الذي نحن فيه عيون أعدئنا من الناس، يريد أن الناس يحسدوننا على إباء عزتنا على من كادها وتغي ظها على من أرادها بسوء، حتى كأنهم عموا عند نظرهم إلينا لفرط كراهيتهم ذلك وشدة بغضهم إيانا، وجعل التغيظ والإباء للعزة مجازًا وهما عند التحقيق لهم.

    الخطيب التبريزي: يقول: قبل اليوم عظم شأننا على الناس حتى أعمتهم وغطت على أبصارهم، وقوله (فيها تعيط) يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون من قولهم (اعتاطت الناقة) إذا لم تحمل وامتنعت من الفحل أي فعزَّتنا تمنعنا من أن نستضام، والمعنى الآخر أن يكون من قولهم (رجل أعيط وامرأة عيطاء) إذا كانا طويلين فيكون المعنى على هذا: لنا عزة طويلة غير ناقصة ولنا إباء.

هذه القصيدة بشرح ابن الأنباري، والزوزني، والخطيب التبريزي

أبيات مشهورة منها(٦)
من شروح القرّاء(١)

يؤكد إعلامها له بالفراق ثم ولولتها بالرحيل والابتعاد، ويختتم متحسرًا ومتمنيًا عودة الوصال: "ليت شعري متى يكون اللقاء" أي يا ليتني أعلم متى يجمعنا الزمان مرة أخرى ومتى يكون اللقاء القادم.

التعليقات(٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

نسخ أخرى من هذه القصيدة

القصيدة نفسها من مصدر آخر، وقد تختلف في عدد الأبيات أو في بعض الروايات.