من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ
غير أَنِّي قد أستعين على الهمّ إِذا خفّ بالثويّ النَّجَاء
على أَن غيراً يجوز أَن تكون مَبْنِيَّة على الْفَتْح إضافتها إِلَى أَن الْمُشَدّدَة وَيجوز أَن تكون مَنْصُوبَة وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة الْحَارِث بن حلّزة الْيَشْكُرِي وَهِي سابعة المعلّقات السَّبْعَة وأولها:
آذنتنا ببينها أَسمَاءربّ ثاو يملّ مِنْهُ الثواء
آذنتنا ببينها ثمَّ ولّتلَيْت شعري مَتى يكون اللِّقَاء
بعد عهد لَهَا ببرقة شمّاء فأدنى ديارها الخلصاء
لَا أرى من عهِدت فِيهَا فأبكى اليوم دلهاً وَمَا يردّ الْبكاء
وبعينيك أوقدت هِنْد النار أصيلاً تلوي بهَا العلياء
أوقدتها بَين العقيق وشخصين بِعُود كَمَا يلوح الضياء
فتنوّرت نارها من بعيدبخزاز هَيْهَات مِنْك الصلاء
غير أَنِّي قد أستعين على الهمّ إِذا خفّ بالثوي النَّجَاء
بزفوف كَأَنَّهَا هقلة أمّ رئال دوية سقفاء
قَوْله: آذنتنا أَي: أعلمتنا. والبين: الْفِرَاق. وَأَسْمَاء: حبيبته. والثاوي: الْمُقِيم يُقَال: ثوى يثوي ثواء وثواية: إِذا قَامَ وروى جمَاعَة من اللغويين أثوى بِمَعْنَاهُ وأنكرها الْأَصْمَعِي. ويملّ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْملَل وَهُوَ الضجر والسأم. وَهَذَا المصراع الثَّانِي من قبيل إرْسَال الْمثل.
وَقَوله: بعد عهد لَهَا الخ البرقة بِالضَّمِّ: رابية فِيهَا حِجَارَة يخلطها رمل وطين وشماء: اسْم أكمة. وَأدنى: أقرب. والخلصاء: مَوضِع أَيْضا يَقُول: عزمت على فراقنا بعد أَن لقيتها ببرقة شمّاء والخلصاء هِيَ أقرب ديارها إِلَيْنَا.
ثمَّ اورد بَيْتَيْنِ آخَرين فيهمَا أسامي أَمَاكِن معطوفة على الخلصاء لَا فَائِدَة فِي إيرادها.
وَقَوله: لَا أرى من عهِدت الخ دلهاً أَي: بَاطِلا وَهُوَ مفعول مُطلق وَقيل: هُوَ من قَوْلهم دلّهني أَي: حيّرني فَهُوَ تَمْيِيز. يَقُول: لَا أرى فِي هَذِه الْمَوَاضِع من عهِدت وَهِي أَسمَاء فَأَنا أبْكِي الْيَوْم بكاء بَاطِلا اَوْ ذَاهِب الْعقل. وَمَا استفهامية للإنكار أَي: لَا يردّ الْبكاء شَيْئا على صَاحبه.
يَعْنِي: لما خلّت هَذِه الْمَوَاضِع مِنْهَا بَكَيْت جزعاً لفراقها مَعَ علمي أَنه لَا فَائِدَة فِي الْبكاء.)
وَرُوِيَ أَيْضا:
لَا أرى من عهِدت فِيهَا فأبكيأهل ودّي وَمَا يردّ الْبكاء
أَي: فَأَنا أبْكِي أهل مودتي شوقاً إِلَيْهِم حِين نظرت إِلَى مَنَازِلهمْ الخالية وَرُوِيَ أَيْضا: وَمَا يحير الْبكاء من أحاره بِالْمُهْمَلَةِ أَي: رجعه.
وَقَوله: وبعينيك أوقدت الخ أَي: وَترى بِعَيْنَيْك أَو بمرأى عَيْنَيْك يُقَال: هُوَ مني بمرأى ومسمع أَي: حَيْثُ أرَاهُ وأسمعه. وَالْمعْنَى: أوقدت النَّار ترَاهَا لقربها مِنْك. وَهِنْد مِمَّن كَانَت تواصله بِتِلْكَ الْمنَازل. وَأَصِيلا: ظرف بِمَعْنى الْعشي وَرُوِيَ بدله أخيراً أَي: فِي آخر عَهْدك بهَا. يَقُول: والعلياء بِالْفَتْح: مَا ارْتَفع من الأَرْض وَإِنَّمَا يُرِيد الْعَالِيَة وَهِي أَرض الْحجاز وَمَا والاها من بِلَاد قيس. وَيُقَال: قد ألوت الأَرْض بالنَّار تلوي بهَا إلواء أَي: رفعتها وَكَذَلِكَ النَّاقة: ألوت: إِذا رفعت ذنبها فلوّحت بِهِ.
وَقَوله: أوقدتها بَين العقيق الخ العقيق وشخصان قَالَ الْأَخْفَش: شخصان: أكمة لَهَا قرنان ناتئان وهما الشعبتان. وَالْعود هُوَ عود البخور. وَأَرَادَ بالضياء ضِيَاء الْفجْر وَقيل ضِيَاء السراج.
وَقَوله: فتنوّرت نارها الخ يُقَال: تنورت النَّار: إِذا نظرتها بِاللَّيْلِ لتعلم: أقريبة هِيَ أم بعيدَة أكثيرة أم قَليلَة وخزاز بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة والزاءين المعجمتين: مَوضِع.
وَقَوله: هَيْهَات الخ يَقُول: رَأَيْت نارها فطمعت أَن تكون قريبَة وتأملتها
فَإِذا هِيَ بعيدَة بخزار فَلَمَّا يئست مِنْهَا قلت: هَيْهَات أخبر أَنه رَآهَا بالعلياء ثمَّ أخبر أَنه رَآهَا بَين العقيق وشخصين ثمَّ بخزاز وَهُوَ جبل. والصلاء: مصدر صلا النَّار وَصلي بالنَّار يصلى صلاء. إِذا ناله حرهَا.
وَقَوله: غير أَنِّي قد أستعين.. الخ بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى دَال قد وخف فلَان للمضي إِذا تحرّك لذَلِك يُقَال: خف يخف خفَّة. والثوي مُبَالغَة ثاو أَي: مُقيم. والنجاء بِفَتْح النُّون وَالْجِيم: الْمُضِيّ يُقَال: مِنْهُ نجا ينجو نجاءً ونجواً. وَالْبَاء للتعدية. أَي: إِذا اضْطر الْمُقِيم للسَّفر وأقلقه السّير والمضي لعظم الْخطب وَشدَّة الْخَوْف.
وَبِهَذَا الْبَيْت خرج من صفة النِّسَاء وَصَارَ إِلَى صفة نَاقَته على طَريقَة الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع من قَوْله فتنورت أَو من قَوْله وَمَا يرد الْبكاء أَي: وَمَا يرد على بُكَائِي بعد أَن تَبَاعَدت عني فاهتممت)
بذلك لكني أستعين على همي بِهَذِهِ النَّاقة الْآتِي وصفهَا فِيمَا بعد. فَغير الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع وفتحتها إِمَّا حَرَكَة إِعْرَاب وَإِمَّا فَتْحة بِنَاء بنيت لإضافتها إِلَى مَبْنِيّ فَتكون حِينَئِذٍ فِي مَحل نصب.
وَقَوله: بزفوف كَأَنَّهَا الخ الْبَاء مُتَعَلقَة بأستعين. والزفوف بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وبفاءين أَرَادَ بِهِ النَّاقة السريعة من الزفيف وَهُوَ السرعة وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي النعام. شبّه نَاقَته فِي وطاءتها وسرعتها بنعامة تزفّ والزفيف مثل الدفيف وَذَلِكَ أَن النعامة إِذا عدت نشرت جناحيها وَرفعت ذنبها ومرّت على الأَرْض أخفّ من الرّيح وَرُبمَا ارْتَفَعت من الأَرْض لخفتها. والزفيف للنعام والدفيف للطير يُقَال: زفّ النعام يزف زفاً وزفيفاً ودفّ الطير يدفّ دفّاً ودفيفاً.
والهقلة بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الْقَاف: أُنْثَى النعام والهقل ذكره.
والرئال بِكَسْر الرَّاء المهماة فَعَدهَا همزَة مَفْتُوحَة: جمع رأل بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَهُوَ ولد النعام. والدويّة بتَشْديد الْوَاو منسوبة إِلَى الدوّ وَهِي الأَرْض الْبَعِيدَة الواسعة وَهُوَ صفة أمّ وَكَذَلِكَ سقفاء من السّقف بفاء بعد قَاف وَهُوَ طول فِي انحناء وَالذكر أَسْقُف. يَقُول: أستعين على إِزَالَة همي بِنَاقَة مسرعة مكأنها فِي إسراعها نعَامَة لَهَا أَوْلَاد طَوِيلَة منحنية لَا تفارق المفاوز.
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة الْحَارِث بن حلّزة مَعَ شرح أَبْيَات من هَذِه الْمُعَلقَة فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ فِي بَاب التَّنَازُع.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع