من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ هَذَا عجز وصدره: وَلَا أرى فَاعِلا فِي النَّاس يُشبههُ على أَن الْمبرد اسْتدلَّ بِهِ على فعلية حاشى بتصرفه.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن حاشا فِي الِاسْتِثْنَاء فعل مَاض وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه اسْتعْمل اسْتِعْمَال الأدوات وَذهب
البصريون إِلَى انه حرف جر وَذهب أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد إِلَى أَنه يكون فعلا وَيكون حرفا. أما الْكُوفِيُّونَ فاحتجوا على فعليته بِالتَّصَرُّفِ كَقَوْل النَّابِغَة:
وَمَا أحاشي من الأقوام من أحد
وَبِأَن لَام الْخَفْض تتَعَلَّق بِهِ قَالَ تَعَالَى: حاش لله وحرف الْجَرّ إِنَّمَا يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ لَا بالحرف وَبِأَن الْحَذف يلْحقهُ فَإِنَّهُم قَالُوا فِي حاشا لله: حاش لله. وَاسْتدلَّ البصريون على حرفيته بأنّ لَا يُقَال مَا حاشا زيدا كَمَا يُقَال مَا خلا زيدا وَمَا عدا عمرا وَبِأَن نون الْوِقَايَة لَا تلْحقهُ فَلَا يُقَال حاشاني وَلَو كَانَ فعلا لقيل. وَأَجَابُوا عَن قَول الْكُوفِيّين بِالتَّصَرُّفِ بِأَن أحاشي مَأْخُوذ من لفظ حائى وَلَيْسَ متصرفاً مِنْهُ كَمَا يُقَال: بسمل وَهَلل وحمدل وسبحل وحوقل: إِذا قَالَ بِسم الله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالْحَمْد لله وَسُبْحَان الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَكَذَلِكَ يُقَال: لبّي إِذا وَقَوْلهمْ: إِن لَام الْجَرّ تتَعَلَّق بِهِ قُلْنَا: لَا نسلّم فَإِنَّهَا زَائِدَة لَا تتَعَلَّق بِشَيْء. وَأما قَوْله تَعَالَى: حاش لله فَلَيْسَ لَهُم فِيهِ حجَّة فَإِن حاش فِيهِ لَيست للإستثناء وَإِنَّمَا هِيَ للتنزيه.
وَقَوْلهمْ: لحقه الْحَذف قُلْنَا: جَوَابه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن الأَصْل حاش لله وَالْألف فِي حاشا حدثت زيادتها وَالثَّانِي أَن الْحَرْف يدْخلهُ الْحَذف كثيرا كربّ وَإِن يلحقهما التَّخْفِيف وكقولك: سَوْ أفعل فِي سَوف أفعل وَيُقَال: فِيهِ سف أفعل أَيْضا اه كَلَامه مُخْتَصرا.
وَبِهَذَا وبكلام الشَّارِح الْمُحَقق يرد على ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَوْله أَن أحد أوجه حاشا أَن تكون فعلا مُتَعَدِّيا متصرفاً تَقول: حَاشِيَته بِمَعْنى استثنيته وَدَلِيل تصرّفه قَوْله:)
وَلَا أحاشي من الأقوام من أحد وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للنابغة الذبياني مدح بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة وَقد تقدم شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد التَّاسِع والثمانين بعد الْمِائَة.
وَقَبله:
فَتلك تبلغني النُّعْمَان إِن لَهُفضلا على النَّاس فِي الْأَدْنَى وَفِي الْبعد
وَلَا أرى فَاعِلا فِي النَّاس يُشبههُوَلَا أحاشي من الأقوام من أحد
إِلَّا سُلَيْمَان إِذْ قَالَ الْإِلَه لَهُقُم فِي الْبَريَّة فاحددها عَن الفند
وَقَوله: فَتلك تبلغني الْإِشَارَة إِلَى النَّاقة الَّتِي وصفهَا فِي أَبْيَات شرحت هُنَاكَ. وَقَوله: وَلَا أحاشي أَي: لَا أستثني أحدا مِمَّن يفعل الْخَيْر فَأَقُول حاشا فلَان. وَمن زَائِدَة وَأحد مفعول...
وَقَوله: إِلَّا سُلَيْمَان هَذَا اسْتثِْنَاء من قَوْله: من أحد أَو بدل من مَوضِع أحد وَالْمرَاد بِهِ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ وَإِذ تعليلية. وَقَوله: إِذْ قَالَ الْإِلَه لَهُ الخ يُرِيد لكَونه نَبيا إِذْ الْخطاب إِنَّمَا يكون مَعَ الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا خص بِالذكر من الْأَنْبِيَاء سُلَيْمَان لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ الْملك مَعَ النُّبُوَّة. يُرِيد: لَا يُشبههُ أحد مِمَّن أُوتِيَ الْملك إِلَّا سُلَيْمَان النَّبِي.
وَقَوله: فاحددها أَي: امْنَعْ الْبَريَّة والحدّ: الْمَنْع وَرجل مَحْدُود: مَمْنُوع والحداد: السجان لِأَنَّهُ يمْنَع. والفند بِفَتْح الْفَاء وَالنُّون: خطأ الرَّأْي والصنيع وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الفند: الظُّلم.
وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع