تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْن

فيه ٢١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر هَذَا عجز وصدره: أَقُول لمّا جَاءَنِي فخره على أَن ترك تَنْوِين سُبْحَانَ لَيْسَ لِأَنَّهُ غير منصرف للعلمية وَزِيَادَة الْألف وَالنُّون بل لأجل بَقَائِهِ على صُورَة الْمُضَاف لما غلب اسْتِعْمَاله مُضَافا وَالْأَصْل سُبْحَانَ الله فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ للضَّرُورَة.

وَهَذَا ردّ على سِيبَوَيْهٍ وَمن تبعه فِي زَعمه أَن سُبْحَانَ علم غبر منصرف. وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب الْعلم.

قَالَ الرَّاغِب: قَوْله: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر تَقْدِيره: سُبْحَانَ عَلْقَمَة على التهكم فَزَاد فِيهِ من ردّاً إِلَى أَصله وَقيل: أَرَادَ سُبْحَانَ الله من أجل عَلْقَمَة فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ اه.

أَقُول: وَالْوَجْه الأول ضَعِيف لُغَة وصناعة: أما الأول فَلِأَن الْعَرَب لَا يستعملونه إِلَّا مُضَافا إِلَى الله وَلم يسمع إِضَافَته إِلَى غَيره وَأما صناعَة فَلِأَن من لَا تزاد فِي الْوَاجِب عِنْد الْبَصرِيين وَسُبْحَان فِي الْبَيْت للتعجب وَمن دَاخِلَة على المتعجب مِنْهُ وَالْأَصْل فِيهِ أَن يسبح الله تَعَالَى)

عِنْد رُؤْيَة العجيب من صنائعه ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل فِي كل متعجب مِنْهُ.

قَالَ بَعضهم: يسْتَلْزم التَّنْزِيه التَّعَجُّب من بعد مَا نزّه عَنهُ من المنزه فَكَأَنَّهُ قيل ماأبعده مِنْهُ فقد يقْصد بِهِ التَّنْزِيه أصلا والتعجب تبعا كَمَا فِي سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ وَقد يقْصد بِهِ التَّعَجُّب وَيجْعَل تنزيهه تَعَالَى ذَرِيعَة لَهُ فيسبح الله عِنْد رُؤْيَة العجيب من صنائعه. ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل عِنْد كل تعجب من شَيْء كَمَا فِي: سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم اه. وَالْمعْنَى أعجب من عَلْقَمَة إِذْ فاخر عَامر بن الطُّفَيْل.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأعشى مَيْمُون قبحه الله تَعَالَى هجا بهَا عَلْقَمَة بن علاثة الصَّحَابِيّ ﵁ ومدح ابْن عَمه عَامِرًا الْمَذْكُور لَعنه الله تَعَالَى وغلّبه عَلَيْهِ فِي الْفَخر.

وَسبب هَذِه القصيدة أَن عَلْقَمَة بن علاثة الصَّحَابِيّ نافر ابْن عَمه عَامر بن الطُّفَيْل عَدو الله والمنافرة: المحاكمة فِي الْحسب والشرف فهاب حكام الْعَرَب أَن يحكموا بَينهمَا بِشَيْء كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين ثمَّ أَن الْأَعْشَى مدح الْأسود الْعَنسِي فَأعْطَاهُ خَمْسمِائَة مِثْقَال ذَهَبا وَخَمْسمِائة حللاً وعنبراً فَخرج فَلَمَّا مرّ بِبِلَاد بني عَامر وهم قوم عَلْقَمَة وعامر خافهم على مَا مَعَه فَأتى عَلْقَمَة بن علاثة فَقَالَ لَهُ: أجرني قَالَ: قد أجرتك من الْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ الْأَعْشَى: وَمن الْمَوْت قَالَ: لَا.

فَأتى عَامر بن الطُّفَيْل فَقَالَ لَهُ: أجرني قَالَ: قد أجرتك من الْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ الْأَعْشَى: وَمن الْمَوْت قَالَ عَامر: وَمن الْمَوْت أَيْضا قَالَ: وَكَيف تجيرني من الْمَوْت قَالَ: إِن مت فِي جواري بعثت إِلَى أهلك الدِّيَة قَالَ: الْآن علمت أَنَّك قد أجرتني فحرّضه عَامر على تنفيره على عَلْقَمَة فغلّبه عَلَيْهِ بقصائد فَلَمَّا سمع نذر لَيَقْتُلَنهُ إِن ظفر بِهِ فَقَالَ الْأَعْشَى هَذِه القصيدة.

ومطلعها:

شاقك من قتلة أطلالهابالشط فالجزع إِلَى حاجر
لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرهاعَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»
حَتَّى يَقُول النَّاس مِمَّا رَأَوْايَا عجبا للْمَيت الناشر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»
دعها فقد أعذرت فِي ذكرهَاوَاذْكُر خنى عَلْقَمَة الخائر
يحلف بِاللَّه: لَئِن جَاءَهُعنّي نباً من سامع خابر
ليجعلني ضحكة بعْدهَاخدعت يَا علقم من ناذر

)

إِلَى أَن قَالَ:...

إِن الَّذِي فِيهِ تماريتمابيّن للسامع والناظر
مَا جعل الجدّ الظنون الَّذِيجنّب صوب اللجب الماطر
مثل الفراتي إِذا مَا جرىيقذف بالبوصيّ والماهر
أَقُول لمّا جَاءَنِي فخرهسُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر
علقم لَا تسفه وَلَا تجعلنعرضك للوارد والصادر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»
وَأول الحكم على وَجههلَيْسَ قضائي بالهوى الجائر
حكّمتموه فَقضى بَيْنكُمأَبْلَج مثل الْقَمَر الباهر
لَا يَأْخُذ الرِّشْوَة فِي حكمهوَلَا يُبَالِي غبن الخاسر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»
سدت بني الْأَحْوَص لَا تعدهموعامر سَاد بني عَامر
قد قلت شعري فَمضى فيكمافاعترف المنفور للنافر

وَهِي قصيدة طَوِيلَة: وَمِنْهَا:

وَسَيَأْتِي شَرحه مَعَ أَبْيَات فِي بَاب أفعل التَّفْضِيل.

وَقد نهى النَّبِي ﷺ َ عَن رِوَايَة هَذِه القصيدة وَلِهَذَا لم أذكرها كلهَا.

قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي. وعلقمة بن علاثة صحابيّ قدم على رَسُول الله ﷺ َ وَهُوَ شيخ فَأسلم وَبَايع وروى حَدِيثا وَاحِدًا. أخرج ابْن مَنْدَه وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح قَالَ: حَدثنِي عَلْقَمَة بن علاثة قَالَ: أكلت مَعَ رَسُول الله ﷺ َ رؤوساً. وَاسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب على حوران فَمَاتَ بهَا.

وَأخرج أَبُو نعيم والخطيب وَابْن عَسَاكِر عَن مُحَمَّد بن مسلمة قَالَ: كنت عِنْد النَّبِي ﷺ َ وَعِنْده حسان فَقَالَ: يَا حسان أنشدنا من شعر الْجَاهِلِيَّة مَا عَفا الله لنا فِيهِ فأنشده حسان قصيدة الْأَعْشَى فِي عَلْقَمَة بن علاثة:

علقم مَا أَنْت إِلَى عَامرالناقض الأوتار والواتر

فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: يَا حسان لَا تنشدني مثل هَذَا بعد الْيَوْم فَقَالَ حسان: يَا رَسُول الله مَا يَمْنعنِي من رجل مُشْرك هُوَ عِنْد قَيْصر أَن أذكر هجاء لَهُ فَقَالَ: يَا حسان إِنِّي ذكرت عِنْد قَيْصر وَعِنْده أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وعلقمة بن علاثة فَأَما أَبُو سُفْيَان فَلم يتْرك فيّ)

وَأما عَلْقَمَة فَحسن القَوْل وَإنَّهُ لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس. فَقَالَ حسان: يَا رَسُول الله وَقَالَ وَكِيع فِي الْغرَر عَن الزُّهْرِيّ: قَالَ: رخّص رَسُول الله ﷺ َ فِي الْأَشْعَار كلهَا إِلَّا هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ: الَّتِي قَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت فِي أهل

بدر:

مَاذَا ببدر فالعقنقلمن مرازبة جحاجح

وَالَّتِي قَالَ الْأَعْشَى فِي عَلْقَمَة بن علاثة:

شاقك من قتلة أطلالها.

انْتهى مَا رَوَاهُ السُّيُوطِيّ.

قَالَ شَارِح ديوَان الْأَعْشَى مُحَمَّد بن حبيب وَكَذَلِكَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: إِن عَلْقَمَة بن علاثة لما نذر بِدَم الْأَعْشَى جعل لَهُ على كل طَرِيق رصداً فاتفق أَن الْأَعْشَى خرج يُرِيد وَجها وَمَعَهُ دَلِيل فَأَخْطَأَ بِهِ الطَّرِيق فَأَلْقَاهُ على ديار بني عَامر بن صعصعة فَأَخذه رَهْط عَلْقَمَة بن علاثة فَأتوهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَة: الْحَمد لله الَّذِي أمكنني مِنْك فَقَالَ الْأَعْشَى:

أعلقم قد صيّرتني الْأُمُورإِلَيْك وَمَا أَنْت لي منقص
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أعلقم قد صيرتني الأمور»
فَهَب لي ذُنُوبِي فدتك النُّفُوسوَلَا زلت تنمو وَلَا تنقص
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أعلقم قد صيرتني الأمور»

فَقَالَ قوم عَلْقَمَة: يَا عَلْقَمَة: اقتله وَأَرِحْنَا مِنْهُ وَالْعرب من شرّ لِسَانه فَقَالَ عَلْقَمَة: إذاّ تَطْلُبُوا بدمه وَلَا يغسل عني مَا قَالَه وَلَا يعرف فضلي عِنْد الْقُدْرَة فَأمر بِهِ فحلّ وثَاقه وَألقى عَلَيْهِ حلَّة وَحمله على نَاقَة وَأحسن عطاءه وَقَالَ: انج حَيْثُ شِئْت وَأخرج مَعَه من بني كلاب من يبلغهُ مأمنه فَقَالَ الْأَعْشَى بعد ذَلِك:

علقم يَا خير بني عَامرللضيف والصاحب والزائر

(والضاحك السن على همّة... والغافر العثرة للعاثر )

وترجمة عَلْقَمَة بن علاثة تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين وترجمة عَامر بن الطُّفَيْل فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة.

وقتلة: اسْم امْرَأَة. والشط: جَانب النَّهر وَمَوْضِع. والخنى: الْفُحْش. والخاتر: الغادر. وَقَوله: مَا جعل الجدّ الخ مَا نَافِيَة. والجدّ بِضَم الْجِيم: الْبِئْر الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يدرى أفيها مَاء أم لَا.

والصوب: الْمَطَر. واللجب بِفَتْح اللَّام وَكسر الْجِيم: السَّحَاب والفراتي يَعْنِي الْفُرَات الْمَعْرُوف أَو المَاء الْمَعْرُوف. والبوصيّ بِضَم الْمُوَحدَة: ضرب من السفن. والماهر السابح. يُرِيد أَن الْبِئْر الَّتِي)

بهَا مَاء لَيست كالبحر الَّذِي تجْرِي فِيهِ السفن وَغَيرهَا. وَجُمْلَة سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر مقول القَوْل. والفاخر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. والمنفور: الْمَفْضُول. والنافر: الْفَاضِل.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»