من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار النابغة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
النابغة اسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جناب بن يربوع بن غيظ بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. ويكنى أبا أمامة. وذكر أهل الرّواية أنه إنما لقّب النّابغة لقوله: فقد نبغت لهم منّا شؤون
وهو أحد الأشراف الذين غضّ الشعر منهم. وهو من الطبقة الأولى المقدّمين على سائر الشعراء.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو نعيم قال حدّثنا شريك عن مجاهد عن الشّعبيّ عن ربعيّ بن حراش قال: قال عمر: يا معشر غطفان، من الّذي يقول:
أتيتك عاريا خلقا ثيابيعلى خوف تظنّ بي الظّنون
قلنا: النابغة. ذاك أشعر شعرائكم.
أخبرني أحمد وحبيب قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عبيد بن جنّاد قال حدّثنا معن بن عبد الرحمن عن عيسى بن عبد الرحمن السّلميّ عن جدّه عن الشّعبيّ قال: قال عمر: من أشعر الناس؟ قالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين. قال: من الّذي يقول:
إلّا سليمان إذ قال الإله لهقم في البريّة فاحددها عن الفند
وخبّر الجنّ أنّي قد أذنت لهميبنون تدمر بالصّفّاح والعمد
قالوا: النابغة. قال: فمن الذي يقول:
أتيتك عاريا خلقا ثيابيعلى خوف تظنّ بي الظنون
قالوا: النابغة. قال: فمن الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء اللّه للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانةلمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث أيّ الرجال المهذّب
قالوا: النابغة. قال: فهو أشعر العرب.
أخبرنا أحمد قال حدّثنا عمر بن شبّه قال حدّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدّثنا عمر بن أبي زائدة عن الشّعبيّ قال: ذكر الشّعر عند عمر؛ ثم ذكر مثله.
أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر قال حدّثني عليّ بن محمد عن المدائنيّ عن عبد اللّه بن الحسن عن عمر بن الحباب عن أبي المؤمّل قال: قام رجل إلى ابن عبّاس فقال: أيّ الناس أشعر؟ فقال ابن عباس: أخبره يا أبا الأسود الدّؤليّ: قال الذي يقول:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركيوإنّ خلت أنّ المنتأى عنك واسع
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد قرأت على أبي جرير بن شريك بن جرير بن عبد اللّه البجليّ قال: كنّا عند الجنيد بن عبد الرحمن بخراسان وعنده بنو مرة وجلساؤه من الناس، فتذاكروا شعر النابغة حتى أنشدوا قوله:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركيوإن خلت أنّ المنتأي عنك واسع
فقال شيخ من بني مرّة: ما الّذي رأى في النّعمان حيث يقول له هذا! وهل كان النّعمان إلا على منظرة من مناظر الحيرة! وقالت ذلك القيسيّة فأكثروا. فنظر إليّ الجنيد وقال: يا أبا خالد! لا يهولنّك قول هؤلاء الأعاريض! فأقسم باللّه أن لو عاينوا من النّعمان ما عاين صاحبهم لقالوا أكثر مما قال، ولكنهم قالوا ما تسمع وهم آمنون.
أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو بكر العليميّ قال حدّثني عبد الملك بن قريب قال: كان يضرب للنابغة قبّة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. قال: وأوّل من أنشده الأعشى ثم حسّان بن ثابت ثم أنشدته الشعراء، ثم أنشدته الخنساء بنت عمرو بن الشّريد:
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة بهكأنّه علم في رأسه نار
فقال: واللّه لو لا أنّ أبا بصير أنشدني آنفا لقلت إنك أشعر الجنّ والإنس. فقام حسّان فقال: واللّه لأنا أشعر منك ومن أبيك!. فقال له النابغة: يابن أخي، أنت لا تحسن أن تقول:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركيوإن خلت أنّ المنتأي عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينةتمدّ بها أيد إليك نوازع
قال: فخنس حسّان لقوله.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا الأصمعيّ قال حدّثنا أبو عمرو بن العلاء قال قال فلان لرجل سمّاه فأنسيته: بينا نحن نسير بين أنقاء من الأرض تذاكرنا الشعر، فإذا راكب أطيلس يقول أشعر الناس زياد بن معاوية؛ ثم تملّس فلم نره.
أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر قال حدثنا الأصمعيّ قال سمعت أبا عمرو يقول: ما كان ينبغي للنابغة إلّا أن يكون زهير أجيرا له.
أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر قال عمرو بن المنتشر المراديّ: وفدنا على عبد الملك بن مروان فدخلنا عليه، فقام رجل فاعتذر من أمر وحلف عليه. فقال له عبد الملك: ما كنت حريّا أن تفعل ولا تعتذر. ثم أقبل على أهل الشأم فقال: أيّكم يروي من اعتذار النابغة إلى النّعمان:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء اللّه للمرء مذهب
فلم يجد فيهم من يرويه؛ فأقبل عليّ فقال: أترويه؟ قلت نعم! فأنشدته القصيدة كلّها؛ فقال: هذا أشعر العرب.
أخبرنا حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال: قال معاوية بن بكر الباهليّ قلت لحمّاد الراوية: بم تقدّم النابغة؟ قال: باكتفائك بالبيت الواحد من شعره، لا بل بنصف بيت، لا بل بربع بيت، مثل قوله:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء اللّه للمرء مذهب
كلّ نصف يغنيك عن صاحبه، وقوله: «أيّ الرجال المهذّب» ربع بيت يغنيك عن غيره.
وهذه القصيدة العينيّة يقولها في النّعمان بن المنذر يعتذر إليه بها وبعدّة قصائد قالها فيه تذكر في مواضعها.
ولقد اختلفت الرّواة في السبب الذي دعاه إلى ذلك.
فأخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة عن أبي عبيدة وغيره من علمائمهم: انّ النابغة كان كبيرا عند النّعمان خاصّا به وكان من ندمائه وأهل أنسه؛ فرأى زوجته المتجرّدة يوما وغشيها تشبيها بالفجاءة، فسقط نصيفها واستترت بيدها وذراعها، فكادت ذراعها تستر وجهها لعبالتها وغلظها؛ فقال قصيدته التي أوّلها:
أمن آل ميّة رائح أو مغتديعجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعم البوارح أنّ رحلتنا غداوبذاك تنعاب الغراب الأسود
لا مرحبا بغد ولا غير أنّ ركابنالمّا تزل برحالنا وكأن قد
في إثر غانية رمتك بسهمهافأصاب قلبك غير أن لم تقصد بالدّرّ
والياقوت زيّن نحرهاومفضّل من لؤلؤ وزبرجد
عروضه من الكامل. وغنّاه أبو كامل من رواية حبش ثقيلا أول بالبنصر. وغنّاه الغريض من روايته ثاني ثقيل بالوسطى. وغنّاه ابن سريج من رواية إسحاق ثقيلا أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى.
قوله: أمن آل ميّة: يخاطب نفسه كالمستثبت. وعجلان: من العجلة، نصبه على الحال. والزاد في هذا الموضع: ما كان من تسليم وردّ نحيّة. والبوارح: ما جاء من ميامنك إلى مياسرك فولّاك مياسره. والسانح ما جاء من مياسرك فولّاك ميامنه؛ حكى ذلك أبو عبيدة عن رؤبة وقد سأله يونس عنه. وأهل نجد يتشاءمون بالبوارح، وغيرهم من العرب تتشاءم بالسانح وتتيمّن بالبارح؛ ومنهم من لا يرى ذلك شيئا؛ قال بعضهم:
ولقد غدوت وكنت لاأغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيامن والأيامن كالأشائم
وتنعاب الغراب: صياحه؛ يقال: نعب الغراب ينعب نعيبا ونعبانا، والتنعاب تفعال من هذا. وكان النابغة قال في هذا البيت: «وبذاك خبّرنا الغراب الأسود» ثم ورد يثرب فسمعه يغنّى فيه، فبان له الإقواء، فغيّره في مواضع من شعره.
وأخبرنا الحسين بن يحيى قال قال حماد بن إسحاق قرأت على أبي: قال أبو عبيدة: كان فحلان من الشعراء يقويان: النابغة وبشر بن أبي خازم. فأمّا النابغة فدخل يثرب فهابوه أن يقولوا له لحنت وأكفأت، فدعوا قينة وأمروها أن تغنّي في شعره ففعلت. فلمّا سمع الغناء و «غير مزوّد» و «الغراب الأسود» وبان له ذلك في اللحن فطن لموضع الخطأ فلم يعد. وأمّا بشر بن أبي خازم فقال له أخوه سوادة: إنّك تقوي. قال) وما ذاك؟ قال: قولك:
وينسي مثل ما نسيت جذام
ثم قلت بعده «إلى البلد الشآم». ففطن فلم يعد.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثنا خلّاد الأرقط وغيره من علمائنا قالوا: كان النابغة يقول: إنّ في شعري لعاهة ما أقف عليها. فلمّا قدم المدينة غنّي في شعره؛ فلمّا سمع قوله: «واتّقتنا باليد» و «يكاد من اللّطافة يعقد» تبيّن له لمّا مدّت «باليد» فصارت الكسرة ياء ومدّت «يعقد» فصارت الضمّة كالواو؛ ففطن فغيّره وجعله:
غنم على أغصانه لم يعقد
وكان يقول: وردت يثرب وفي شعري بعض العاهة، فصدرت عنها وأنا أشعر الناس. وقوله لا مرحبا: لا سعة؛ ونصبه ها هنا شبيه بالمصدر؛ كأنه قال لا رحب رحبا ولا أهل أهلا. وأزف: قرب.
قال: وقال في قصيدته هذه يذكر ما نظر إليه من المتجرّدة وسترها وجهها بذراعها:
صوت
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطهفتناولته واتّقتنا باليد
بمخضّب رخص كأنّ بنانهعنم على أغصانه لم يعقد
ويفاحم رجل أثيث نبتهكالكرم مال على الدّعام المسند
نظرت إليك بحاجة لم تقضهانظر السّقيم إلى وجوه العوّد
غنّاه ابن سريج، ولحنه من خفيف الثّقيل الأوّل بالوسطى عن عمرو. والنّصيف: الخمار، والجمع أنصفة ونصف.
والعنم، فيما ذكر أبو عبيدة، يساريع حمر تكون في البقل في الربيع. وقال الأصمعيّ: الغنم: شجر يحمرّ وينعم نبته. والفاحم: الشديد السواد. والرّجل: الذي ليس بجعد. والأثيث: المتكاثف؛ قال امرؤ القيس:
أثيث كقنو النخلة المتعثكل
ويقال: شعر رجل ورجل. ويروى:
ورنت إليّ بمقلتي مكحولة
والمكحولة: البقرة. وقوله: لم تقضها: يعني المرأة أي لم تقدر على الكلام من مخافة أهلها، فهي كالسّقيم الذي ينظر إلى من يعوده.
غنّاه ابن سريج خفيف ثقيل أوّل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.
وأخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمريّ قال: قال الهيثم بن عديّ قال لي صالح بن حسّان: كان واللّه النابغة مخنّثا. قلت: وما علمك به؟ أرأيته قط؟ قال: لا واللّه!. قلت: أفأخبرت عنه؟ قال لا.
قلت: فما علمك به؟ قال: أما سمعت قوله:
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطهفتناولته وأتّقتنا باليد
لا واللّه ما أحسن هذه الإشارة ولا هذا القول إلا مخنّث.
قال: فأنشدها النابغة مرّة بن سعد القريعيّ، فأنشدها مرّة النّعمان، فامتلأ غضبا فأوعد النابغة وتهدده؛ فهرب منه فأتى قومه، ثم شخص إلى ملوك غسّان بالشأم فامتدحهم. وقيل: إنّ عصام بن شهبر الجرميّ حاجب النّعمان أنذره وعرّفه ما يريده النّعمان، وكان صديقه، فهرب. وعصام الذي يقول فيه الراجز:
نفس عصام سوّدت عصاماوعلّمته الكرّ والإقداما
وجعلته ملكا هماما
وقال من رويت عنه خبر النابغة: إنّ السبب في هربه من النّعمان أنّ عبد القيس بن خفاف التّميميّ ومرّة بن سعد بن قريع السّعديّ عملا هجاء في النّعمان على لسانه، وأنشدا النّعمان منه أبياتا يقال فيها:
ملك يلاعب أمّه وقطينهرخو المفاصل أيره كالمرود
ومنه:
قبّح اللّه ثم ثنّى بلعنوارث الصائغ الجبان الجهولا
من يضرّ الأدنى ويعجز عن ضرّ الأقاصي ومن يخون الخليلا
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزوثم لا يرزأ العدوّ فتيلا
يعني بوارث الصائغ النّعمان؛ وكان جدّه لأمّه صائغا بفدك يقال له عطيّة. وأمّ النّعمان سلمى بنت عطيّة.
فأخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثني عمي عبيد اللّه عن ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل: أنّ مرّة بن سعد القريعيّ الذي وشى بالنابغة كان له سيف قاطع يقال له ذو الرّيقة من كثرة فرنده وجوهره، فذكر النابغة للنعمان، فأخذه. فاضطغن ذلك حتى وشى به إلى النّعمان وحرّضه عليه.
وأخبرنا الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن محمد بن سلّام عن يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء، وأخبرنا إبراهيم بن أيّوب عن ابن قتيبة، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبّة، قالوا جميعا: إنّ الذي من أجله هرب النابغة من النّعمان أنه كان والمنخّل بن عبيد بن عامر اليشكريّ جالسين عنده، وكان النّعمان دميما أبرش قبيح المنظر، وكان المنخّل بن عبيد من أجمل العرب، وكان يرمى بالمتجرّدة زوجة النّعمان، ويتحدّث العرب أنّ ابني النّعمان منها كانا من المنخّل. فقال النّعمان للنابغة: يا أبا أمامة، صف المتجرّدة في شعرك؛ فقال قصيدته التي وصفها فيها ووصف بطنها وروادفها وفرجها. فلحقت المنخّل من ذلك غيرة، فقال للنّعمان: ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلّا من جرّبه. فوقر ذلك في نفس النّعمان. وبلغ النّابغة فخافه فهرب فصار في غسّان.
قالوا: وكان المنخّل يهوى هندا بنت عمرو بن هند، وفيها يقول:
صوت
ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء ترفل في الدّمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعتمشي القطاة إلى الغدير
ولثمتها فتنفّستكتنفّس الظّبي البهير
- غنّاه إبراهيم الموصليّ من رواية عمرو بن بانة ثاني ثقيل بالوسطى على مذهب إسحاق.
وبدت وقالت يا منخّل ما بجسمك من فتور؟
ما مسّ جسمي غير حبّك فاهدئي عنّي وسيري
ولقد شربت من المدامة بالكبير وبالصغير
فإذا سكرت فإنّنيربّ الخورنق والسّدير
وإذا صحوت فإنّنيربّ الشّويهة والبعير
يا هند هل من نائليا هند للعاني الأسير
وأحبّها وتحبّنيوتحبّ ناقتها بعيري
- وقال حمّاد بن إسحاق عن أبيه في كتاب أغاني ابن مسحج: في هذا الصوت لمالك ومعبد وابن سريج وابن
محرز والغريض وابن مسحج لكلهم فيه ألحان - قال: فبلغ عمرا خبر المنخّل فأخذه فقتله. وقال المنخل قبل أن يقتله وهو محبوس في يده يحضّ قومه على طلب الثأر به:
ظلّ وسط العراق قتلي بلا جرم وقومي ينتّجون السّخالا
رجع الخبر إلى سياقه. قالوا جميعا: فلمّا صار النّابغة إلى غسّان نزل بعمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر - وأمّ الحارث الأعرج مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع الكنديّة وهي ذات القرطين اللّذين يضرب بهما المثل فيقال لما يغلى به الثمن «خذه ولو بقرطي مارية». وأختها هند الهنود امرأة حجر آكل المرار. وإيّاها عنى حسّان بقوله في جبلة بن الأيهم:
أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الجواد المفضل
ولذلك خبر يأتي في موضعه - فمدحه النابغة ومدح أخاه النّعمان. ولم يزل مقيما مع عمرو حتى مات، وملك أخوه النّعمان؛ فصار معه إلى أن استطلعه النّعمان فعاد إليه. فممّا مدح به عمرا قوله:
صوت
كليني لهمّ يا أميمة ناصبوليل أقاسيه بطيء الكواكب
وصدر أراح الليل عازب همّهتضاعف فيه الحزن من كلّ جانب
تقاعس حتى قلت ليس بمنقضوليس الذي يهدي النّجوم بآئب
عليّ لعمرو نعمة بعد نعمةلوالده ليست بذات عقارب
عروضه من الطويل. غنّي في البيتين الأوّلين ابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو. وغنّى فيه الأبجر من رواية حبش ثاني ثقيل بالوسطى. وغنّى مالك في البيت الرابع ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى من رواية هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات. وغنى في الأربعة الأبيات عبد اللّه ابن العبّاس الرّبيعيّ ماخوريّا عن حبش، وغنّى فيها طويس رملا بالوسطى بحكايتين عن حبش. هكذا روي قوله «يا أميمة» مفتوح الهاء. قال الخليل: من عادة العرب أن تنادي المؤنّث بالترخيم فتقول يا أميم ويا عزّ ويا سلم؛ فلمّا لم يرخّم لحاجته إلى الترخيم أجراها على لفظها مرخّمة وأتى بها بالفتح. وكليني أي دعيني. ووكلته إلى كذا أكله وكالة.
وناصب: متعب. وبطيء الكواكب أي قد طال حتى إن كواكبه لا تجري ولا تغور. أراح: ردّ. يقال أراح الرجل إبله أي ردّها. فيقول: ردّ هذا الليل إليّ ما عزب من همّي بالنهار؛ لأنه يتعلّل نهارا بمحادثة النّاس والتشاغل بغير الفكر، فإذا خلا بالليل راح إليه همّه. وتقاعس تأخّر؛ وأصل التقاعس الرجوع إلى خلف القهقري، فشبّه اللّيل في طوله بالمتقاعس. والذي يهدي النّجوم أوّلها، شبهها بهواديها. وقوله «ليست بذات عقارب» أي لا يكدّرها ولا يمنّها.
ومما يغنّى فيه هذه القصيدة:
حلفت يمينا غير ذي مثنويّةولا علم إلّا حسن ظنّي بصاحب
لئن كان للقبرين قبر بجلّقوقبر بصيداء الذي عن حارب
وللحارث الجفنيّ سيّد قومهليلتمسن بالجيش دار المحارب
- غنّاه إسحاق خفيف ثقيل أوّل بالبنصر على مذهبه من رواية عمرو بن بانة عنه ومن رواية حبش. وغنّاه ابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر. يقول: ليس لي علم بما يكون من صاحبي إلا أنّي أحسن الظنّ به. وقوله: «لئن كان للقبرين» يعني لئن كان عمرو ابنا للمدفونين في هذين القبرين، يعني قبر أبيه وجدّه وهما الحارث الأكبر والحارث الأعرج، ليلتمسنّ جيشه دار المحارب له؛ يحرّضه بذلك ويروي «أرض المحارب» -
ولا عبيب فيهم غير أنّ سيوفهمبهنّ فلول من قراع الكتائب
إذا استنزلوا عنهنّ للطعن أرقلواإلى الموت إرقال الجمال المصاعب
صوت
لهم شيمة لم يعطها اللّه غيرهممن النّاس والأحلام غير عوازب
على عارفات للطّعان عوابسبهنّ كلوم بين دام وجالب
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب
إذا استنزلوا عنهنّ للطعن أرقلواإلى الموت إرقال الجمال المصاعب
حبوت بها غسّان إذ كنت لاحقابقومي وإذ أعيت عليّ مذاهبي
وجدت في كتاب لهارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات في البيتين والثالث والرابع لحنا منسوبا إلى معبد من خفيف الرمل بالوسطى. وأحسبه من لحن يحيى المكّيّ. الشّيمة: الطبيعة، وجمعها شيم. غير عوازب أي لا تعزب أحلامهم فتنفذ عنهم. وعارفات للطعان أي صابرات عليه عوّدت أن يحارب عليها. وعوابس كوالح. وجالب أي عليه جلبة وهي قشرة تكون على الجرح؛ يقال جلب الجرح يجلب جلوبا وأجلب إجلابا. والإرقال: مشي يشبه الخبب سريع. والمصاعب واحدها مصعب وهو الفحل الذي لم يمسسه الحبل وإنما يقتنى للفحلة، ويقال له قرم ومقرم. وقوله «حبوت بها» يعني بالقصيدة. وروى أبو عبيدة «إذ كنت لاحقا بقوم» وقال: يعني إذ كنت لاحقا بغيركم أي بقوم آخرين، فكنتم أحقّ بالمدح منهم.
قالوا: فنظر إلى النّعمان بن الحارث أخى عمرو وهو يومئذ غلام فقال:
هذا غلام حسن وجههمقتبل الخير سريع التّمام
للحارث الأكبر والحارث الأصغر والأعرج خير الأنام
ثم لهند ولهند فقدأسرع في الخيرات منه إمام
خمسة آباء وهم ما همهم خير من يشرب صوب الغمام
غنّاه حنين خفيف رمل بالبنصر عن حبش.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا هارون بن عبد اللّه الزبيريّ قال حدّثنا شيخ يكنى أبا داود عن الشعبيّ قال: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده الأخطل وأنا لا أعرفه. فقلت حين دخلت: عامر بن شراحيل الشّعبيّ. فقال: على علم ما أذنّا لك. فقلت في نفسي: خذ واحدة على وافد أهل العراق. فسأل عبد الملك الأخطل: من أشعر النّاس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين. فقلت لعبد الملك: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتبسّم وقال: هذا الأخطل. فقلت في نفسي: خذها ثنتين على وافد أهل العراق، فقلت: أشعر منك الذي يقول:
هذا غلام حسن وجههمستقبل الخير سريع التّمام
للحارث الأكبر والحارث الأصغر والأعرج خير الأنام
خمسة آباء وهم ما همهم خير من يشرب ماء الغمام
- والشعر للنابغة - فقال الأخطل: إنّ أمير المؤمنين إنما سألني عن أشعر أهل زمانه، ولو سألني عن أشعر أهل الجاهليّة لكنت حريّا أن أقول كما قلت أو شبيها به. فقلت في نفسي: خذها ثلاثا على وافد أهل العراق. (يعني أنه أخطأ ثلاث مرات). ونسخت هذا الخبر من كتاب أحمد بن الحارث الخرّاز ولم أسمعه من أحد، ووجدته أتمّ مما رأيت في كل موضع، فأتيت به في هذا الموضع وإن لم يكن من خاصّ خبر النّابغة لأنه أليق به. قال أحمد بن الحارث الخرّاز حدّثني المدائنيّ عن عبد الملك بن مسلم قال:
كتب عبد الملك إلى الحجّاج: إنه ليس شيء من لذّة الدنيا إلّا وقد أصبت منه، ولم يكن عندي شيء ألذّه إلا مناقلة الإخوان للحديث. وقبلك عامر الشّعبيّ، فابعث به إليّ يحدّثني. فدعا الحجّاج الشغبيّ فجهّزه وبعث به إليه وقرّظه وأطراه في كتابه. فخرج الشعبيّ، حتى إذا كان بباب عبد الملك قال للحاجب: استأذن لي. قال: من أنت؟
قال: أنا عامر الشعبيّ. قال: حيّاك اللّه! ثم نهض فأجلسني على كرسيّه. فلم يلبث أن خرج إليّ فقال: ادخل يرحمك اللّه. فدخلت، فإذا عبد الملك جالس على كرسيّ وبين يديه رجل أبيض الرأس واللّحية على كرسيّ، فسلّمت فردّ عليّ السلام، ثم أومأ إليّ بقضيبه فقعدت عن يساره، ثم أقبل على الذي بين يديه فقال: ويحك! من أشعر النّاس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال الشعبيّ. فأظلم عليّ ما بيني وبين عبد الملك، فلم أصبر أن قلت: ومن هذا يا أمير المؤمنين الذي يزعم أنه أشعر النّاس؟! - قال: فعجب عبد الملك من عجلتي قبل أن يسألني عن حالي - قال: هذا الأخطل. فقلت: يا أخطل! أشعر واللّه منك الذي يقول:
هذا غلام حسن وجههمستقبل الخير سريع التّمام
للحارث الأكبر والحارث الأصغر والأعرج خير الأنام
ثم لهند ولهند فقدأسرع في الخيرات منه إمام
خمسة آباء وهم ما همهم خير من يشرب صوب الغمام
فردّدتها حتى حفظها عبد الملك. فقال الأخطل: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الشعبيّ. قال فقال: صدق واللّه يا أمير المؤمنين، النابغة واللّه أشعر منّي. فقال الشعبيّ: ثم أقبل عليّ فقال: كيف أنت يا شعبيّ؟ قلت: بخير يا أمير المؤمنين فلا زلت به. ثم ذهبت لأضع معاذيري لما كان من خلافي على الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث؛ فقال: مه! إنّا لا نحتاج إلى هذا المنطق ولا تراه منّا في قول ولا فعل حتى تفارقنا. ثم أقبل عليّ فقال: ما تقول في النّابغة؟ قال قلت: يا أمير المؤمنين، قد فضّله عمر بن الخطّاب في غير موطن على الشعراء أجمعين، وببابه وفد غطفان فقال: يا معشر غطفان، أيّ شعرائكم الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء اللّه للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانةلمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث أيّ الرجال المهذّب
قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين. قال: فأيّكم الذي يقول:
فإنك كاللّيل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأي عنك واسع
خطاطيف جحن في حبال متينةتمدّ بها أيد إليك نوازع
قالوا: النابغة. قال: فأيّكم الذي يقول:
إلى اين محرّق أعملت نفسيوراحلتي وقد هدت العيون
أتيتك عاريا خلقا ثيابيعلى خوف تظنّ بي الظّنون
فألفيت الأمانة لم تخنهاكذلك كان نوح لا يخون
قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين. قال: هذا أشعر شعرائكم. قال: ثم أقبل على الأخطل فقال: أتحبّ أنّ لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب أو تحبّ أنك قلته؟ قال: لا واللّه يا أمير المؤمنين، إلّا أنّي وددت أن كنت قلت أبياتا قالها رجل منّا، كان واللّه ما علمت مغدف القناع قليل السّماع قصير الذّراع. قال: وما قال؟ فأنشد قصيدته:
إنّ محيّوك فاسلم أيّها الطّللوإن بليت وإن طالت بك الطّيل
ليس الجديد به تبقى بشاشتهإلا قليلا ولا ذو خلّة يصل
والعيش لا عيش إلّا ما تقرّ بهعين ولا حال إلّا سوف تنتقل
إن ترجعي من أبي عثمان منجحةفقد يهون على المستنجح العمل
والناس من يلق خيرا قائلون لهما يشتهي ولأمّ المخطىء الهبل
قد يدرك المتأنّي بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزلل
حتى أتى على آخرها. قال الشعبيّ: فقلت: قد قال القطاميّ أفضل من هذا. قال: وما قال؟ قلت قال: طرقت
جنوب رحالنا من مطرقما كنت أحسبها قريب المعنق
قطعت إليك بمثل جيد جدايةحسن معلّق تومتيه مطوّق
ومصرّعين من الكلال كأنماشربوا الغبوق من الرّحيق المعرق
متوسّدين ذراع كلّ نجيبةومفرّج عرق المقذّ منوّق
وجثت على ركب تهدّ بها الصّفاوعلى كلاكل كالنّقيل المطرق
وإذا سمعن إلى هماهم رفقةومن النجوم غوابر لم تخفق
جعلت تميل خدودها آذانهاطربا بهنّ إلى حداء السّوق
كالمنصتات إلى الغناء سمعنهمن رائع لقلوبهن مشوّق
وإذا نظرن إلى الطريق رأينهلهقا كشاكلة الحصان الأبلق
وإذا تخلّف بعدهنّ لحاجةحاد يشسّع نعله لم يلحق
وإذا يصيبك والحوادث جمّةحدث حداك إلى أخيك الأوثق
لئن الهموم عن الفؤاد تفرّقتوخلا التّكلّم للسّان المطلق
قال: فقال عبد الملك: هذا واللّه أشعر، ثكلت القطاميّ أمّه!. قال: فالتفت إليّ الأخطل فقال: يا شعبيّ، إن لك فنونا في الأحاديث، وإنما لنا فنّ واحد؛ فإن رأيت ألّا تحملني على أكتاف قومك فأدعهم حرضا!. فقلت: لا أعرض لك في شيء من الشعر أبدا، فأقلني في هذه المرّة. قال: من يتكفّل بك؟ قلت: أمير المؤمنين. فقال عبد الملك: هو عليّ ألّا يعرض لك أبدا؛ ثم قال: يا شعبيّ، أيّ نساء الجاهليّة أشعر؟ قلت: خنساء. قال: ولم فضّلتها على غيرها؟ قلت: لقولها:
وقائلة والنّعش قد فات خطوهالتدركه يا لهف نفسي على صخر
ألا ثكلت أمّ الذين غدوا بهإلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر
فقال عبد الملك: أشعر منها واللّه التي تقول:مهفهف الكشح والسربال منخرق
عنه القميص لسير الليل محتقرلا يأمن الناس ممساه ومصبحه
في كلّ فجّ وإن لم يغز ينتظر
ثم قال: يا شعبيّ، لعلّك شقّ عليك ما سمعت. قلت: إي واللّه يا أمير المؤمنين أشدّ المشقّة. إني أحدّثك منذ شهرين لم أفدك إلّا أبيات النابغة في الغلام. قال: يا شعبيّ، إنما أعلمتك هذا لأنه بلغني أنّ أهل العراق يتطاولون على أهل الشام، يقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة فلم يغلبونا على العلم والرواية؛ وأهل الشأم أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق؛ ثم ردّ عليّ الأبيات أبيات ليلى حتى حفظتها، ولم أزل عنده؛ فكنت أوّل داخل وآخر خارج. قال: فمكثت كذلك سنين، وجعلني في ألفين من العطاء وعشرين رجلا من ولدي وأهل بيتي في ألفين ألفين؛ فبعثني إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر وكتب إليه: يا أخي، إني قد بعثت إليك الشعبيّ، فانظر هل رأيت مثله قطّ؟! ثم أذن فانصرفت.
أخبرني الحسين بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ، وأخبرني ببعضه أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عمر بن شبّة عن أبي بكر الهذليّ قال: قال حسّان بن ثابت: قدمت على النّعمان بن المنذر وقد امتدحته، فأتيت حاجبه عصام بن شهبر فجلست إليه، فقال: إنّي لأرى عربيا، أفمن الحجاز أنت؟ قلت نعم. قال: فكن قحطانيّا. فقلت: فأنا قحطانيّ. قال: فكن يثربيا.
قلت: فأنا يثربيّ. قال: فكن خزرجيا. قلت: فأنا خزرجيّ. قال: فكن حسّان بن ثابت. قلت: فأنا هو. قال: أجئت بمدحة الملك؟ قلت نعم. قال: فإني أرشدك: إذا دخلت إليه فإنه يسألك عن جبلة بن الأيهم ويسبّه، فإيّاك أن تساعده على ذلك، ولكن أمرّ ذكره إمرارا لا توافق فيه ولا تخالف، وقل: ما دخول مثلي أيّها الملك بينك وبين جبلة وهو منك وأنت منه!. وإن دعاك إلى الطعام فلا تؤاكله، فإن أقسم عليك فأصب منه اليسير إصابة بارّ قسمه متشرّف بمؤاكلته لا أكل جائع سغب، ولا تطل محادثته، ولا تبدأه بإخبار عن شيء حتى يكون هو السائل لك، ولا تطل الإقامة في مجلسه. فقلت: أحسن اللّه رفدك! قد أوصيت واعيا. ودخل ثم خرج إليّ فقال لي: ادخل. فدخلت فسلّمت وحيّيت تحيّة الملوك. فجاراني من أمر جبلة ما قاله عصام كأنه كان حاضرا، وأجبت بما أمرني، ثم استأذنته في الإنشاد فأذن لي فأنشدته. ثم دعا بالطعام، ففعلت ما أمرني عصام به، وبالشراب ففعلت مثل ذلك. فأمر لي بجائزة سنيّة وخرجت.
فقال لي عصام: بقيت عليّ واحدة لم أوصك بها، قد بلغني أنّ النابغة الذّبيانيّ قدم عليه، وإذا قدم فليس لأحد منه حظّ سواه، فاستأذن حينئذ وانصرف مكرّما خير من أن تنصرف مجفوا، فأقمت ببابه شهرا. ثم قدم عليه الفزاريّان وكان بينهما وبين النعمان دخلل (أي خاصّة) وكان معهما النابغة قد استجار بهما وسألهما مسألة النعمان أن يرضى عنه.
فضرب عليهما قبّة من أدم، ولم يشعر بأنّ النابغة معهما. ودّس النابغة قينة تغنيّه بشعره:
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند
فلمّا سمع الشعر قال: أقسم باللّه إنه لشعر النابغة! وسأل عنه فأخبر أنه مع الفزارييّن، فكلّماه فيه فأمنه.
وقال أبو زيد عمر بن شبّة في خبره: لمّا صار معهما إلى النعمان كان يرسل إليهما بطيب وألطاف مع قينة من إمائه، فكانا يأمرانها أن تبدأ بالنابغة قبلهما. فذكرت ذلك للنّعمان، فعلم أنّه النابغة. ثم ألقى عليها شعره هذا وسألها أن تغنّيه به إذا أخذت فيه الخمر، ففعلت فأطربته، فقال: هذا شعر علويّ، هذا شعر النابغة!. قال: ثم خرج في غبّ سماء، فعارضه الفزاريّان والنابغة بينهما قد خضب بحنّاء فقنأ خضابه. فلما رآه النّعمان قال: هي بدم كانت أحرى أن تخضب. فقال الفزاريّان: أبيت اللّعن! لا تثريب، قد أجرناه، والعفو أجمل. فأمّنه واستنشده أشعاره. فعند ذلك قال حسّان بن ثابت: فحسدته على ثلاث لا أدري على أيتّهن كنت له أشدّ حسدا: على إدناء النّعمان له بعد المباعدة ومسامرته له وإصغائه إليه، أم على جودة شعره، أم على مائة بعير من عصافيره أمر له بها.
قال أبو عبيدة: قيل لأبي عمرو: أفمن مخافته امتدحه وأتاه بعد هربه منه أم لغير ذلك؟ فقال: لا لعمر اللّه ما لمخافته فعل، إن كان لآمنا من أن يوجّه النعمان له جيشا، وما كانت عشيرته لتسلمه لأوّل وهلة، ولكنه رغب في عطاياه وعصافيره. وكان النابغة يأكل ويشرب في آنية الفضّة والذهب من عطايا النعمان وأبيه وجدّه، لا يستعمل غير ذلك. وقيل: إنّ السبب في رجوعه إلى النّعمان بعد هربه منه أنه بلغه عليل لا يرجى، فأقلقه ذلك ولم يملك الصبر على البعد عنه مع علّته وما خافه عليه وأشفق من حدوثه به، فصار إليه وألفاه محمولا على سريره ينقل ما بين الغمر وقصور الحيرة. فقال لعصام بن شهبر حاجبه - فيما أخبرنا به اليزيديّ عن عمّه عبيد اللّه وابن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل -:
صوت
ألم أقسم عليك لتخبرنّيأمحمول على النّعش الهمام
فإنّي لا ألومك في دخوليولكن ما وراءك يا عصام
فإن يهلك أبو قابوس يهلكربيع النّاس والشهر الحرام
ونمسك بعده بذناب عيشأجبّ الظهر ليس له سنام
غنّاه حنين ثقيلا أوّل بالبنصر عن حبش.
قال أبو عبيدة: كانت ملوك العرب إذا مرض أحدهم حملته الرجال على أكتافها يتعاقبونه، فيكون كذلك على أكتاب الرجال، لأنه عندهم أوطأ من الأرض.
وقوله:
فإني لا ألومك في دخولي
أي لا ألومك في ترك الإذن لي في الدخول، ولكن أخبرني بكنه أمره. وقوله:
ربيع الناس والشهر الحرام
يريد أنه كالربيع في الخصب لمجتديه، وكالشهر الحرام لجاره، لا يوصل إلى من أجاره كما لا يوصل في الشهر الحرام إلى أحد.
صوت
رأيتك ترعاني بعين بصيرةوتبعث حراسا عليّ وناظرا
فآليت لا آتيك إن كنت مجرماولا أبتغي جارا سواك مجاورا
وأهلي فداء لامرىء إن أتيتهتقبّل معروفي وسدّ المفاقرا
ألا أبلغ النّعمان حيث لقيتهوأهدي له اللّه الغيوث البواكرا
غنّاه خليد الواديّ رملا بالبنصر من رواية حبش.
ومما يغنّى فيه من قصائد النابغة التي يعتذر فيها إلى التعمان:
صوت
يا دار ميّة بالعلياء فالسّندأقوت وطال عليها سالف الأمد
وقفت فيها أصيلانا أسائلهاأعيّت جوابا وما بالرّبع من أحد
إلا الأواريّ لأيا ما أبيّنهاوالنّؤى كالحوّض بالمظلومة الجلد
ردّت عليه أقاصيه ولبّدهضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
خلّت سبيل اتيّ كان يحبسهورفّعته إلى السّجفين فالنّضد
أضحت خلاء وأضحى وأضحى أهلها احتملواأخنى عليها الذي أخنى على لبد
الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لجميلة ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو وحبش.
ألاعم صباحا أيّها الطّلل البالي
يريد أهل الطلل. وقال الفرّاء. إنما نادى الدار لا أهلها أسفا عليها وتشوّقا إلى أهلها وتمنّيه أن تكون أهلا.
والعلياء: المكان المرتفع بناؤه، يقال من ذلك علا يعلو وعلي يعلى، مثل حلا يحلو وحلي، وسلا يسلو وسلي يسلي. والسّند: سند الجبل وهو ارتفاعه حيث يسند فيه أي يصعد. أقوت: أقفرت وخلت من أهلها. وقال أبو عبيدة في قوله يا دارميّة ثم قال أقوت ولم يقل أقويت: إنّ من شأن العرب أن يخاطبوا الشيء ثم يتركوه ويكفّوا عنه.
وروي الأصمعيّ «أصيلانا» وهو تصغير أصلان. ويروي «عيّت جوابا» أي عييت بالجواب. والأواريّ: جمع آري. ولأيا: بطئا. والمظلومة: التي لم يكن فيها أثر فحفر أهلها فيها حوضا، وظلمهم إيّاها إحداثهم فيها ما لم يكن فيها. شبّه النّؤى بذلك الحوض لاستدارته. والجلد: الأرض الصّلبة الغليظة من غير حجارة. وإنما جعلها جلدا لأنّ الحفر فيها لا يسهل. وقوله «ردّت عليه أقاصيه» يعني أمة فعلت ذلك، أضمرها ولم يكن جرى لها ذكر. وأقاصيه: يعني أقاصي النّؤي على أدناه ليرتفع. ولبّده: طأمنه. والوليدة: الأمة الشابّة. والثأد: النّدى.
والسبيل: الطريق. والأتيّ: النهر المحفور، والأتيّ: السيل من حيث كان. يقول: لمّا أفسدت طريق الأتيّ سهلّت له طريقا حتى جرى. ورفعته أي قدّمت الحفر إلى موضع السجفين، وليس رفعته ها هنا من ارتفاع العلوّ.
والسّجفان: ستران رقيقان يكونان في مقدّم البيت. والنّضد: ما نضد من المتاع. وأخنى: أفسد. ولبد. آخر نسور لقمان التي اختار أن يعمّر مثل أعمارها، وله حديث ليس هذا موضعه.
صوت
أسرت عليه من الجوزاء ساريةتزجي الشمال عليه جامد البرد
فارتاع من صوت كلّاب فبات لهطوع الشّوامت من خوف ومن صرد
فبثّهن عليه واستمرّ بهصمع الكعوب بريّات من الحرد
وكان ضمران منه حيث يوزعهطعن المعارك عند المحجر النّجد
شكّ الفريصة بالمدرى فأنفذهاطعن المبيطر إذ يشفى من العضد
غنى فيه إبراهيم الموصليّ هزجا بالبنصر من رواية عمرو بن بانة. وفيه لحن لمالك. يعني أنّ سحابة مرّت عليه ليلا وأن أنواء الجوزاء أسرت عليه بها. وتزجي: تسوق وتدفع. عليه أي على الثور. والكلّاب: صاحب الكلاب. وقوله «بات له طوع الشوامت» أي بات له ما يسرّ السوامت اللّواتي شمتن به. وصمع الكعوب: يعني قوائمه أنها لازقة محدّدة الأطراف ليست برهلات. وأصل الصّمع رقّة الشيء ولطافته. والحرد: داء يعيبه، يقال بعير أحرد، وناقة حرداء. والمحجر: الملجأ. والنّجد: الشجاع. والفريصة: مرجع الكتف إلى الخاصرة والمدري: القرن.
والمبيطر: البيطار. والعضد: داء يأخذ في العضد.
وفي لحن إبراهيم الموصليّ بعد «فارتاع من صوت كلّاب»:
كأنّ رحلي وقد زال النّهار بنايوم الجليل على مستأنس وحد
من وحش وجرة موشيّ أكارعهطاوي المصير كسيف الصّيقل الفرد
قال الأصمعيّ: زال النهار بنا أي انتصف. و «بنا» ها هنا في موضع «علينا». ومن روى «مستوجس» فإنه يعني أنه قد أوجس شيئا خافه فهو يستوجس. والجليل: الثّمام، واحدته جليلة. ووجرة: طرف السّيّ وهي فلاة بين مرّان وذات عرق وهي ستون ميلا يجتمع فيها الوحش. وموشيّ أكارعه أي أنه أبيض في قوائمه نقط سود وفي وجهه سفعة. وطاوي المصير: ضامر. والمصير المعى، وجمعه المصران. والفرد: المنقطع القرين، يقال: فرد وفرد وفرد.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ قال: غنّى مخارق بين يدي الرشيد:
سرت عليه من الجوزاء سارية
فلمّا بلغ إلى قوله:
فارتاع من صوت كلّاب فبات له
قال: فارتاع (بضم العين)، فأردت أن أردّ عليه خطأه، ثم خفت أن يغضب الرشيد ويظنّ أنّي حسدته على منزلته منه وأردت إسقاطه. فالتفت إليه بعض من حضر - أظنّه قال محمد بن عمر الروميّ - فقال له: ويلك يا مخارق! أتغنّي بمثل هذا الخطأ القبيح لسوقة فضلا عن الملوك! ويلك! لو قلت: «فارتاع» كان أخفّ على اللسان وأسهل من قولك «فارتاع». فخجل مخارق، وكفيت ما أردته بغيري. قال: وكان مخارق لحّانا.
ومنها:
صوت
قالت ألا ليتما هذا الحمام لناإلى حمامتنا ونصفه فقد
يحفّه جانبا نيق وتتبعهمثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد
فحسبوه فألفوه كما حسبتتسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكمّلت مائة فيها حمامتهاوأسرعت حسبة في ذلك العدد
غنّاه ابن سريج خفيف ثقيل عن الهشاميّ. هذا خبر روي عن زرقاء اليمامة، ويروى عن بنت الخسّ.
حدثنى محمد بن العباس اليزيدي قال سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الأحول يقول: هذا أخذه النابغة من زرقاء اليمامة، قالت:
ليت الحمام ليهونصفه قديه
إلى حماميتهتمّ الحمام ميه
فسلخه النابغة. وقال الأصمعيّ: سمعت أناسا من أهل البادية يتحدّثون أنّ بنت الخسّ كانت قاعدة في جوار، فمرّ بها قطا وارد في مضيق من الجبل، فقالت:
يا ليت ذا القطاليهومثل نصف معيه
إلى قطاة أهليهإذا لنا قطا ميه
وأتبعت فعدّت على الماء فإذا هي ستّ وستّون. وقوله: «فقد» أي فحسب. ويحفّه أي يكون من ناحية هذا الثّمد، يقال: حفّ القوم بالرجل أي اكتنفوه. والنّيق: الجبل. ومثل الزجاجة: يريد عينا صافية كصفاء الزجاجة.
الحسبة: الهيئة التي تحسب، يقال: ما أحسن حسبته، مثل الجلسة واللّبسة والرّكبة.
ومنها:
صوت
نبّئت أنّ أبا قابوس أو عدنيولا قرار على زأر من الأسد
مهلا فداء لك الأقوام كلّهموما أثمّر من مال ومن ولد
إن كنت قلت الذي بلّغت معتمداإذا فلا رفعت سوطي إليّ يدي
هذا الثناء فإن تسمع به حسنافلم أعرّض أبيت اللّعن بالصّفد
غنّاه الهذليّ، ولحنه من الثقيل الأوّل عن الهشاميّ. أثمّر: أصلح وأجمع. والزّأر: صياح الأسد، يقال: زأر زئيرا وهو الزأر. والصّفد: العطيّة، يقال: أصفده يصفده إصفادا إذا أعطاه، وصفده يصفده صفدا إذا أوثقه.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني الصّلت بن مسعود قال حدّثنا أحمد بن شبّويه عن سليمان بن صالح عن عبد اللّه بن المبارك عن فليح بن سليمان عن رجل قد سمّاه عن حسّان بن ثابت، ونسخت من كتاب ابن أبي خيثمة عن أبيه عن مصعب الزبيريّ قال قال حسّان بن ثابت، وأخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني عمّي يوسف بن محمد عن عمه إسماعيل بن أبي محمد قال قال أبو عمرو الشيبانيّ قال حسان بن ثابت - وقد جمعت رواياتهم وذكرت اختلافهم فيها، وأكثر اللفظ للجوهريّ - قال: خرجت إلى النّعمان بن المنذر، فلقيت رجلا - وقال اليزيديّ في خبره: فلقيت صائغا من أهل فدك - فلما رآني قال: كن يثربيا، فقلت: الأمر كذلك. قال: كن خزرجيا، قلت: أنا خزرجيّ. قال: كن نجّاريا، قلت: أنا نجّاريّ. قال: كن حسّان بن ثابت، قلت: أنا هو. فقال: أين تريد؟ قلت: إلى هذا الملك. قال: تريد أن أسدّدك إلى أين تذهب ومن تريد؟ قلت نعم. قال: إن لي به علما وخبرا. قلت: فأعلمني ذلك. قال: فإنك إذا جئته متروك شهرا قبل أن يرسل إليك ثم عسى أن يسأل عنك رأس الشهر، ثم إنك متروك أخر بعد المسألة ثم عسى أن يؤذن لك. فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه خيرا، فأقم ما أقمت، فإن رأيت أبا أمامة فاظعن، فلا شيء لك عنده. قال: فقدمت ففعل بي ما قال الرجل ثم أذن لي وأصبت منه مالا كثيرا ونادمته وأكلت معه. فبينا أنا على ذلك وأنا معه في قبّة له إذا رجل يرتجز حولها:
أصمّ أم يسمع ربّ القبّهيا أوهب الناس لعنس صلبه
ضرّابة بالمشفر الأذبّهذات هباب في يديها جلبة
في لاحب كأنّه الأطبّه
- وفي رواية اليزيدي «في يديها خدبة» أي طول واضطراب. والأطبّة: جمع طباب وهو الشّراك يجمع فيه بين الأديمين في الخرز. وقال عمر بن شبّة في خبره: قال فليح بن سليمان: أخذت هذا الرجز عن ابن دأب - قال فقال: أليس بأبي أمامة؟ قالوا بلى. قال: فأذنوا له. ودخل فحيّاه وشرب معه. ثم وردت النّعم السّود، ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود يعرف مكانه ولا يفتحل أحد بعيرا أسود غير النعمان. فاستأذنه في أن ينشده كلمته على الباء، فأذن له أن ينشده قصيدته التي يقول فيها:
فإنّك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ووردت عليه مائة من الإبل السّود الكلبيّة فيها رعاؤها وبيتها وكلبها، فقال: شأنّك بها يا أبا أمامة، فهي لك بما فيها. قال حسّان. فما أصابني حسد في موضع ما أصابني يومئذ، وما أدري أيّما كنت أحسد له عليه: ألما أسمع من فضل شعره، أم ما أرى من جزيل عطائه، فجمعت جراميزي وركبت إلى بلادي. وقد روى الواقديّ عن محمد بن صالح الخبر فذكر أن حسّان قدم على جبلة بن أبي شمر، ولعله غلط. أخبرنا به محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثني عمّي يوسف قال حدّثني عمّي إسماعيل عن الواقديّ عن محمد بن صالح قال: كان حسّان بن ثابت يقدم على جبلة بن الأيهم سنة ويقيم سنة في أهله. فقال: لو وفدت على الحارث، فإن له قرابة ورحما بصاحبي، وهو أبذل الناس لمعروف، وقد يئس منّي أن أقدم عليه لما يعرف من انقطاعي إلى جبلة.
فخرجت في السنة التي كنت أقيم فيها بالمدينة حتى قدمت على الحارث وقد هيّأت مديحا. فقال لي حاجبه وكان لي ناصحا: إنّ الملك قد سرّ يقدومك عليه، وهو لا يدعك حتى تذكر جبلة. فإيّاك أن تقع فيه فإنه يختبرك، فإنّك إن وقعت فيه زهد فيك وإن ذكرت محاسنه ثقل عليه، فلا تبتدىء بذكره، فإن سألك عنه فلا تطنب في الثناء عليه ولا تعبه، امسح ذكره مسحا وجاوزه. وإنه سوف يدعوك إلى الطعام وهو يثقل عليه أن يؤكل طعامه أو يشرب شرابه، فلا تضع يدك في شيء حتى يدعوك إليه. فشكرت له ذلك. ثم دعاني فسألني عن البلاد والناس وعن عيشنا في الحجاز وكيف ما بيننا من الحرب، وكلّ ذلك أخبره، حتى انتهى إلى ذكر جبلة فقال: كيف تجد جبلة، فقد انقطعت إليه وتركتنا؟ فقلت له: إنما جبلة منك وأنت منه، فلم أجر معه في مدح ولا ذمّ، وفعلت في الطعام والشراب كما قال لي الحاجب. قال: ثم قال لي الحاجب: قد بلغني قدوم النابغة وهو صديقه وآنس به، وهو قبيح أن يجفوك بعد البرّ، فاستأذنه من الآن فهو أحسن. فاستأذنته فأذن لي وأمر لي بخمسمائة دينار وكسا وحملان، فقبضتها وانصرفت إلى أهلي.
صوت
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهمأحكّم في أموالهم وأقرّب
ولكنّني كنت امرأ لي جانبمن الأرض فيه مستراد ومطلب
الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل. الجانب هنا: المتّسع من الأرض. والمستراد: المختلف يذهب فيه ويجيء، ويقال: راد الرجل لأهله إذا خرج رائدا لهم في طلب الكلا ونحوه. ثم ذكر مستراده فقال: «ملوك وإخوان».
ومن القصيدة العينيّة:
صوت
عفا ذو حسا من قرتنا فالفوارعفجنبا أريك فالتّلاع الدوافع
فمجتمع الأشراج غيّر رسمهامصايف مرّت بعدنا ومرابع
توهّمت آيات لها فعرفتهالستّة أعوام وذا العام سابع
رماد ككحل العين ما إن أبينهونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
غنّاه معبد من رواية حبش رملا بالبنصر.
صوت
آذنتنا ببينها أسماءربّ ثاو يملّ منه الثّواء
بعد عهد لها ببرقة شمّاء فأدنى ديارها الخلصاء
عروضه من الخفيف. آذنتنا: أعلمتنا. والبين: الفرقة. والثاوي: المقيم، يقال ثوى ثواء. والبرقة: أرض ذات رمل وطين. وشمّاء والخلصاء: موضعان. الشعر للحارث بن حلّزة اليشكريّ. والغناء لمعبد، ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو، ومن الناس من ينسبه إلى حنين.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع