من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الحمدونى وطيلسان ابن حرب
[قال]: وإذ قد جرت بعض تضمينات الحمدونى في هذا الموضع فأنا أذكر هنا قطعة من شعره في الطيلسان، وأنعطف في غير هذا الموضع إيها وأكر عليها؛ وكان أحمد بن حرب المهّلبى من المنعمين عليه، والمحسنين إليه، وله فيه مدائح كثيرة، فوهب له طيلسانا أخضر لم يرضه، قال أبو العباس المبرّد: فأنشدنا فيه عشر مقطعات، فاستحلينا مذهبه فيها، فجعلها فوق الخمسين؛ فطارت كل مطار، وسارت كل مسار، فمنها:
يابن حرب كسوتنى طيلساناملّ من صحبة الزمان وصدّا
فحسبنا نسج العناكب قدحال إلى ضعف طيلسانك سدّا
طال ترداده إلى الرّفو حتىلو بعثناه وحده لتهدّى
وقال فيه أيضا:
يا طيلسان ابن حرب قد هممت بأنتودى بجسمى كما أودى بك الزّمن
ما فيك من ملبس يغنى ولا ثمنقد أوهنت حيلتى أركانك الوهن
فلو ترانى لدى الرّفّاء مرتبطاكأننى في يديه الدهر مرتهن
أقول حين رآنى الناس ألزمهكأنما لى في حانوته وطن
من كان يسأل عنّا أين منزلنافالأقحوانة منّا منزل قمن
وقال:
قل لابن حرب طيلسانك قوم نوح منه أحدث
أفنى القرون ولم يزلعمّن مضى من قبل يورث
وإذا العيون لحظنهفكأنه باللّحظ يحرث
يودى إذا لم أرفهفإذا رفوت فليس يلبث
كالكلب إن تحمل عليهالدّهر أو تتركه يلهث
وقال:
قل لابن حرب طيلسانك قدأوهى قواى بكثرة الغرم
متبين فيه لمبصرهآثار رفو أوائل الأمم
وكأنه الخمر التي وصفتفى «يا شقيق الرّوح من حكم»
فإذا رممناه فقيل لنا:قد صحّ، قال له البلى: انهدم
مثل السّقيم برا فراجعهنكس فأسلمه إلى سقم
أنشدت حين طغى فأعجزنى«ومن العناء رياضة الهرم»
«الخمر التي وصفت» من قول أبى نواس:
يا شقيق النّفس من حكمنمت عن ليلى ولم أتم
فاسقنى البكر التي اعتجرتبخمار الشّيب في الرّحم
ثمّت انصات الشباب لهابعد أن جازت مدى الهرم
فهى لليوم الذى بزلتوهي تلو الدّهر في القدم
عتقت حتى لو اتصلتبلسان ناطق وفم
لاحتبت في القوم ماثلةثم قصّت قصّة الأمم
فرعتها بالمزاج يدخلقت للكاس والقلم
وقال الحمدونى:
طيلسان لابن حرب جاءنىخلعة في يوم نحس مستمرّ
فإذا ما صحت فيه صيحةتركته كهشيم المحتظر
وإذا ما الريح هبّت نحوهطيّرته كالجراد المنتشر
مهطع الدّاعى إلى الرّافى إذاما رآه قال: ذا شىء نكر
وإذا رفّاؤه حاول أنيتلافاه تعاطى فعقر
وقال:
أيا طيلسانى أعييت طبّىأسلّ بجسمك أم داء حبّ
ويا ريح صيّرتنى أتّقيكوقد كنت لا أتّقى أن تهبّى
ومستخبر خبر الطيلسانفقلت له الروح من أمر ربّى
وقال فيه:
طيلسان لابن حرب جاءنىقد قضى النمزيق منه وطره
أنا من خوف عليه أبداسامرىّ ليس يألو حذره
يابن حرب خذه أو فابعث بمانشترى عجلا بصفر عشره
فلعل الله يحييه لناإن ضربناه ببعض البقره
فهو قد أدرك نوحا، فعسىعنده من علم نوح خبره
أبدا يقرأ من أبصرهأئذا كنّا عظاما نخره
وقال فيه:
يابن حرب أطلعت فقرى برفوىطيلسانا قد كنت عنه غنيّا
فهو في الرّفو آل فرعون في العرض على النار غدوة وعشيّا
زرت فيه معاشرا فازدرونىفتغنّيت إذ رأونى زريّا
جئت في زىّ سائل كى أراكموعلى الباب قد وقفت مليّا
وقال فيه:
وهبت لنا ابن حرب طيلسانايزيد المرء ذا الضّعة اتّضاعا
يسلم صاحبى فيعيد شتمىلأنّ الروح يكسبه انصداعا
أجيل الطّرف في طرفيه طولاوعرضا ما أرى إلّا رقاعا
فلست أشكّ أن قد كان قدمالنوح في سفينته شراعا
فقد غنّيت إذ أبصرت منهجوانبه على بدنى تداعى
قفى قبل التفرّق يا ضباعاولا يك موقف منك الوداعا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع