تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

بين المأمون وإبراهيم بن المهدى

ولما رضي المأمون عن إبراهيم بن المهدى أمر به فأدخل عليه، فلما وقف بين يديه قال: ولىّ الثأر محكّم في القصاص، ومن تناوله الاغترار بما مدّله من أسباب الرجاء أمن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله تعالى فوق كل ذى ذنب، كما جعل كلّ ذى ذنب دونك، فإن أخذت فبحقّك، وإن عفوت فبفضلك.

ثم قال:

ذنبى إليك عظيموأنت أعظم منه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
فخذ بحقّك، أو لافاصفح بفضلك عنه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
إن لم أكن في فعالىمن الكرام فكنه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

فقال لى: إنى شاورت أبا إسحاق والعباس في قتلك، فأشارا به، قال: فما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت لهما: بدأناه بإحسان، ونحن نستأمره فيه، فإن غيّر فالله يغير ما به، قال: أما أن يكونا قد نصحا في عظيم ما جرت عليه السياسة

فقد فعلا وبلغا ما يبلغك، وهو الرأى السديد، ولكنك أبيت ألا تستجلب النصر إلّا من حيث عوّدك الله. ثم استعبر باكيا، فقال له المأمون: ما يبكيك؟

قال: جذلا! إذ كان ذنبى إلى من هذه صفته في الإنعام، ثم قال: إنه وإن كان قد بلغ جرمى استحلال دمى، فعلم أمير المؤمنين وفضله بلغانى عفوه، ولى بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحقّ الأبوة بعد الأب. فقال: يا إبراهيم، لقد حبّب إلىّ العفو حتى خفت ألّا أوجر عليه، أما لو علم الناس مالنا في العفو من اللذة لتقرّبوا إلينا بالجنايات، لا تثريب عليك يغفر الله لك، ولو لم يكن في حقّ نسبك ما يبلغ الصفح عن جرمك لبلّغك ما أملت حسن تنصلك ولطف توصلك ثم أمر بردّ ضياعه وأمواله، فقال:

رددت مالى ولم تبخل علىّ بهوقبل ردّك مالى قد حقنت دمى
وقام علمك بى فاحتجّ عندك لىمقام شاهد عدل غير متّهم
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
فلو بذلت دمى أبغى رضاك بهوالمال حتى أسلّ النّعل من قدمى
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
ما كان ذاك سوى عارّية سلفتلو لم تهبها لكنت اليوم لم تلم

أخذ معنى قول المأمون: «لقد حبّب إلىّ العفو حتى خفت ألا أوجر عليه» أبو تمام الطائى فقال:

لو يعلم العافون كم لك في الندىمن لذة وقريحة لم تخمد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي»

فكان أبو تمام في هذا كما قال أبو العباس المعتز في القاسم بن عبيد الله:

إذا ما مدحناه استعنّا بفعلهفنأخذ معنى قولنا من فعاله

وكان تصويب إبراهيم لرأى أبى إسحاق المعتصم والعباس بن المأمون ألطف فى طلب الرضا ودفع المكروه واستمالتهما إلى العاطفة عليه من الإزراء عليهما في رأيهما، وكان إبراهيم يقول: والله ما عفا عنى لرحم ولا لمحبة؛ ولكن قامت له سوق في العفو كره أن يفسدها [بى].

وكان المأمون شاور في قتل إبراهيم أحمد بن أبى خالد الأحول، فقال:

إن قتلته فلك نظير؛ وان عفوت عنه فلا نظير لك؛ فأختار لك العفو.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.