تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

المقامة البلخيّة

ومن انشاء البديع من مقامات الإسكندرى:

قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: أفضت بى إلى بلخ تجارة البزّ، فوردتها وأنا بفروة الشباب وبال الفراغ، وحلية الثروة، لا يهمّنى إلا نزهة فكر أستفيدها وشريدة من الكلام أصيدها؛ فما استأذن على سمعى مسافة مقامى، أفصح من كلامى. ولمّا حنى التفرق بنا قوسه أو كاد، دخل إلى شابّ في زى ملء العين، ولحية تشوك الأخدعين، وطرف قد شرب بماء الرّافدين، ولقينى من البرّ في السناء، بما زدته من الشكر والثناء؛ ثم قال: أظعنا تريد؟ قلت:

إى والله، فقال: أخصب الله رائدك، ولا أضلّ قائدك، فمتى عزمت؟ فقلت:

غداة غد، فقال:

صباح الله لا صبح انطلاقوطير الوصل لا طير الفراق

قال: أين تريد؟ قلت: الوطن، قال: بلّغت الوطن، وقضيت الوطر، فمتى العود؟ قلت: القابل، قال: طويت الرّيط، وثنيت الخيط، فأبن أنت من الكرم؟ قلت: بحيث أردت، قال: إذا رجعك الله من هذه الطريق، فاستصحب لى عدوّا في بردة صديق، من نجار الصّفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظّفر، كدارة العين، يحطّ ثقل الدّين، وينافق بوجهين! فعلمت أنه يلتمس دينارا، قلت: لك ذلك نقدا، ومثله وعدا، فأنشأ يقول:

رأيك ممّا خطبت أعلىلا زلت للمكرمات أهلا
صلبت عودا وفقت جوداوطبت فرعا وطبت أصلا
لا أستطيع العطاء حملاولا أطيق السؤال ثقلا
قصرت عن منتهاك ظنّاوطلت عما ظننت فعلا
يا رحمة الله والمعالىلا لقى الدّهر منك ثكلا

قال عيسى بن هشام: فنلته الدينار، وقلت: من أين نبت هذا الفضل؟

قال: نمتنى قريش، ومهد لى الشرف في بطحائها. فقال بعض من حضر:

ألست أبا الفتح السكندرى؟ ألم أرك بالعراق، تطوف بالأسواق، مكدّيا بالأوراق ؟ فأنشأ يقول:

إنّ لله عبيداأخذوا العمر خليطا
فهم يمسون أعرابا ويضحون نبيطا
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «إن لله عبادا»

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.