تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من اعتذارات البديع

نسخة رقعة كتبها بديع الزمان إلى أبى على إسماعيل يعتذر إليه:

سوء الأدب من سكر النّدب، وسكر الغضب من الكبائر التي تنالها المغفرة، وتسعها المعذرة، وقد جرى بحضرة الشيخ ما جرى، وقد أفنيت يدى عضّا، وأسنانى رضّا، وإن لم أوف ما جرى فالعذر أمدّ خطا، فإن كان بساطا يطوى، وحديثا لا يروى، فأولى من عذر اللاعب، وأحرى من غفر الصاحب؛ وإن كان ميتا ينشر، وسببا يذكر، فليكن العقاب ما كان، إن لم يكن الهجران، على أنى قد أخذت قسطى من العقاب، واستفدت من ردّ الجواب، ما كفى وأوجع القفا؛ فكان من موجب أدب الخدمة، إبقاء الحشمة لولىّ النعمة، باحتمال الشتم، والإغضاء عن الخصم، لكنى أحدقت بى ثلاثة أحوال لا يسلم صاحبها: اللعب وسكره، والخصم وهجره، والإدلال والثقة، وهنّ اللواتى حملننى على ماء الوجه فهرقته، وحجاب الحشمة فخرقته، وقد منعنى الآن فرط الحياء من وشك اللقاء، وعهدى بوجهى وهو أصفق من العدم الذى حملنى على جهله، وأوقح من الدهر الذى أحوجنى إلى أهله؛ لكن النعم إذا توالت على وجه رقّقت قشرته، وألانت بشرته؛ وأنا منتظر من الجواب ما يريش جناحى إلى خدمته، فإن رأى أن يكتب فعل، إن شاء الله.

وله رقعة إلى أبى على بن مشكويه أولها:

ويا عزّ إن واش وشى بى عندكمفلا تمهليه أن تقولى له: مهلا
كما لو وشى واش بعزّة عندنالقلنا: تزحزح لا قريبا ولا أهلا

بلغنى أطال الله بقاء الشيخ أن قيضة كلب وافته بأحاديث لم يعرها ألحقّ نوره، ولا الصدق ظهوره، وأنه- أدام الله عزّه- أذن لها على مجال أذنه، وفسح لها فناء ظنّه، ومعاذ الله أن أقولها، وأستجيز معقولها؛ بل قد كان بينى وبين الشيخ عتاب لا ينزل كنفه ولا يجدف، وحديث لا يتعدّى النفس وضميرها، ولا يعرف الشفة وسميرها، وعربدة كعربدة أهل الفضل، لا تتجاوز الدّلال والإدلال، ووحشة لا يكشقها عتاب لحظة، كعتاب جحظة، فسبحان من ربّى هذا الأمر حتى صار أمرا، وتأبّط شرّا، وأوجب عذرا، وأوحش حرّا.

وسبحان من جعلنى في حيّز العدو أشيم بارقته، وأتخوّف صاعقته، وأنا المساء إليه، والمجنىّ عليه، ولكن من بلى من الأعداء بمثل ما بليت، ورمى من الحسد بما رميت، ووقف من التوحّد والوحدة حيث وقفت، واجتمع عليه من المكاره ما وصفت، اعتذر مظلوما، وضحك مشتوما، ولو علم الشيخ عدد أولاد الجدد، وأبناء العدد، بهذا البلد، ممن ليس له همّ إلا في سعاية أو شكاية أو حكاية أو نكاية، لضنّ بعشرة غريب إذا بدر، وبعيد إذا حضر، ولصان مجلسه عمن لا يصونه عما رقى إليه، وهبنى قد قلت ما حكى، أليس الشّاتم من أسمع، والجانى من أبلغ؟ فقد بلغ من كيد هؤلاء القوم أنهم حين صادفوا من الأستاذ نفسا لا تستفزّ، وجبلالا يهزّ، وشوا إلى خدمه بما أرّثوا نارهم، وورد علىّ ما قالوه فما لبثت أن قلت:

فإن تك حرب بين قومى وقومهافإنى لها في كلّ نائبة سلم
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أضر بأخفاف البغيلة أنها»

وليعلم الأستاذ أنّ في كبد الأعداء منى جمرة، وأنّ في أولاد الزنا عندنا كثرة، وقصاراهم نار يشبّونها، وعقرب يدبّبونها، ومكيدة يطلبونها، ولولا أن العذر إقرار بما قيل، وأكره أن أستقيل، لبسطت في الاعتذار شاذروانا، ودخلت في الاستقالة ميدانا، لكنه أمر لم أضع أوّله، فلم أتدارك آخره.

وقد أبى الشيخ أبو محمد- أيده الله- إلا أن يوصل هذا النثر الفاتر بنظم مثله فهاكه يلعن بعضه بعضا:

مولاى إن عدت ولم ترض لىأن أشرب البارد لم أشرب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «مولاي إن عدت ولم ترضى لي»
امتط خدى وانتعل ناظرىوصد بكفى حمة العقرب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «مولاي إن عدت ولم ترضى لي»
تالله ما أنطق عن كاذبفيك، ولا أبرق عن خلّب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «مولاي إن عدت ولم ترضى لي»
فالصفو بعد الكذب المفترىكالصّحو عقب المطر الصّيّب
إن أجتن الغلظة من سيدىفالشوك عند الثمر الطيب
أو يفسد الزّور على ناقدفالخمر قد يعصب بالثيّب

ولعل الشيخ أبا محمد- أيده الله- يقوم من الاعتذار بما قعد عنه القلم واللسان؛ فنعم رائد الفضل هو، والسلام.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.