تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

نبذ من ألفاظ بلغاء أهل العصر

تجرى فى المدح مجرى الأمثال؛ لحسن استعارتها، وبراعة تشبيهاتها فلان مسترضع ثدى المجد، مفترش حجر الفضل، له صدر تضيق به الدّهناء، وتفزع إليه الدّهماء، له فى كل مكرمة غرّة الإصباح، وفى كل فضيلة قادمة الجناح، له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح، ويترقرق فيها ماء الكرم، وتقرأ فيها صحيفة حسن البشر، تحيا القلوب بلقائه، قبل أن يميت الفقر بعطائه، له خلق لو مزج به البحر لنفى ملوحته، وكفى كدورته. هو غذاء الحياة، ونسيم العشق، ومادّة الفضل، آراؤه سكا كين فى مفاصل الخطوب، له همّة تعزل السماك الأعزل، وتجرّ ذيلها على المجرّة، هو راجح فى موازين العقل، سابق فى ميادين الفضل، يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن. ينابيع الجود تتفجّر من أنامله، وربيع السماء يضحك من فواضله. هو بيت القصيدة، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرّة التاج، ونقش الفصّ! وهو ملح الأرض، ودرع الملّة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة.

هو غرّة الدّهر والزمان، وناظر الإيمان. له أخلاق خلقن من الفضل، وشيم تشام منها بوارق المجد، أرج الزمان بفضله، وعقم النساء عن الإتيان بمثله.

الجميل لديه معتاد، والفضل منه مبدوء ومعاد، ماله للعفاة مباح، وفعاله فى ظلمة الدهر مصباح، كأن قلبه عين، وكأن جسمه سمع، يرى بأوّل رأيه آخر الأمر، جوهر من جواهر الشرف لا من جواهر الصّدف، وياقوتة من يواقيت الأحرار

لا يواقيت الأحجار، طلعته للبشاشة عليها ديباجة خسروانيّة، وفيها للطلاقة روضة ربيعية. وجه كأن بشرته نشر البشر، ومواجهته أمان من الدّهر.

يصل ببشره، قبل أن يصل ببرّه، قد لحظت من وجهه الأنوار، ومن بنانه النّوار.

أنا من كرم عشرته، وطلاقة أسرّته، فى روضة وغدير، وجنّة وحرير، وهو بحر من العلم ممدود بسبعة أبحر، ويومه من يوم الأدب كعمر سبعة أنسر. العلم حشو ثيابه، والأدب ملء إهابه. هو شخص الأدب مائلا، ولسان العلم قائلا.

شجرة فضل عودها أدب، وأغصانها علم، وثمرتها عقل، وعروقها سرو، تسقيها سماء الحريّة، وتغدّيها أرض المروءة. هم ملح الأرض إذا فسدت، وعمارة الأرض إذا خربت، ومعرض الأيام إذا احتشدت؛ وهم جمال الأيام، وخواصّ الأنام، وفرسان الكلام، وفلاسفة الإسلام. فلان غصن طبعه نضير، ليس له فى مجده نظير، قد جمع الحفظ الغزير، والفهم الصحيح، والأدب القوىّ القويم، وما يؤنسه من الوحشة إلا الدفاتر، ولا يصحبه فى الوحدة إلّا المحابر. فلان يحلّ دقائق الأشكال، ويزيل معترض الإشكال. له خلق كنسيم الأسحار، على صفحات الأنوار. كالماء صفاء، والمسك ذكاء. أخلاق قد جمعت المروءة أطرافها، وحرست الحرية أكنافها. أخلاق تجمع الأهواء المتفرّقة على محبته، وتؤلّف الآراء المتشتّتة على مودّته. أخلاق أعذب من ماء الغمام، وأحلى من ريق النّحل، وأطيب من زمان الورد. أخلاق أحسن من الدرّ والعقيان، فى نحور الحسان، وأذكى من حركات الروح والرّيحان. فلان يستحطّ القمر بطرفه، ويستنزل النّجم بلطفه. هو خلو المذاق، سهل المساغ. أجمل الناس فى جدّ، وأحلاهم فى هزل. يتصرّف مع القلوب، كتصرّف السحاب مع الجنوب. ذو جد كعلوّ الجدّ، وهزل كحديقة الورد. له عشرة ماؤها يقطر، وصحوها من

الغضارة يمطر. هو ريحانة على القدح، وذريعة إلى الفرح. عشرته ألطف من نسيم الشمال، على أديم الزّلال، وألصق بالقلب، من علائق الحب. إذا أردت فهو سبحة ناسك، أو أحببت فهو تفّاحة فاتك، أو اقترحت فهو مدرعة راهب، أو آثرت فهو نخبة شارب. أخباره زكيّة، وآثاره ذكية. أخباره تأتينا كما وشى بالمسك ريّاه، ونمّ على الصباح محيّاه. قد انتشر من طيب أخباره مازاد على المسك الفتيق، وأوفى على الزّهر الأنيق. مناقب تشدخ فى جبينها غرّة الصباح، وتتهادى أنباءها وفود الرياح. فلان أخباره آثاره، وعينه فراره، قد حصل له من حميد الذكر، وجميل النّشر، ما لا تزال الرواة تدرسه، والتواريخ تحرسه.

سألت عن أخباره فكأنى حرّكت المسك فتيقا، أو صبّحت الروض أنيقا.

أخباره متضوعة كتضوّع المسك الأذفر، ومشرقة إشراق الفجر الأنور. أحببته بالخبر، قبل الأثر، وبالوصف قبل الكشف. هو ممن يثقل ميزان ودّه، ويحصف ميثاق عهده. هو كريم العهد، صحيح العقد، سليم الصّدر فى الودّ، حميد الورد فيه والصدر. هو لإخوانه عدّة تشدّهم وتقويهم، ونور يسعى بين أيديهم.

هو ركن الإخاء، صافى شرب الوفاء، حافظ على الغيب ما يحفظه على اللقاء.

هو ممن لا تدوم المداهنة فى عرصات قلبه، ولا تحوم المواربة على جنبات صدره.

هو يسرى إلى كرم العهد، فى ضياء من الرّشد. عهده نقش فى صخر، وودّه نسب ملآن من فخر. يقبل من إخوانه العفو، كما يوليهم من إحسانه الصّفو. فى ودّه غنى للطالب، وكفاية للراغب، ومراد للصّحب، وزاد للركب. هو فى حبل الوفاء حاطب، وعلى فرض الإخاء مواظب. النّجح معقود فى نواصى آرائه، واليمن معتاد فى مذاهب أنحائه. له الرّأى. الثاقب الذى تخفى مكايده، وتظهر عوائده، والتدبير النافذ الذى تنجع مباديه، وتبهج تواليه. رأى

كالسّهم أصاب غرّة الهدف، ودهاء كالبحر فى بعد الغور وقرب المغترف، لا يضع رأيه إلا مواضع الأصالة، ولا يصرف تدبيره إلّا على مواقع السداد والإصابة. يعرف من مبادىء الأقوال خواتم الأفعال، ومن صدور الأمور أعجاز ما فى الصدور. رؤيته رأى صليت، وبديهته قدر مصيب. يسافر رأيه وهودان لم يبرح، ويسير تدبيره وهوثاو لم ينزح. له رأى لا يخطىء شاكلة الصّواب، [ولا يخشى بادرة العثار. فلان يخمّر الرأى ويحيله، ويجيد الفكر ويجيله، حتى يحصل على لب الصواب]، ومحض الرأى. إذا أذكى سراج الفكر، أضاء ظلام الأمر، هو قطب صواب تدور به الأمور، ومستنبط صلاح يردّ إليه التدبير. يرى العواقب فى مرآة عقله، وبصيرة ذكائه وفضله. وله رأى يردّ الخطب مصلّما، والرمح مقلّما. [آراؤه سكاكين فى مفاصل الخطوب]، كأنه ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق، ويطالعه بعين السّداد والتوفيق. يستنبط حقائق القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب. فد سرينا من مشورته فى ضياء ساطع، ومن رأيه الصائب فى حكم قاطع.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.