من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من ترجمة سهل بن هرون، وأخباره
وكان أبو عمرو سهل بن هرون من أهل ميسان نزل البصرة فنسب إليها، وهو القائل:
يأهل ميسان السلام عليكمالطيبون الفرع والجذم
أما الوجوه ففضّة مزجتذهبا وأيد سحّة هضم
أتريد كلب أن أناسبهاقد قلّ من كلب بى العلم
أجعلت بيتا فوق رابيةفرع النّجوم كأنه نجم
كبييت شعر وسط مجهلةبفنائه الجعلان والبهم
وكان سهل شعوبيا، والشعوبية: فرقة تتعصب على العرب وتنتقصها، وكان أبو عبيدة يرمى بذلك.
وسهل ظريف عالم حسن البيان، وله كتب ظريفة صنّفها معارضا للأوائل فى كتبهم بما لا يستصو به منهم، حتى قيل له «بزرجمهر الإسلام» وقال يمدح رجلا:
عدوّ تلاد المال فيما ينوبهمنوع إذا ما منعه كان أحزما
مذلل نفس قد أبت غير أن ترىمكاره ما تأتى من العيش مغنما
وهذا نظير قوله في كتاب «ثعلة وعفرة» الذى عارض به كليلة ودمنة: اجعلوا أداء ما يجب عليكم من الحقوق مقدّما قبل الذى تجودون به من تفضّلكم؛ فإن تقديم النافلة مع الإبطاء عن الفريضة مظاهر على وهن العقيدة، وتقصير الرويّة، ومضرّ بالتدبير، مخلّ بالاختيار، وليس في نفع محمدته عوض من فساد المروءة ولزوم النقيصة. وكتابه هذا مملوء حكما وعلما. وسهل القائل:
تقسّمنى همّان قد كسفا بالىوقد تركا قلبى محلّة بلبال
هما أذريا دمعى، ولم تذر عبرتىرهينة خدر ذات سمط وخلخال
ولا قهوة لم يبق منها على المدىسوى أن تحاكى النور في رأس ذيال
تحلّل منها جرمها وتماسكتلها نفس معدوم على الزمن الخالى
ولكنما أبكى بعين سخينةعلى حدث تبكى له عين أمثالى
فراق خليل لا يقوم به الأسىوخلّة حرّ لا يقوم لها مالى
فوا حسرتى حتّى متى القلب موجعلفقد خليل أو تعذر إفضال
وما الفضل إلا أن تجود بنائلوإلا لقاء الخلّ ذى الخلق العالى
وهو القائل:
إذا امرؤ ضاق عنى لم يضق خلقىمن أن يرانى غنيّا عنه بالياس
لا أطلب المال كى أغنى بفضلتهما كان مطلبه فقرا إلى الناس
وأنشد له الجاحظ يهجو رجلا:
من كان يعمر ما شادت أوائلهفأنت تعمر ما شادوا وما سمكوا
ما كان في الحق أن تحوى فعالهموأنت تحوى من الميراث ما تركوا
وقال محمد بن زياد الزيادى: وجدت على سهل بن هرون في بعض الأمر، فهجوته، فكتب إلىّ: أما بعد فالسلام على عهدك وداع ذى ضنّ بك، فى غير مقلية لك، ولا سلوة عنك، بل استسلام للبلوى في أمرك، وإقرار بالمعجزة فى استعطافك، إلى أوان فيئتك، أو يجعل الله لنا دولة من رجعتك، والسلام.
وكتب في أسفل الكتاب:
إن تعف عن عبدك المسىء ففىعفوك مأوى للفضل والمنن
أتيت ما أستحقّ من خطإفجد بما تستحق من حسن
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع