تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

ومن كلام بلغاء أهل العصر فى ذكر السلطان

أبو القاسم الصاحب: مرضاة السلطان، لا تغلو بشىء من الأثمان، ولا ببذل الروح والجنان. تهيّب السلطان فرض وكيد، وحتم على من ألقى السمع وهو شهيد.

أبو إسحاق الصابى: الملك أحقّ باصطفاء رجاله منه باصطفاء أمواله؛ لأنه مع اتساع الأمر وجلالة القدر لا يكتفى بالوحدة، ولا يستغنى عن الكثرة؛ ومثله فى ذلك مثل المسافر فى الطريق البعيد الذى يجب أن تكون عنايته بفرسه المجنوب، كعنايته بفرسه المركوب.

فصل للصابى: الملك بمن غلط من أتباعه فاتّعظ أشدّ انتفاعا منه بمن لم يغلط ولم يتعظ؛ فالأول كالقارح الذى أدّبته الغرّة، وأصلحته الفدامة، والثانى كالجذع المتهوّك الذى هو راكب للغرّة وراكن إلى السلامة.

وقيل: إن العظم إذا جبر من كسره عاد صاحبه أشدّ بطشا وأقوى أيدا.

أبو بكر الخوارزمى: لا صغير مع الولاية والعمالة، كما لا كبير مع العطله والبطالة؛ وإنما الولاية أنثى تصغر وتكبر بواليها، ومطيّة تحسن وتقبح بممتطيها، والصّدر لمن يليه، والدّست لمن جلس فيه، والأعمال بالعمّال، كما أنّ النساء بالرجال.

فصل له: إنّ ولاية المرء ثوبه؛ فإن قصر عرى منه، وإن طال عثر فيه.

قليل السلطان كثير، ومداراته حزم وتدبير، ومكاشفته غرور وتغرير.

أبو الفتح البستى: أجهل الناس من كان على السلطان مدلّا، وللاخوان مذلّا.

أبو الفضل ابن العميد: الإبقاء على حشم السلطان وعمّاله عدل الإبقاء على ماله، والإشفاق [على حاشيته وحشمه مثل الإشفاق على ديناره ودرهمه].

وله من رسالة طويلة، جواب لأبى شجاع عضد الدولة عن كتاب اقتضاه فيه صدر كتاب ألّفه أبو الحسن الصوفى فى نوع من علوم الهيئة.

أنا أقدم الإجابة بحمد الله تعالى جدّه، على ما وهب لنا معاشر عبيده وخدمه خاصة، بل لرعاياه عامّة، بل لأهل الأرض كافة، من عظيم النعمة بمكانه، وجسيم الموهبة بإنفاق أعمارنا فى زمانه، حتى شاركناه فى أسباب السعادة التى لم تزل مذخورة عليه، حتى صارت إليه، وساهمناه فى موادّ الفضيلة التى لم تزل محفوظة له حتى انّصلت به؛ فإنّ المرء أشبه شىء بزمانه، وصفات كل زمان منتسخة من سجايا سلطانه؛ فإن فضل شاع الفضل فى الزمان وأهله، وتحلّى الدّهر بأفضل حليته، وتجلّى للعيون والقلوب بأحسن زينته، وكسابنيه والناشئين فيه بشرف جوهره، وأورثهم نيل فضله، وعزّ العلم وأهله، وعرف لمقتبسه قدره، وتوجّهت الاذهان نحوه، وتعلّقت الخواطر به، وصرفت الفكر فيه، ونشدت ضوالّه، ونظم أشتاته، وجمعت أفراده، ووثقت نفوس الساعين فى استفادته بحسن عائدته، فحرصت عليه، وصرفت نظرها إليه، وأيقنت فى بضاعتها بالنّفاق، وفى تجارتها بالإرفاق؛ فصار ذلك إلى نماء العلوم وزيادتها داعية، ولتكثير قليلها وإيضاح مجهولها سببا وعلّة، وإلى انخراط جواهرها المتفرقة فى سلوك التصنيف سبيلا، وإلى تقييد شواردها بعقل التأليف طريقا. وإن رذل السلطان اتّبعت الرذيلة اتباعا، وذهبت القضائل ضياعا، وبطلت الأقدار والقيم، وسلبت الأخطار والهمم، وزال العلم والتعلم، ودرس الفهم والتفهم، وضرب الجهل بجرانه، ووطىء بمنسمه، واستعلى الخمول على النباهة، واستولى الباطل على الحقّ، وصار الأدب وبالا على صاحبه، والعلم نكالا على حامله. وبحسب عظيم المحنة بمن هذه صفته، والبلوى مع من هذه صورته، تعظم النعمة بملك سلطان عالم، كالأمير الجليل عضد الدولة، أطال الله تعالى بقاءه، وأدام قدرته، الذى أحله الله ﷿ من الفضائل بملتقى طرقها ومجتمع فرقها، فهى نوادّ ممن لاقت

حتى تصير إليه، وشوارد نوازع حيث حلّت حتى تقع عليه، تتلفت تلفت الرامق، وتنشوف إليه تشوف الصبّ العاشق، قد ملكها أنّى توجهت وحشة المضاع وحيرة المرتاع.

فإن تغش قوما غيره أو تزرهمفكالوحش يدنيها من الأنس المحل

حتى إذا قابلته أسرعت إليه إسراع السيل بنصبّ فى الحدور، والطير ينقضّ إلى الوكور.

وقال أبو الطيب المتنبى:

أحقّ عاف بدمعك الهممأحدث شىء عهدا بها القدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»
وإنما الناس بالملوك، وماتفلح عرب ملوكها عجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»
لا أدب عندهم ولا حسبولا عهود لهم ولا ذمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»
بكلّ أرض وطئتها أممترعى بعبد كأنّها غنم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
يستخشن الخزّ حين يلمسهوكان يبرى بظفره القلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

وقال الزبير بن بكار: قدم ابن ميّادة، واسمه الرّمّاح بن أبرد، زائرا العبد الواحد بن سليمان، وهو أمير المدينة، فكان عنده ليلة فى سمّاره؛ فقال عبد الواحد لأصحابه: إنى لأهم أن أتزوج فابغونى أيّما، قال ابن ميادة: أنا- أصلحك الله- أدلّك، قال: على من يا أبا بشر نميل؟ قال: قدمت عليك أيها الأمير، فلما قدمت ألفيت المسجد وإذا أشبه شىء به وبمن فيه الجنة ومن فيها، فبينا أنا أمشى إذ قادتنى رائحة رجل عطر حتى وقفت عليه، فلما وقع بصرى عليه استلهى حسنه ناظرى، فما أقلعت ناظرى حتى تكلّم فما زال يتكلّم كأنما ينثر درّا، ويتلو زبورا، ويدرس إنجيلا، ويقرأ فرقانا، حتى سكت، فلولا معرفتى بالأمير ما شككت أنه هو، ثم خرج من مصلّاه إلى داره، فسألت عنه، فأخبرت أنه

من الحسن بمكانة، وأنه للخليفتين، وأنه قد نالته ولادة من رسول الله ﷺ لها ساطع من غرّته؛ فإن اجتمعت أنت وهو على ولد ساد العباد، وجاب ذكره البلاد.

فلما قضى ابن ميّادة كلامه قال عبد الواحد ومن حضر: ذلك محمد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان رضى الله تعالى عنه لفاطمة بنت الحسين بن على رضى الله عنهم، وقال ابن ميادة:

لهم سيرة لم يعطها الله غيرهموكلّ قضاء الله فهو مقسّم

هذا فى تقابل نسبه، وكمال منصبه، كقول عويف القوافى فى طلحة بن عبد الله الزهرى:

يصمّ رجال حين يدعون للندىويدعون ابن عوف للندى فيجيب
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
وذاك امرؤ من أىّ عطفيه يلتفتإلى المجد يحوى المجد وهو قريب
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

وعبد الواحد بن سليمان هذا هو الذى يقول فيه القطامى:

أقول للحرف لما أن شكت أصلاطول السّفار وأفنى نيّها الرّحل
إن ترجعى من أبى عثمان منجحةفقد يهون على المستنجح العمل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
أهل المدينة لا يحزنك شأنهمإذا تخطّأ عبد الواحد الأجل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

ومن قول القطامى: «إن ترجعى من أبى عثمان منجحة» أخذ الآخر قوله:

إذا ما تعنّى المرء فى إثر حاجةفأنجح لم يثقل عليه عناؤه

وهو عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، قال الكلبى: هو عبد الواحد ابن الحارث بن الحكم بن أبى العاص بن أمية، والأول قول ابن السكيت.

والقصيدة التى منها هذه الأبيات من أجود قوله، وفيها يقول مما يتمثل به:

والعيش لا عيش إلا ما تقرّ بهعين ولا حال إلا سوف ينتقل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
والناس من يلق خيرا قائلون لهما يشتهى ولأم المخطىء الهبل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
قد يدرك المتأنّى بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزّلل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

قوله: «والناس من يلق خيرا قائلون له» مأخوذ من قول المرقش:

ومن يلق خيرا لحمد؟؟؟ الناس أمرهومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما

وقال عمرو بن سعيد للأخطل: أيسرك أنّ لك بشعرك شعرا؟ قال: لا، ما يسرّنى أن لى بقولى مقولا من مقاويل العرب، غير أنّ رجلا من قومى قال أبياتا حسدته عليها، وايم الله، إنه لمغدف القناع، ضيّق الذراع، قليل السماع، قال: ومن هو؟ قال: القطامى، قال: وما هذه الأبيات؟ فأنشد له يصف إبلا من هذه القصيدة:

يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلةولا الصدور على الأعجاز تتّكل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فهن معترضات والحصا رمضوالرّيح ساكنة والظلّ معتدل
يتبعن سامية العينين تحسبهامجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.