من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
نغم الألفاظ ونغم الألحان
قال أبو العتاهية لمخارق: أنت بنغم ألفاظك دون نغم ألحانك، تطرب إذا تكلّمت، فكيف إذا ترنّمت! وقال له يوما: يا حكيم هذه الأقاليم؛ أصبب فى هذه الآذان من جيّد تلك الألحان، فأقسم لو كان الكلام طعاما، لكان غناؤك له إداما.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: دخلت على المعتصم يوما وقد خلا، وعنده جارية تعنّيه، وكان معجبا بها، فلما جلست قال لى: يا أبا إسحاق، كيف تراها؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، أراها تقهره بحذق، وتختله برفق، ولا تخرج من حسن إلّا إلى أحسن منه، وفى حلقها شذور نغم أحسن من دوام النعم، قال: يا إسحاق؛ هن غايات الأمل، ومنسيات الأجل، والسقم الداخل، والشغل الشاغل، وإن صفتك هذه لو سمعها من لم يرها لفقد لبّه، وقضى نحبه.
وسئل إسحاق عن المجيد من المغنين، فقال: من لطف فى اختلاسه، وتمكّن من أنفاسه، وتفرّع فى أجناسه، يكاد يعرف ضمائر مجالسيه، وشهوات معاشريه، يقرع مسمع كلّ واحد منهم بالنحو الذى يوافق هواه، ويطابق معناه.
وكان إسحاق بن إبراهيم قد جمع إلى حذقه بصتاعته حسن التصرف فى العلوم، وجودة الصنعة للشعر، وحدّث عن نفسه فقال: كنت أيام الرشيد أبكّر إلى هشيم ووكيع فأسمع منهما، ثم أنصرف إلى عاتكة بنت شهيد؛ فتطارحنى صوتين، ثم أصير إلى زلزل الضارب فآخذ منه طريقين، ثم أسير إلى منزلى فأبعث إلى أبى عبيدة والأصمعى، فلا يزالان عندى إلى الظهر، ثم أذهب إلى الخليفة.
ونزل أبوه بالموصل وليس من أهلها فنسب إليها، وهو مولى خزيمة بن خازم التميمى، وفى ذلك يقول إسحاق:
إذا مضر الحمراء كانت أرومتىوقام بنصرى خازم وابن خازم
عطست بأنفى شامخا وتناولتبنانى الثريّا قاعدا غير قائم
وفيه يقول محمد بن عامر الجرجانى يرثيه:
على الجدث الشرقىّ عوجا فسلّماببغداد لما صدّ عنه عوائده
أإسحاق لا تبعد، وإن كان قد رمىبك الموت مرمى ليس يصدر وارده
متى تأته يوما تحاول منفسامن الدين والدنيا فإنك واجده
إذا هزل اخضرّت فروع حديثهورقّت حواشيه وطابت مشاهده
وإن جدّ كان القول جدّا وأقسمتمخارجه ألّا تلين شدائده
ومن جيّد شعر إسحاق قصيدته فى إسحاق بن إبراهيم المصعبىّ بعد إيقاعه بالخرّمية:
تقضّت لبانات وجدّ رحيلولم يشف من أهل الصفاء غليل
ومدّت أكفّ للوداع فصافحتوفاضت عيون للفراق تسيل
ولابدّ للالّاف من فيض عبرةإذا ما خليل بان عنه خليل
فكم من دم قد طلّ يوم تحمّلتأوانس لا يودى لهن قتيل
غداة جعلت الصبر شيئا نسيتهوأعولت لو أجدى علىّ عويل
ولم أنس منها نظرة هاج لى بهاهوى منه باد ظاهر ودخيل
كما نظرت حوراء فى ظلّ سدرةدعاها إلى ظلّ الكناس مقيل
فلا وصل إلّا أن تلافاه أينقعتاق مماها؟؟؟ شدقم وجديل
إذا قلبت أجفانها بتنوفةطوى البعد منها هزة وذميل
تفرّد إسحاق بنصح أميرهفليس له عند الإمام عديل
يفرج عنه الشكّ صدق عزيمةولبّ به يعلو الرجال أصيل
أغرّ بجيب الوالدين كأنهحسام جلت عنه العيون صقيل
بنى مصعب للمجد فيكم إذا بدتوجوهكم للناظرين دليل
كرمتم فما فيكم جبان لدى الوغىولا منكم عند العطاء بخيل
غلبتم على حسن الثناء فراقكمثناء بأفواه الرجال جميل
إذا استكثر الأعداء ما قلت فيكمفإن الذى يستكثرون قليل
وهذا نمط الحذاق الفحول، وقال:
ومدرجة للريح غبراء لم يكنليجشمها زمّيلة غير صارم
يضلّ بها السارى وإن كان هادياوتقطع أنفاس الرياح النّواسم
تعسّفت أبرى جوزها بشملّةبعيدة ما بين العرى والمحازم
كأنّ شرار المرو من نبذها بهنجوم هوت إحدى الليالى العواتم
إذا ضمّها والسّفر ليل فغيبتدياجيره عنهم رءوس المعالم
تنادوا فصاروا تحت أكناف رحلهاليهديهم قدح الحصى بالمناسم
وقال:
ولما رأين البين قد جدّ جدهولم يبق إلّا أن تبين الركائب
دنونا فسلّمنا سلاما مخالسافردّت علينا أعين وحواجب
تصدّ بلا بغض ونخلس لمحةإذا غفلت عنا العيون الرواقب
نذاد إذا حمنا لنشفى غلةكما ذيد عن ورد الحياض الغرائب
وما أحسن ما قال أبو العباس الناشىء فى هذا المعنى:
ولما رأين البين زمّت ركابهوأيقنّ منا بانقطاع المطالب
طلبن على الرّكب المجدين علّةفعجن علينا من صدور الركائب
فلما تلاقينا كتبن بأعينلنا كتبا أعجمنها بالحواجب
فلما قرأناهنّ سرّا طوينهاحذار الأعادى بازورار المناكب
وقال إسحاق:
ألا من لقلب لا يزال رميّةللمحة طرف أو لكسرة حاجب
وللخمر اللاتى تساقط لوثهافتور الخطا عن واردات الذوائب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع