من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
السر فى الابتداء بالنسيب
قال ابن قتيبة: سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصّد القصيدة إنما ابتدأ بوصف الديار والدّمن والآثار؛ فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق؛ ليجعل ذلك سببا لذكر أهله الظاعنين؛ إذ كانت نازلة العمد فى الحلول والظّعن على خلاف ما عليه نازلة المدر؛ لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبّعهم مساقط الغيث حيث كان؛ ثم وصل ذلك بالنسيب، فبكى شدّة الوجد، وألم الصبابة والشوق؛ ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، ويستدعى إصغاء الأسماع؛ لأن النسيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما جعل الله تعالى فى تركيب العباد من محبّة الغزل، وإلف النساء، فليس أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له؛ عقّب بإيجاب الحقوق؛ فرحل فى شعره، وشكا النّصب والسهر، وسرى الليل [وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير،
فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمام التأميل]، وقرّر عنده ما ناله من المكاره فى المسير، بدأ فى المديح فبعثه على المكافأة، وفضّله على الأشباه، وصغّر فى قدره الجزيل، وهزّه لفعل الجميل؛ فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدا أغلب على الشعر، ولم يطل فيملّ السامعين، ولم يقطع وفى النفوس ظمأ إلى المزيد.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع