من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
وحدة القصيدة واتساقها
قال الحاتمى: مثل القصيدة مثل الإنسان فى اتّصال بعض أعضائه ببعض؛ فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه فى صحّة التركيب، غادر الجسم ذا عاهة تتخوّن محاسنه، وتعفّى معالمه؛ وقد وجدت حذّاق المتقدّمين وأرباب الصناعة من المحدثين بحترسون فى مثل هذا الحال احتراسا يجنّبهم شوائب النقصان، ويقف بهم على محجّة الإحسان، حتى يقع الاتّصال، ويؤمن الانفصال، وتأتى القصيدة فى تناسب صدورها وأعجازها وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة، لا ينفصل جزء منها عن جزء، وهذا مذهب اختصّ به المحدثون؛ لتوقّد خواطرهم، ولطف أفكارهم، واعتمادهم البديع وأفانينه فى أشعارهم، وكأنه مذهب سهّلوا حزنه، ونهجوا رسمه؛ فأمّا الفحول الأوائل، ومن تلاهم من المخضرمين والإسلاميين فمذهبهم المتعالم «عدّ عن كذا إلى كذا» وقصارى كلّ واحد منهم وصف ناقته بالعتق، والنّجابة والنجاء، وأنه امتطاها؛ فادّرع عليها جلباب اللّيل؛ وربما اتّفق لأحدهم معنى لطيف يتخلّص به إلى غرض لم يتعمّده إلا أن طبعه السليم، وصراطه فى الشعر المستقيم، نصبا مناره وأوقدا باليفاع ناره؛ فمن أحسن تخلّص شاعر إلى معتمده قول النابغة الذبيانى:
فكفكفت منّى عبرة فرددتهاعلى النّحر منها مستهلّ ودامع
على حين عاتبت المشيب على الصّباوقلت: ألمّا أصح والشيب وازع
وقد حال همّ دون ذلك شاغلمكان الشّغاف تبتغيه الأصابع
وعيد أبى قابوس فى غير كنههأتانى ودونى راكس فالضّواجع
وهذا كلام متناسخ تقتضى أوائله أواخره، ولا يتميز منه شىء عن شىء
أتانى، أبيت اللعن، أنك لمتنىوتلك التى تستكّ منها المسامع
مقالة أن قد قلت سوف أنالهوذلك من تلقاء مثلك رائع
ولو توصّل إلى ذلك بعض الشعراء المحدثين الذين واصلوا تفتيش المعانى، وفتحوا أبواب البديع، واجتنوا ثمر الآداب، وفتحوا زهر الكلام لكان معجزا عجبا، فكيف بجاهل بدوى إنما يغترف من قليب قلبه، ويستمدّ عفو هاحسه.
وقال علىّ بن هارون المنجم عن أبيه: لم يتوصل أحد إلى مدح بمثل قول [ابن] وهيب:
ما زال يلثمنى مراشفهويعلّنى الإبريق والقدح
حتى استردّ الليل خلعتهوبدا خلال سواده وضح
وبدا الصباح كأن غرّتهوجه الخليفة حين يمتدح
وقال علىّ بن الجهم:
وليلة كحلت بالنّقس مقلتهاألقت قناع الدّجى فى كلّ أخدود
قد كاد يغرقنى أمواج ظلمتهالولا اقتباسى سنا وجه ابن داود
قوله: «كحلت بالنّقس مقلتها» مأخوذ من قول أعرابى: «والليل قد صبغ الحصى بمداد».
وقد أخذ هذا أبو نواس فقال:
أبن لى كيف صرت إلى حريمىوجفن الليل مكتحل بقار
وقد أخذ هذا أبو تمام فقال:
إليك هتكنا جنح ليل كأنهقد اكتحلت منه البلاد بإثمد
وقد أخذ لفظ الأعرابى المتقدم أبو نواس فقال:
قد أغتدى والليل كالمدادوالصبح ينفيه عن البلاد
طرد المشيب حالك السّواد
وإنما نظر فى هذا إلى قول الأعرابى:
أقول والليل قد مالت أواخرهإلى الغروب: تأمّل نظرة حار
ألمحة من سنا برق رأى بصرىأم وجه نعم بدا لى أم سنا نار
بل وجه نعم بدا والليل معتكرفلاح ما بين حجّاب وأستار
ومن بديع الخروج قول علىّ بن الجهم وذكر سحابة:
وسارية تزدار أرضا بجودهاشغلت بها عينا طويلا هجودها
أتتنا بها ريح الصّبا فكأنهافتاة ترجّيها عجوز تقودها
[فما برحت بغداد حتى تفجّرتبأودية ما تستفيق مدودها]
فلما قضت حقّ العراق وأهلهأتاها من الريح الشمال بريدها
فمرت تفوت الطّير سبقا كأنهاجنود عبيد الله ولّت بنودها
يريد انصراف أصحاب عبيد الله بن خاقان عن الجعفرىّ إلى سرّ من رأى عند قتل المتوكل. وقد أخذ هذا التشبيه معكوسا من قول أبى العتاهية:
ورايات يحلّ النصر فيهاتمرّ كأنها قطع السحاب
وقال ديك الجنّ:
وغرير يقضى بحكمين: فى الراح بجور، وفى الهوى بمحال
للنقاردفه، وللخوط ما حمّللينا، وجيده للغزال
فعلت مقلتاه بالصّبّ ماتفعل جدوى يديك بالأموال
ومن بارع الخروج قول المتنبى:
مرّت بنا بين تربيها فقلت لها:من أين جانس هذا الشادن العربا
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرىليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا
واشتهار شعره، يمنعنى من ذكره.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع