من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
موازنة بين أبى تمام والبحترى
ويتعلق بهذه القطعة ما حدّث به الحاتمى عن نفسه، وإن كانت الحكاية طويلة فهى غير مملولة؛ لما لبسته من حلل الآداب، وتزينت به من حلى الألباب، قال: جمعنى ورجلا من مشايخ البصرة ممن يومأ إليه فى علم الشعر مجلس بعض الرؤساء، وكان خبره قد سبق إلىّ فى عصبيّته للبحترى، وتفضيله إياه على أبى تمام، ووجدت صاحب المجلس مؤثرا لاستماع كلامنا فى هذا المعنى، فأنشأت قولا أنحيت فيه على البحترى إنحاء أسرفت فيه، واقتدحت زناد الرجل، فتكلّم وتكلمت، وخضنا فى أفانين من التفضيل والمماثلة، غلوت فى جميعها غلوّا شهده جميع من حضر المجلس، وكانوا جلّة الوقت، وأعيان الفضل، فاضطر إلى أن قال: ما يحسن أبو تمام يبتدىء، ولا يخرج، ولا يختم، ولو لم يكن للبحترى عليه من الفضل إلا حسن ابتداءاته، ولطف خروجه، وسرعة انتهائه، لوجب أن يقع التسليم له، فكيف بأوابده التى تزداد على التكرار غضارة وجدة ثم أقبل علىّ، فقال: أين يذهب بك عن ابتدائه:
عارضننا أصلا فقلنا الرّبربحتى أضاء الأقحوان الأشنب
واخضرّ موشىّ البرود وقد بدامنهن ديباج الخدود المذهب
وأنّى لأبى تمام مثل خروجه حيث يقول:
أدارهم الأولى بدارة جلجلسقاك الحيا روحاته وبوا كره
وجاءك يحكى يوسف بن محمدفروّتك ريّاه وجادك ماطره
وقد كرر هذا وزاد فيه فقال:
تنصّب البرق مختالا فقلت له:لوجدت جود بنى يزدان لم تزد
ومن ذا الذى لطف لأن يخرج من وصف روض إلى مدح، فقال أحسن من قوله:
كأنّ سناها بالعشىّ لصحبهاتبلّج عيسى حين يلفظ بالوعد
وأنّى لأبى تمام مثل حسن انتهائه حيث يقول:
إليك القوافى نازعات شواردايسيّر ضاحى وشيها وينمنم
ومشرقة فى النظم غرّا يزيدهابهاء وحسنا أنها لك تنظم
وقوله فى هذا المعنى:
ألست الموالى فيك نظم قصائدهى الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ثناء تخال الروض فيه منوّراضحى، وتخال الوشى فيه منمنما
ولقد تقدم البحترى الناس كلهم فى قوله:
لو أن مشتاقا تكلّف فوق مافى وسعه لسعى إليك المنبر
قال أبو على: وكنت ساكنا إلى أن استتم كلامه، فكأنّ الجماعة أعجبهم ذلك، عصبية علىّ لا على أبى تمام؛ لأنى كنت كالشّجى معترضا فى لهواتهم، وأسرّ كلّ واحد منهم إلى صاحبه سرّا يومىء به إلى استيلاء الرجل على؛ فلما استتم كلامه وبرقت له بارقة طمع فى تسليمى له ابتدأت فقلت: لست ممن
يقعقع له بالشّنان، ولا يقرع له بالعصا، لا إله إلا الله! استنّت الفصال حتى القرعى! هل هذه المعانى إلا عون مفترعة، قد تقدم أبو تمام إلى سبك نضارها، وافتضاض أبكارها، وجرى البحترى على وتيرته فى انتزاع أمثالها واتباعها، فأمّا قوله: «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»، فمن قول أبى جويرية العبدى:
سلّمن نحوى للوداع بمقلةفكأنما نظرت إلينا الربرب
وقرأن بالحدق المراض تحيةكادت تكلّمنا وإن لم تعرب
وأما قوله فى صفة الغيث مخاطبا للدار: «وجاءك يحكى يوسف بن محمد» وقوله فى هذا المعنى: «لوجدت جود بنى يزدان لم تزد» فمن قول أبى تمام:
ولنؤيها فى القلب نؤى شفّهوله بظاعنها وبالمتخلّف
وكأنما استسقى لهنّ محمدمن سومهن من الحيا فى زخرف
ومن قوله الذى تقدم فيه كلّ أحد لفظا رشيقا ومعنى رقيقا:
ديمة سمحة القياد سكوبمستغيث بها الثّرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمىلسعى نحوها المكان الجديب
ومن هنا أخذ البحترى: «لسعى إليك المنبر»:
[أيها الغيث حىّ أهلا بمغداك وعند السرى وحين تئوب
لأبى جعفر خلائق تحكيهنّقد يشبه النجيب النجيب
أنت فينا فى ذا الأوان غريبوهو فينا فى كل وقت غريب]
وأما قوله:
كأن سناها بالعشى لصحبهاتبلّج عيسى حين يلفظ بالوعد
فإنما نظر فيه إلى قول دعبل بن على:
وميثاء خضراء زربيّةبها النّور يلمع فى كل فن
ضحوكا إذا لاعبته الرياحتأوّد كالشارب المرجحن
فشبّه صحبى سنا نورهابديباج كسرى وعصب اليمن
فقلت: بعدتم، ولكننىأشبهه بجناب الحسن
فتى لا يرى المال إلا العطاءولا الكنز إلّا اعتقاد المنن
وأما قوله فى صفة الغوانى «يسيّر ضاحى وشيها وينمنم» وقوله فى وصفها:
«وتخال الوشى فيه منمنما» فمن قول أبى تمام:
حلّوا بها عقد النسيب، ونمنموامن وشيها نثرا لها وقصيدا
ومن قوله الذى أبدع فيه:
ووالله لا أنفك أهدى شوارداإليك تحمّلن الثناء المنخّلا
تخال به بردا عليك محبّراوتحسبه عقدا عليك مفصّلا
ألذّ من السّلوى وأطيب نفحةمن المسك مفتوقا وأيسر محملا
أخفّ على قلبى وأثقل قيمةوأقصر فى قلب الجليس وأطولا
وقول البحترى
هى الأبحم اقتادت مع الليل أنجما
مأخوذ من قول أبى تمام مقصرا عنه كلّ تقصير عن استيفاء إحسانه حيث يقول:
أصخ تستمع حرّ القوافى؛ فإنهاكواكب إلّا أنهنّ سعود
ولا تمكن الإخلاق منها فإنمايلذّ لباس البرد وهو جديد
فهذه خصال صاحبك فيما عددته من محاسنه التى هتكت بها ستور عواره، ونشرت مطوىّ أسراره، حتى استوضحت الجماعة أنّ إحسانه فيها عاريّة مرتجعة، ووديعة منتزعة، فاسمع ما قال أبو تمام فى نحو أبياتك التى أوجبت الفضل لصاحبك حين قال مبتدئا:
لا أنت أنت، ولا الديار ديارخفّ الهوى، وتقضّت الأوطار
كانت مجاورة الطلول وأهلهازمنا عذاب الورد فهى بحار
وقوله:
رقّت حواشى الدهر فهى تمرمروغدا الثّرى فى حليه يتكسّر
وقوله:
أرأيت أىّ سوالف وخدودعنّت لنا بين اللّوى وز رود
وهل يستطيع أحد أن يبتدىء بمثل ابتدائه:
طلل الجميع لقد عفوت حميداوكفى على رزئى بذاك شهيدا
دمن كأن البين أصبح طالبادمنا لدى آرامها وحقودا
أو مثل قوله مبتدئا:
يا دار درّ عليك إرهام الندىواهتزّ روضك للثرى فترأدا
وكسيت من خلع الحيا مستاسداأنفا يغادر وحشه مستأسدا
أو مثل قوله متبدئا:
غدت تستجير الدمع خوف نوى غدوعاد قتادا عندها كل مرقد
فاذرى لها الإشفاق دمعا مورّدامن الدم يجرى فوق خدّ مورّد
ولقد أحسن حين ابتدأ فقال:
نوار فى صواحبها نواركما فاجاك سرب أو صوار
تكذّب حاسد فنأت قلوبأطاعت واشيا ونأت ديار
وحيث يقول:
ما فى وقوفك ساعة من باستقضى ذمام الأربع الأدراس
فلعلّ عينك أن تجود بدمعهاوالدمع منه خاذل ومواسى
وحيث يقول:
ما عهدنا كذا نحيب المشوقكيف والدمع آية المعشوق
وحيث يقول:
دمن ألمّ بها فقال: سلام،كم حلّ عقدة صبره الإلمام؟
نحرت ركاب الركب حتى يعبروارجلا، وقد عنفوا علىّ ولاموا
وحيث يقول:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفافلا تكفّن عن شانيك أو يكفا
لا عذر للصب أن يقنى السّلوّ ولاللدمع بعد مضىّ الحىّ أن يقفا
ومن اقتضاباته البعيدة قوله:
لهان علينا أن نقول وتفعلاونذكر بعض الفضل منك فتفضلا
وقوله أيضا مقتضبا:
الحقّ أبلج والسيوف عوارىفحذار من أسد العرين حذار
ومما تقدم فيه كلّ واحد فى حسن التخلص إلى المدح قوله:
إساءة الحادثات استنبطى نفقافقد أظلّك إحسان ابن حسّان
وقوله:
إذا العيس لاقت بى أبا دلف فقدتقطّع ما بينى وبين النوائب
وقوله:
لم يجتمع قطّ فى مصر ولا طرفمحمد بن أبى مروان والنّوب
وقوله المنقطع دونه كلّ قول فى هذا المعنى:
إنّ الذى خلق الخلائق قلتهاأقواتها لتصرّف الأحراس
فالأرض معروف السماء قرى لهاوبنو الرجاء لهم بنو العبّاس
القوم ظلّ الله أسكن دينهفيهم، وهم جبل الملوك الراسى
وقوله:
عامى وعام العيس بين وديقةمسجورة وتنوفة صيهود
حتى أغادر كلّ يوم بالفلاللطّير عيدا من بنات العيد
هيهات منها روضة محمودةحتى تناخ بأحمد المحمود
بمعرّس العرب الذى وجدت بهأمن المروع ونجدة المنجود
ومن أبدع ابتدائه قوله:
سقّي ديارهم أجشّ هزيموغدت عليهم نضرة ونعيم
جادت معاهدهم عهاد سحابةما عهدها عند الديار ذميم
ثم تخلص إلى المدح فقال وأحسن كلّ الإحسان:
لا والذى هو عالم أنّ النّوىمرّ وأن أبا الحسين كريم
مازلت عن سنن الوداد ولا غدتنفسى على إلف سواك تحوم
ثم عاد إلى المدح، فقال:
لمحمد بن الهيثم بن شبابةمجد إلى حيث السّماك مقيم
ملك إذا نسب النّدى من ملتقىطرفيه فهو أخ له وحميم
وأبو تمام الذى وصف القوافى بما لم يستطع وصفها به أحد فقال:
فإن أنا لم يحمدك عنى صاغراعدوّك فاعلم أننى غير حامد
بسيّاحة تنساق من غير سائقوتنقاد فى الآفاق من غير قائد
محبّبة ما إن تزال ترى لهاإلى كل أفق واحدا غير وافد
مخلقة لمّا ترد أذن سامعفتصدر إلا عن يمين وشاهد
والذى قال أيضا فى صفتها
جاءتك من نظم اللسان قلادةسمطان فيها اللؤلؤ المكنون
إنسيّة وحشية كثرت بهاحركات أهل الأرض وهى سكون
حذيت حذاء الحضرميّة أرهفتوأجادها التّخصير والتلسين
ينبوعها خضل، وحلى قريضهاحلى الهدى، ونسيجها موضون
أحذاكها صنع الضمير يمدّهحسب إذا نضب الكلام معين
أما المعانى فهى أبكار إذانصّت، ولكنّ القوافى عون
وقد أبدع فى وصفها فقال:
لم أبق حلية منطق إلّا وقدسبقت سوابقها إليك جيادى
أبقين فى أعناق جودك جوهراأبقى من الأطواق فى الأجياد
هل يستطيع أحد أن ينسب هذا أو شيئا منه إلى السّرق والاحتذاء؟ وهل يستطيع مماثلته بشىء من شعر البحترى، أو أشعار المحدثين فى عصره ومن قبله؟
فعىّ عن الجواب قصورا، وأحجم عن المساجلة تقصيرا، وحكمت الجماعة لى بالقهر، وعليه بالنصر، ولم ينصرف عن المجلس حتى اعترف بتقديم أبى تمام فى صنعة البديع واختراع المعانى على جميع المحدثين. وكان يوما مشهودا.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع