من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الأقلام
أهدى بعض الكتّاب إلى أخ له أقلاما وكتب إليه: إنه- أطال الله بقاءك! - لما كانت الكتابة قوام الخلافة، وقرينة الرياسة، وعمود المملكة، وأعظم الأمور الجليلة قدرا، وأعلاها خطرا، أحببت أن أتحفك من آلاتها بما يحفّ عليك محمله، وتثقل قيمته، ويكثر نفعه؛ فبعثت إليك أقلاما من القصب النابت فى الأعذاء، المغذوّ بماء السماء، كاللآلى المكنونة فى الصّدف، والأنوار المحجوبة بالسّدف، تنبو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غمز البنان، قد كستها طباعها جوهرا كالوشى المحبّر، وفرند الديباج المنيّر، فهى كما قال الكميت:
وبيض رقاق صحاح المتون تسمع للبيض فيها صريرا
مهنّدة من عتاد الملوكيكاد سناهنّ يعشى البصيرا
وكقبح النبل فى ثقل أوزانها، وقضب الخيزران فى اعتدالها، ووشيج الخطّ فى اطّرادها، تمرّ فى القراطيس كالبرق اللائح، وتجرى فى الصحف كالماء السائح، أحسن من العقيان، فى نحور القيان.
وكتب عبيد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم من خراسان إلى بغداد يسأله أن يوجّه إليه بأقلام قصبيّة: أما بعد، فإنّا على طول الممارسة لهذه الصناعة التى غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوسم، فحلّت محل الأنساب، وجرت مجرى الألقاب- وجدنا الأقلام القصبيّة أسرع فى الكواغد، وأمرّ فى الجلود، كما أن البحرية منها أسلس فى القراطيس، وألين فى المعاطف، وأكلّ عن طريقها؟؟؟، والتعلق بما ينبو من شظاياها. ونحن فى بلاد قليلة القصب، ردىء ما يوجد
بها منه؛ فأحببت أن تتقدّم فى اختيار أقلام قصبية، وتتأنّق فى انتقائها قبلك، وطلبها فى منابتها، من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم، وأن تتيمّم باختيارك منها الشديدة المجسّ، الصّلبة المعضّ، الغليظة الشحوم، المكتنزة الجوانب، الضيّقة الأجواف، الرزينة الوزن، فإنها أبقى على الكتاب، وأبعد من الحفاء، وأن تقصد بانتقائك منها للرقاق القضبان، اللطاف المنظر، المقوّمات الأود، الملس العقد، ولا يكون فيها التواء عوج ولا أمت؛ وضمّ الصافية القشور، الخفية الأبن، الحسنة الاستدارة، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، تكاد أسافلها تهتزّ من أعلاها، لاستواء أصولها برءوسها، المستكملة يبسا، القائمة على سوقها، قد تشرّبت الماء في لحائها، وانتهت فى النّضج منتهاها، لم تعجّل عن تمام مصلحتها، وإبّان ينعها، ولم تؤخّر فى الأيام المخوفة عاهاتها؛ من خصر الشتاء، وعفن الأنداء، فإذا استجمعت عندك أمرت تقطعها ذراعا ذراعا، قطعا رفيقا تتحرّز معه أن تتشعّب رءوسها، أو تنشق أطرافها، ثم عبأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية، وعليها الخيوط الوثيقة، ووجّهتها مع من يحتاط فى حراستها وحفظها وإيصالها؛ إذ كان مثلها يتوانى فيه، لقلّة خطرها عند من لا يعرف فضل جوهرها؛ واكتب معه بعدّتها وأصنافها وأجناسها وصفاتها، على الاستقصاء، من غير تأخير ولا إبطاء.
فأجابه ووجّه إليه مع الأنابيب: أتانى كتاب الأمير- أعزّه الله! - بما أمر به ولخصه، من البعث بما شاكل نعته، وضاهى صفته، من أجناس الأقلام، فتيممت بغيته قاصدا لها، وانتهجت معالم سبله آخذا بها، فأنفذت إليه حزما أنشئت بلطيف السّقيا، وحسن العهد والبقيا، لم تعجل بإخراجها، ولا بودرت
قبل إدراكها؛ فهى مستوية الأنابيب معتدلتها، مثقّفة الكعوب مقوّمتها؛ لا يرى فيها أمت زور، ولا وصم صغر ولا عوج، وقد رجوت أن يجدها الأمير عند إرادته وحسب بغيته.
ومن كلام منصور بن عمّار فى صفة القلم، ويقال إنه لسليمان بن الوليد الكاتب: أو ليس من عجائب الله فى خلقه، وإنعامه على عباده، تعليمه إياهم الكتاب المفيد للباقين حكم الماضين، والمخاطب للعيون بسرائر القلوب، على لغات مختلفة، بمعان مفترقة معقودة، وأحرف مقلوبة، من ألف وتاء، وجيم وباء، متباينات الصور، مختلفات الجهات، لقاحها التفكير، ونتاجها التأليف، تخرس مفردة، وتنطق مزدرجة، بلا أصوات مسموعة، ولا ألسن محدودة، ولا حركات ظاهرة، بل قلم حرّف باريه قطّته، ليعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليردّ ما انتشر عنه إليه، وشقّ فى رأسه ليحتبس الاستعداد عليه، ورفع من شعبتيه لتجتمع حواشى تصويره؛ فهنالك روى القلم فى شقّه، وقذف المادة إلى صدره، فإذا علقتها العيون حكتها الألسن، فالقلوب حينئذ راعية، والآذان واعية، لكلام سدّاه العقل، وألحمه اللسان، وأدّته اللهوات، ولفظته الشّفاه، ووعته الأسماع، على اختلاف أنحاء، من صفات وأسماء؛ فتبارك الله أحسن الخالقين.
حمل من رسالة كتبها بعض أهل العصر، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمى، فى القلم إلى أبى عمران بن رياح:
إنه لما كان القلم مطيّة الفكر والبيان، ومخرج الضمير إلى العيان، ومستنبطا ما تواريه ظلم الجنان إلى نور البيان، ومريح الفطن العوازب، وجالب الفكر الغرائب [ولسان الغائب، وبز الكاتب، ومكتّب الكتائب]، ومفرق الجلائب، وعماد السّلم، وزناد الحرب، ويد الحدثان، وخليفة اللسان، ورأس الأدوات التى
خصّ الله بها الإنسان، وشرّفه بها على سائر أصناف الحيوان، ومركبا لآلة قد تقدّمت كلّ آلة، وحكمة سبقت فى الإنسان كلّ حكمة، وقواما لهندسة عقلية، ومصدرا لعقل العاقل، وجهل الجاهل. الناقل إلينا حكم الأولين، وحاملها عنا إلى الآخرين، الحافظ علينا أمر الدنيا والدين، أول شىء خلقه الله بأمره وسبّحه، ومجّده وحمده وسجد له، فكان له فرسان خلق لهم، وكنت عميدهم، وأقران قصر عليهم، وأنت صنديدهم، وميدان كنت زينه، ومضمار كنت عينه، وحلية كنت سابقها ومعجزها، وغاية كنت مالكها ومحرزها، ورمت بى الأيام إلى معدنه الذى كلفت به وعنيت بطلبه، فانفردت منه بقدح فذّ أوحد، فرد فى مثبته، قد ساعدت عليه السعود فى فلك البروج حولا كاملا، مختلف يؤلّفه أركانها وطباعها، ومتباين أنوائها وأنحائها، وتؤيده بقواها وجواهرها، حتى غذته عرقا فى الثرى معرقا، وأرضعته ناجما، وسقته مكعبا، وأروته مقصبا، وأظمأته مكتهلا، ولوحته مستحصدا، وجللته بهاءها، وألقت عليه عنوانها، وأودعته أعراقها وأوراقها وأخلاقها، حتى إذا شق بازله، ورقّت شمائله، وابتسم من غشائه، ونادى من لحائه، وتعرى عن خز المصيف، بانقضاء الخريف، وانكشف عن لون البيض المكنون، والصدف المخزون، ودر البحار، وفتات الجمار، دعا منه نفق العاج بنقبة الديباج، وقميص الدرر بطراز النساج، فاجتمعت له زينة الأيدى البشرية، إلى الأيدى العلوية، والأنساب الأرضية، إلى الأنساب السماوية، فلما قادته السعادة إلىّ، ورأيته نسيج وحده فى الأقلام، رأيت أولى الناس به نسيج وحده فى الأنام، فآثرتك به مؤثرا للصنيعة؛ عالما أن زين الجياد فرسانها، وزين السيوف أقرانها، وزين بزة لابسها، وزين أداة ممارسها،
فالآن أعطيت القوس باريها، وزناد المكارم موريها، والصمصامة مصلتها، والقناة معلمها، وحلّة المجد لا بسها.
وكان النجيرمى جيّد الروية والبديهة فى نظمه ونثره، حلو التصريف، مليح التأليف، وكان يوما عند أبى المسك كافور الإخشيدى، فدخل عليه أبو الفضل ابن عياش فقال: أدام الله أيام سيدنا الأستاذ- بالخفض- فتبسّم كافور إلى أبى إسحاق، فقال ارتجالا:
لا غرو إن لحن الدّاعى لسيّدناوغصّ من هيبة بالريق والبهر
فمثل سيدنا حالت مهابتهبين البليغ وبين القول بالحصر
فإن يكن خفض الأيام من دهشمن شدة الخوف لا من قلّة البصر
فقد تفاءلت فى هذا لسيدناوالفأل مأثرة عن سيّد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصبوأن دولته صفو بلا كدر
فأمر له بثلاثمائة دينار، ولابن عياش بمائتين.
وقال حمدان الدمشقى يصف قلما:
للأيم بعثته وشقّ لسانهوله إذا لم تجره إطراقه
كالحيّة النّضناض إلّا أنهمن حيث يجرى سمه ترياقه
قال العتابى: سألنى الأصمعى فقال لى: أى الأنابيب أصلح للكتابة وعليها أصبر؟ فقلت: ما نشف بالهجير ماؤه، وستره عن تلويحه غشاؤه، من التّبرية القشور الدرّية الظهور، الفضية الكسور، قال: فأىّ نوع من البرى أكتب وأصوب؟
قلت: البرية المستوية القطّ، عن يمين سنّها، برية تأمن معها المجّة عند المط،
الهواء فى مشقّها فتيق، والريح فى جوفها خريق، والمداد فى خرطومها رقيق، قال: فبقى الأصمعى شاخصا إلىّ ضاحكا لا يحير مسألة ولا جوابا.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع