من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من آداب آل وهب
وقال الحسن بن وهب بن سعيد:
أبك فمن أحسن ما فى البكىأن البكى للوجد تحليل
وهو إذا أنت تأملتهحزن على الخدّين محلول
وقد أعرق بنو وهب فى الكتابة وأنجبوا، ولهم فى هذا الكتاب ما يشهد لهم بما نسب إليهم، وفيهم يقول الطائى:
كل شعب كنتم به آل وهبفهو شعبى وشعب كلّ أديب
إن قلبى لكم لكالكبد الحرّىوقلبى لغيركم كالقلوب
وفى هذه القصيدة يقول فى مدح سليمان بن وهب:
ما على الوسّج الرّواتك من عيب إذا ما أتت أبا أيوب
حوّل لا فعاله مرتع الذمّولا عرضه مناخ العيوب
واجد بالصديق من برحاء الشّوق وجدان غيره بالحبيب
أخذ سليمان منه معنى هذا البيت الأخير، فقال فى رسالة لبعض إخوانه:
ظرف الصداقة، أرقّ من ظرف العلاقة، والنفس بالصديق، آنس منها بالعشيق. فقال له أبو تمام: كلامك هذا أرق من شعرى.
والحسن بن وهب حسن الشعر والبلاغة، جيّد اللسان، حلو البيان، وكان يحب بنان جارية محمد بن حمّاد، وله فيها شعر جيد، ولها بقول:
أقول وقد حاولت تقبيل كفّهاوبى رعدة أهتزّ منها وأسكن
ليهنئك أنّى أشجع الناس كلّهملدى الجرب إلا أننى عنك أجبن
وحضرت مجلسه وبين يديه نار فأمرت بإزالتها، فقال:
بأبى كرهت النار حتى أبعدتفعلمت ما معناك فى إبعادها
هى ضرّة لك فى التماع ضيائهاوهبوب نفحتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك فى القلوب صنيعهابسيالها وأراكها وعرادها
شركنك فى كلّ الأمور بفعلهاوضيائها وصلاحها وفسادها
وإلى هذا ينظر قول الأمير تميم بن المعزّ:
ما هجرت المدام والورد والبدر بطوع، لكن برغم وكره
منعتنى من الثلاثة من لوقتلتنى لم أحك والله من هى
قالت الورد والمدامة والبدرضيائى ولون خدّى ووجهى
قلت بخلّا بكلّ شىء فقالتلا ولكن بخلت بى وبشبهى
قلت يا ليتنى شبيهك قالتإنما يقتل المحبّ التّشهّى
ولما مات الحسن بن وهب- وكان موته بالشام- عزّى عنه أخوه سليمان فجاء أبو العيناء، فقال: أنشدنى أبو سعيد الأصمعى:
لعمرى لنعم المرء من آل جعفربحوران أمسى أعلقته الحبائل
لقد فقدوا عزما وحزما وسؤدداوعلما أصيلا خالفته المجاهل
فإن عشت لم أملل حياتى وإن تمتفما فى حياتى بعد موتك طائل
فقال سليمان: أحسن الله جزاءك، ووصل إخاءك، إن هذا لمن أحسن الشعر، وقد تمثّل به قتيبة حين بلغه موت الحجاج، ولكنى أقول كما قال كعب ابن سعد الغنوى يرثى أخاه أبا الغوار:
أخى ما أخى لا فاحش عند بيتهولا ورع عند اللقاء هيوب
حليم إذا ما سورة الجهل أطلقتحبى الشيب، للنفس اللّجوج غلوب
حبيب إلى الزوّار غشيان بيتهجميل المحيّا شبّ وهو أريب
إذا ما تراآه الرجال تحفّظوافلم تنطق العوراء وهو قريب
فانصرف الناس يعجبون من علم سليمان، وحسن جوابه، وصحّة تمثله.
والأبيات التى أنشدها الأصمعى للحطيئة، واسمه جرول بن أوس بن جؤيّة ابن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيفة بن عبس بن بغيض، يقولها فى علقمة ابن علاثة وفيها يقول:
فما كان بينى لو لقيتك سالماوبين الغنى إلا ليال قلائل
قال سليمان بن وهب: لما جار علينا بالنكبة السلطان، وجفانا من أجلها الإخوان، أنصفنا ابن أبى دواد بتطوّله، وكفانا الحاجة إليهم بتفضّله، فكنا وإياه كما قال الحطيئة:
جاورت آل مقلّد فحمدتهمإذ لا يكاد أخو جوار يحمد
أيام من يرد الصنيعة يصطنعفينا، ومن يرد الزهادة يزهد
وله فصل إلى بعض إخوانه:
لك أن تعتب، وشبيهك أن يعذر؛ فهب أقل الأمرين لأكثرهما، وقدّم فضلك على حقّك، ويقينك على شكّك.
ووصف رجلا بليغا فقال: كان والله واسع المنطق، جزل الألفاظ، ليس بالهذر فى لفظه، [ولا المظلم فى مقصده؛ معناه إلى القلم أسرع من لفظه إلى السّمع].
وهذا ضدّ قول محمد بن عبد الملك الزيات فى عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
هو مهزول الألفاظ، غليظ المعانى، سخيف العقل، ضعيف العقدة، واهى العزم، مأفون الرأى
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع