من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ألفاظ لأهل العصر فى ذم الكتاب والكتّاب والنثر والشعر
الخرس أحسن من كلامه، والعىّ أبلغ من بيانه، حاطره ينبو، وقلمه يكبو، ويسهو ويغلط، ويخطىء ويسقط. هو قصير باع الكتابة، قاصر سعى الخطابة، وكتبه مضطربة الألفاظ، متفاوتة الأبعاض، منتشرة الأوضاع، متباينة الأغراض. الجلم أولى بكفّه من القلم، والطّاس أليق بها من القرطاس.
كلام تنبو عن قبوله الطباع، وتتجافى عن استماعه الأسماع. ألفاظ تنبو عنها الآذان فتمجّها، وتنكرها الطباع فتزجّها. كلام لا يرفع الطبع له حجابا، ولا يفتح السمع له بابا. كلام يصدى الريّان، ويصدىء الأفهام والأذهان.
كلام قد تعمّل فيه حتى تبذل، وتكلّف حتى تعسّف. طبع جاس، ولفظ قاس، لا مساغ له فى سمع، ولا وصول له مع خلو ذرع. كلام لا الرويّة ضربت فيه بسهم، ولا الفكرة جالت فيه بقدح. كلام تتعثّر فى حزونته، وتتحيّر الأفهام من وعورته. كلمات ضعيفة الإتقان، قليلة الأعيان، مضمحلّة على الامتحان.
ألفاظ تستعار من الدياجى، ومعان تقدّر من الأثافى. كلام بمثله بنسلّى الأخرس عن كلمه، ويفرح الأصم بصممه، أثقل من الجندل، وأمرّ من الحنظل، هو هذيان المحموم، وسوداء الهموم. كلام رثّ، ومعنى غثّ، لا طائل فيهما، ولا طلاوة عليهما. أبيات ليست من محكم الشعر وحكمه، ولا من أحجال الكلام وغرره.
شعر ضعيف الصنعة ردىء الصيغة بغيض الصفة [وقد جمع بين إقواء وإيطاء، وإبطاء وإخطاء. ما قطع فى شعره شعرة] ولا سقى قطرة. لو شعر بالنقص ما شعر.
لا يميز بين خبيث القول وطيّبه، ولا يفرق بين بكره وثيّبه. هو بارد العبارة، ثقيل الاستعارة. هو من بين الشعراء منبوذ بالعراء. لم يلبس شعره حلّة الطلاوة.
له شعر لا يطيب درسه، ولا يخف سرده، وخطّ مضطرب الحروف، متضاعف التضعيف والتحريف. خطّ يقذى العين ويشجى الصّدر. خط منحطّ، كأنه أرجل البطّ، وأنامل السرطان، على الحيطان. قلمه لا يستجيب بريه، ومداده لا يساعد جريه. قلمه كالولد العاقّ، والأخ المشاق، إذا أدرته استطال، وإذا قوّمته مال، وإذا بعثته وقف، وإذا وقفته انحرف. قلم مائل الشق، مضطرب المشق، متفاوت [البرى، معدوم الجرى، محرّف القطّ. قلم لم يقلّم ظفره فهو] يخدش القرطاس، وينقش الأنقاس، ويأخذ بالأنفاس. قلم لا يبعث إذا بعثته، ولا يقف إذا وقفته. قد وقف اضطراب [بريه، دون استمرار] جريه، واقتطع تفاوت قطّه، عن تجويد خطه.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع