تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

وصف الكلام

ذكر عتبة بن أبى سفيان كلام العرب فقال: إن للعرب كلاما هو أرقّ من الهواء، وأعذب من الماء، مرق من أفواههم مروق السهام من قسيّها، بكلمات مؤتلفات، إن فسّرت بغيرها عطلت، وإن بدلت بسواها من الكلام استصعبت؛ فسهولة ألفاظهم توهمك أنها ممكنة إذا سمعت، وصعوبتها تعلمك أنها مفقودة إذا طلبت. هم اللطيف فهمهم، النافع علمهم، بلغتهم نزل القرآن، وبها يدرك البيان، وكلّ نوع من معناه مباين لما سواه، والناس إلى قولهم يصيرون، وبهداهم يأتمّون، أكثر الناس أحلاما، وأكرمهم أخلاقا.

وكان يقال: خير الكلام المطمع الممتنع.

وأنشد إبراهيم بن العباس الصّولىّ لخاله العباس بن الاحنف:

إليك أشكو ربّ ما حلّ بىمن صدّ هذا العاتب المذنب
إن قال لم يفعل، وان سيل لميبذل، وإن عوتب لم يعتب
صبّ بعصيانى، ولو قال لىلا تشرب البارد لم أشرب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «إليك أشكو رب ما حل بي»

ثم قال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللفظ، العذب المستمع، الصعب الممتنع، العزيز النظير، القليل الشبيه، البعيد مع قربه، الحزن مع سهولته، فجعل الناس يقولون: هذا الكلام أحسن من الشعر.

وقال أبو العباس الناشىء يصف شعره:

يتحير الشعراء إن سمعوا بهفى حسن صنعته وفى تأليفه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
فكأنه فى قربه من فهمهمونكولهم فى العجز عن ترصيفه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
شجر بدا للعين حسن نباتهونأى عن الأيدى جنى مقطوفه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
فإذا قرنت أبيّه بمطيعهوقرنته بغريبه وطريفه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
ألفيت معناه يطابق لفظهوالنظم منه جليّه بلطيفه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
فأتاه متّسقا على إحسانهقد نيط منه رزينه بخفيفه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
هذبته فجعلته لك باقياومنعت صرف الدهر عن تصريفه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

وقال الناشىء فى فصل من كتابه فى الشعر: الشعر قيد الكلام، وعقل الآداب، وسور البلاغة، ومعدن البراعة، ومجال الجنان، ومسرح البيان، وذريعة المتوسّل، ووسيلة المتوصل، وذمام الغريب، وحرمة الأديب، وعصمة الهارب، وعدّة الراهب، ورحلة الدّانى، ودوحة المتمثل، وروحة المتحمّل، وحاكم الإعراب، وشاهد الصواب.

وقال فى هذا الكتاب: الشعر ما كان سهل المطالع، فصل المقاطع، فحل

المديح، جزل الافتخار، شجىّ النسيب، فكه الغزل، سائر المثل، سليم الزلل، عديم الخللى، رائع الهجاء، موجب المعذرة، محبّ المقتبة، مطمع المسالك، فائت المدارك، قريب البيان، بعيد المعانى، نائى الأغوار، ضاحى القرار، نقى المستشف، قد هريق فيه ماء الفصاحة، وأضاء له نور الزجاجة، فانهلّ فى صادى الفهم، وأضاء فى بهيم الرأى. لمتأمله ترقرق، ولمستشفّه تألّق، يروق المتوسم، ويسر المترسّم؛ قد أبدت صدوره متونه، وزهت فى وجوهه عيونه، وانقادت كواهله لهواديه، وطابقت [ألفاظه معانيه، وخالفت أجناسه مبانيه، فاطّرد لمتصفحه، وأنار] لمستوضحه، وأشبه الروض فى وشى ألوانه، وتعمّم أفنانه، وإشراق نواره، وابتهاج أنجاده بأغواره؛ وأشبه الوشى فى اتفاق رقومه، واتساق رسومه، وتسطير كفوفه، وتحبير فوفه؛ وحكى العقد فى التئام فصوله، وانتظام وصوله، وازديان ياقوته بدره، وفريده بشذره، فلو اكتنف الإيجاز موارده، وصقلت مداوس الدربة مناصله، وشحذت مدارس الأدب فياصله، جاء سليما من المعايب، مهذّبا من الأدناس، تتحاشاه الأبن، وتتحاماه الهجن، مهديا إلى الأسماع بهجته، وإلى العقول حكمته.

وقد قلت فى الشعر قولا جعلته مثلا لقائليه، وأسلوبا لسالكيه، وهو:

الشعر ما قومت زيغ صدورهوشددت بالتهذيب أسر متونه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
ورأبت بالإطناب شعب صدوعهوفتحت بالإيجاز غور عيونه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وجمعت بين قريبه وبعيدهووصلت بين مجمّه ومعينه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وعقدت منه لكلّ أمر يقتضىشبها به فقرنته بقرينه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
فإذا بكيت به الديار وأهلهاأجريت للمحزون ماء شئونه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
ووكلته بهمومه وغمومهدهرا فلم يسر الكرى بجفونه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وإذا مدحت به جوادا ماجداوقضيته بالشّكر حقّ ديونه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
أصفيته بنفيسه ورصينهومنحته بخطيره وثمينه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
فيكون جزلا فى اتّفاق صنوفهويكون سهلا فى اتّساق فنونه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وإذا أردت كناية عن ريبةباينت بين ظهوره وبطونه
فجعلت سامعه يشوب شكوكهببيانه وظنونه بيقينه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وإذا عتبت على أخ فى زلّةأدمجت شدّته له فى لينه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
فتركته مستأنسا لدمائةمستيئسا لوعوثه وحزونه
وإذا نبذت إلى التى علقتهاإن صارمتك بفاتنات شئونه
تيّمتها؟؟؟ بلطيفه ورقيقهوشغفتها بخفيّه وكمينه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وإذا اعتذرت إلى أخ فى زلّةواشكت بين محيله ومبينه
فيحور ذنبك عند من يعتدّهعتبا عليك مطالبا بيمينه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
والقول يحسن منه فى منثورهما ليس يحسن منه فى موزونه
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

وقال الخليل بن أحمد: الشعراء أمراء الكلام، بضرّفونه أنّى شاءوا؛ وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم: من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللّفظ وتعقيده، ومدّ مقصوره، وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته وقال: الشعر حلية اللسان، ومدرجة البيان، ونظام الكلام، مقسوم غير محظور، ومشترك غير محصور، إلا أنه فى العرب جوهرىّ، وفى العجم صناعى.

قال أعرابى لشاعر من أبناء الفرس: الشعر للعرب، فكلّ من يقول الشعر منكم فإنما نزا على أمّه رجل منا! فقال الفارسى: وكذلك من لا يقول الشعر منكم، فإنما نزا على أمّه رجل منا!

وقال عمارة بن عقيل: أجود الشعر ما كان أملس المتون، كثير العيون، لا يمجّه السمع، ولا يستأذن على القلب. وأنشد الجاحظ شعر أبى العتاهية فلم يرضه، وقال: هو املس المتون، ليس له عيون. كأنه وعمارة تجاذبا كلاما واحدا.

وقال ابن عقيل: الشعر بضاعة من بضائع العرب، ودليل من أدلّة الأدب، وأثارة من أثارات الحسب. ولن يهزّ الشعر إلا الكريم المحتد، الكثير السؤدد، الكلف بذكر اليوم والغد.

ومدح بشار المهدىّ فلم يعطه شيئا، فقيل له: لم تجد فى مدحه. فقال:

لا والله، لقد مدحته بشعر لو قلت مثله فى الدهر لما خيف صرفه على حرّ، ولكنى أكذب فى العمل، فأكذب فى الأمل.

نظمه الناجم فقال:

ولى فى أحمد أمل بعيدومدح حين أنشده طريف
مدائح لو مدحت بها الليالىلما دارت علىّ لها صروف

قال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: صف لى جريرا والفرزدق والأخطل، فقال: يا أمير المؤمنين، أما أعظمهم فخرا، وأبعدهم ذكرا، وأحسنهم عذرا، وأسيرهم مثلا، وأقلّهم غزلا، وأحلاهم عللا، البحر الطامى إذا زخر، والحامى إذا ذعر، والسامى إذا خطر، [الذى إذا هدر جال، وإذا خطر صال، الفصيح اللسان، الطويل العنان، فالفرزدق. وأما أحسنهم نعتا، وأمدحهم بيتا، وأقلهم فوتا، الذى إن هجا وضع، وإن مدح رفع، فالأخطل. وأما أغزرهم بحرا، وأرقّهم شعرا، وأكثرهم ذكرا، الأغرّ الأبلق، الذى إن طلب لم يسبق، وإن طلب لم يلحق، فجرير. وكلّهم ذكىّ الفؤاد، رفيع العماد، وارى الزناد.

قال مسلمة بن عبد الملك، وكان حاضرا: ما سمعنا بمثلك يا بن صفوان فى الأولين ولا فى الآخرين، أشهد أنك أحسنهم وصفا، وألينهم عطفا، وأخفّهم مقالا،

وأكرمهم فعالا. فقال خالد: أتم الله عليك نعمه، وأجزل لك قسمه. أنت والله أيها الأمير- ما علمت- كريم الغراس، عالم بالناس، جواد فى المحل، بسّام عند البذل، حليم عند الطّيش، فى الذّروة من قريش، من أشراف عبد شمس، ويومك خير من الأمس.

فضحك هشام وقال: ما رأيت مثلك يا بن صفوان لتخلصك فى مدح هؤلاء، ووصفهم، حتى أرضيتهم جميعا وسلمت منهم.

ودخل العجّاج على عبد الملك بن مروان فقال له: بلغنى أنك لا تحسن الهجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية، أمكنه خراب الأخبية، قال: ما يمنعك من ذلك؟ قال: إنّ لنا عزّا يمنعنا من أن نظلم، وحلما يمنعنا من أن نظلم، قال: لكلماتك أحسن من شعرك! فما العزّ الذى يمنعك أن تظلم؟ قال: الأدب [البارع، والفهم الناصع. قال: فما الحلم الذى يمنعك من أن تظلم؟ قال: الأدب] المستطرف، والطبع التّالد، قال: لقد أصبحت حكيما. قال: وما يمنعنى من ذلك وأنا نجىّ أمير المؤمنين؟

قال أبو إسحاق: وليس كما قال العجاج، بل لكثير من الشعراء طباع تنبو عن الهجاء كالطائى وأضرابه، وأصحاب المطبوع أقدر عليه من أهل المصنوع، إذ كان الهجو كالنادرة التى إذا جرت على سجيّة قائلها، وقربت من يد متناولها، وكان واسع العطن، كثير الفطن، قريب القلب من اللسان، التهبت بنار الإحسان.

ومما ينحو هذا النحو من مقامات أبى الفتح الإسكندرى إنشاء بديع الزمان قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: طرحتنى النوى مطارحها، حتى إذا وطئت جرجان الأقصى، فاستظهرت على الأيام بضياع أجلت فيها يد العمارة، وأموال وقفتها على التجارة، وحانوت جعلته مثابة، ورفقة اتخذتهم صحابة، وجعلت للدار حاشيتى النهار، والحانوت ما بينهما؛ فجلسنا يوما نتذاكر الشعر والشعراء،

وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد، ينصت وكأنه يفهم، ويسكت وكأنه لا يعلم، حتى إذا مال الكلام بنا ميله، وجرّ الجدل فينا ذيله. قال: أصبتم عذيقه، ووافيتم جذيله، ولو شئت للفظت [فأفضت]، ولو أردت لسردت، ولجاءت الحقّ فى معرض بيان يسمع الصم، وينزل العصم. فقلت: يا فاضل، أدن فقد منّيت، وهات فقد أثنيت، فدنا وقال: سلونى أجبكم، واستمعوا أعجبكم.

قلنا: فما تقول فى امرىء القيس؟ قال: هو أول من وقف بالديار وعرصاتها، واغتدى والطير فى وكناتها، ووصف الخيل بصفاتها، ولم يقل الشعر كاسبا، ولم يجد القول راغبا، ففضل من تفتّق للحيلة لسانه، وانتجع للرغبة بنانه قلنا: وما تقول فى النابغة؟ قال: ينسب إذا عشق، ويثلب إذا حنق، ويمدح إذا رغب، ويعتذر إذا رهب، فلا يرمى إلا صائبا.

قلنا: فما تقول فى طرفة؟ قال: هو ماء الأشعار وطينتها، وكنز القوافى ومدينتها، مات ولم تظهر أسرار دفائنه؟؟؟، ولم تطلق عتاق خزائنه.

قلنا: فما تقول [فى زهير؟ قال: يذيب الشعر والشعر يذيبه، ويدعو القول والسّحر يجيبه.

قلنا: فما تقول] فى جرير والفرزدق؟ وأيهما أسبق؟ قال: جرير أرقّ شعرا، وأغزر غزرا، والفرزدق أمتن صخرا، وأكثر فخرا، وجرير أوجع هجوا، وأشرف يوما، والفرزدق أكثر روما، وأكثر قوما، وجرير إذا نسب أشجى، وإذا ثلب أردى، وإذا مدح أسنى، والفرزدق إذا افتخر أجزى، وإذا وصف أوفى، وإذا احتقر أزرى.

قلنا: فما تقول فى المحدثين من الشعراء والمتقدمين منهم؟ قال: المتقدمون اشرف لفظا، وأكثر فى المعانى حظا، والمتأخّرون ألطف صنعا، وأرقّ نسجا.

قلنا: فلو أريت من أشعارك، ورويت من أخبارك، قال: خذهما فى معرض واحد، وأنشد:

أما ترونى أتغشّى طمراملتحفا فى الضّرّ أمرا إمرا
منطويا على الليالى غمراملاقيا منها صروفا حمرا
أقصى أمانىّ طلوع الشّعرىفقد عنينا بالأمانى دهرا
وكان هذا الحرّ أعلى قدراوماء هذا الوحه أغلى سعرا
ضربت للسّرو قبابا خضرافى دار دارا وإوان كسرى
فانقلب الدهر لبطن ظهراوعاد عرف العيش عندى نكرا
لم يبق من وفرى إلا ذكراثمّ إلى اليوم هلمّ جرا
لولا عجوز لى بسرّ من راوأفرخ دون جبال بصرى
قد جلب الدّهر إليهم شرّاقتلت يا سادة نفسى صبرا!

قال عيسى بن هشام: فنلته ما تاح، وأعرض عنّا فراح، وجعلت أنفيه وأثبته، وأنكره وكأنى أعرفه، ثم دلّتنى عليه ثناياه، فقلت: الإسكندرى والله؛ فلقد كان فارقنا خشفا، ووافانا جلفا، ونهضت على إثره، ثم قبضت على خصره، وقلت: ألست أبا الفتح؟ ألم تكن فينا وليدا، ولبثت فينا من عمرك سنين؟ فأىّ عجوز لك بسرّ من رأى؟ فضحك وقال:

ويحك هذا الزمان زورفلا يغرّنّك الغرور
للشاعر أبو دلف الينبوعي، اقرأ القصيدة
غرّق وبرّق وكل وطرّقوأسرق وطلبق لمن تزور
لا تلتزم حالة ولكندر لليالى كما تدور
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «ويلك هذا الزمان زور»

ومن إنشائه مقامة ولدها على لسان عصمة وذى الرمة قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: بينا نحن فى مجتمع لنا ومعنا يومئذ رجل العرب حفظا ورواية عصمة ابن بدر الفزارى، فأفضى الكلام إلى ذكر من أعرض عن خصمه حلما، أو أعرض عنه خصمه احتقارا، حتى ذكر الصّلتان العبدى واللّعين المنقري، وما كان من احتقار جرير والفرزدق لهما. فقال عصمة: سأحّدثكم بما شاهدته عينى، ولا أحدّثكم عن غيرى: بينا أنا أسير فى بلاد تميم مرتحلا نجيبة، وقائدا جنيبة، عنّ لى راكب على أورق جعد اللّغام، فاجتاز بى رافعا صوته بالسلام.

فقلت: من الراكب الجهير الكلام، المحيّى بتحيّة الإسلام؟ فقال: أنا غيلان ابن عقبة. فقلت: مرحبا بالكريم حسبه، الشهير نسبه، السائر منطقه. فقال:

رحب واديك، وعزّ ناديك، فمن أنت؟ قلت: عصمة بن بدر الفزارى. فقال:

حياك الله، نعم الصديق، والصاحب والرفيق. وسرنا فلما هجّرنا قال: ألا نغوّر يا عصمة فقد صهرتنا الشمس؟ فقلت: أنت وذاك، فملنا إلى شجرات ألاء كأنهن عذارى متبرّجات، قد نشرن الغدائر، وسرحن الضفائر؛ لأثلات متناوحات؛ فحططنا رحالنا، ونلنا من الطعام، وكان ذو الرمة زهيد الأكل. وزال كلّ منا إلى ظل أثلة يريد القابلة، واضطجع ذو الرّمة وأردت أن أصنع صنيعه، فولّيت ظهرى الأرض، وعيناى لا يملكها غمض، فنظرت غير بعيد إلى ناقة كوماء، ضحيت وغبيطها ملقى»

، وإذا رجل قائم يكلؤها كأنه عسيف أو أسيف، فلهيت عنهما، وما أنا والسؤال عما

لا يعنينى! ونام ذو الرّمة غرارا، ثم انتبه، وكان ذلك فى أيام مهاجاته لذلك المرّىّ. فرفع عقيرته ينشد فيه:

أمن ميّة الطّلل الدارسألظّ به العاصف الرّامس
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمن مية الطلل الدارس»
فلم يبق إلا شجيج القذالومستوقد ما له قابس
وحوض تثلّم من جانبيهومحتفل دائر طامس
وعهدى به وبه سكنهوميّة والإنس والآنس
ستأنى امرأ القيس مأثورةيغنّى بها العابر الجالس
ألم تر أنّ امرأ القيس قدألظّ به داؤه الناجس
هم القوم لا يالمون الهجاءوهل يألم الحجر اليابس؟
فما لهم فى الفلا راكبولا لهم فى الوغى فارس
إذا طمح الناس للمكرماتفطرفهم المطرق الناعس
تعاف الأكارم إصهارهمفكل نسائهم عانس

فلما بلغ هذا البيت جعل ذلك النائم يمسح عينيه ويقول: أذو الرّميمة يمنعنى النوم بشعر غير مثقّف ولا سائر. فقلت: يا غيلان، من هذا؟ فقال:

الفريزد، يعنى الفرزدق، وحمى ذو الرمة:

وأمّا مجاشع الأرذلونفلم يسق ميتهم راجس
سيعقلهم عن مساعى الكرامعقل، ويحبسهم حابس

فقلت: الآن [يشرق فيثور، و] يعمّ الفرزدق هذا وقبيله بالهجاء.

فوالله ما زاد على أن قال: قبحا لك يا ذا الرّميمة! أتعرض لمثلى بمقال منتحل! ثم عاد فى نومه كأن لم يسمع شيئا، وسار ذو الرّمة وسرت، وإنى لأرى فيه انكسارا حتى افترقنا.

قوله فيما ولد على الفرزدق «بمقال منتحل»، يريد أن البيت الأخير منقول من قول جرير:

ألم تر أنّ الله أخزى مجاشعاإذا ما أفاضت فى الحديث المجالس
وما زال معقولا عقال عن الندىوما زال محبوسا عن المجد حابس
للشاعر جرير، من قصيدة «ما ذات أرواق تصدى لجؤذر»

عقال: ابن محمد بن [سعيد بن] مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم، وهو جد الفرزدق. وحابس: ابن عقال بن محمد بن سفيان ابن مجاشع بن دارم، وهو أبو الأقرع بن حابس أحد المؤلّفة قلوبهم.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.