من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
فقر فى الشعر
قيل لابن الزّبعرى: لم تقصّر أشعارك؟ فقال: لأنها أعلق بالمسامع، وأجول فى المحافل.
وقيل ذلك لعقيل بن علّفة فى أهاجيه، فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
غيره: لسان الشاعر أرض لا تخرج الزهر حتى تستسلف المطر، وما ظنّك بقوم الاقتصار محمود إلا فيهم. والكذب مذموم إلّا منهم. إياكم والشاعر فإنه يطلب على الكذب مثوبة، ويقرع جليسه بأدنى زلّة.
أبو القاسم الصاحب بن عباد: النثر يتطاير كتطاير الشرر، والنظم يبقى بقاء النّقش فى الحجر.
أبو عبيدة: الزّحاف فى الشعر كالرّخصة فى الدين، لا يقدم عليها إلا فقيه.
وقال أبو فراس الحمدانى:
تناهض الناس للمعانىلمّا رأوا نحوها نهوضى
تكلفوا المكرمات كدّاتكلّف الشعر بالعروض
وقد مدح الجاحظ العروض وذمّها، فقال فى مدحها: العروض ميزان، ومعراض بها يعرف الصحيح من السقيم، والعليل من السليم، وعليها مدار الشعر، وبها يسلم من الأود والكسر. وقال فى ذمّه: هو علم مولّد، وأدب مستبرد، ومذهب مرفوض، وكلام مجهول، يستنكر العقل بمستفعلن وفعول، من غير فائدة ولا محصول.
ومن مفردات الأبيات فى هذا المعنى قول دعبل:
يموت ردىء الشعر من قبل أهلهوجيّده يبقى وإن مات قائله
البحترى:
أعيا علىّ؛ فلا هيّابة فرقيخشى الهجاء، ولا هشّ فيمتدح
آخر:
[و] مما يقتل الشعراء غمّاغداوة من يغلّ عن الهجاء
أحمد بن أبى فنن:
وإنّ أحقّ الناس باللؤم شاعريلوم على البخل اللئام، ويبخل
وهذا كقول على بن العباس الرومى فى أبى الفياض سوّار بن أبى شراعة، وكان سوّار شاعرا مجيدا:
يا من صناعته الدعاء إلى العلاناقضت فى فعليك أىّ نقاض
عجبا لحضّاض الكرام على الذىهو فيه محتاج إلى حضّاض
وصف المكارم وهو فيها زاهدورأى الجميل وفيه عنه تغاض
لم ألق كالشعراء أكثر حارضاواشدّ معتبة على الحرّاض
كم فيهم من آمر برشيدةلم يأتها، ومرغب رفّاض
يا حسرتى لمودّة أدبيةلم نفترق عنها افتراق تراض
ليس العتاب بنافع فى قاطعأعيا المشيب تتابع المقراض
ثم قال بعد هذا التبكيت والعتاب ما منعه أن يتوهّم أنه هجاه:
ولما هجوتك، بل وعظتك إنّنىلا أجعل الأعراض كالأغراض
فاكفف سهامك عن أخيك فإنماآسفته، فرماك بالمعراض
فمتى حلمت وجدت أحنف دهرهومتى جهلت منيت بالبرّاض
فاعذر أخاك على الوعيد؛ فإنماأنذرت قبل الرّمى بالإنباض
[واعلم وقيت الجهل أن خساسةبطر الغنى ومذلّة الإبعاض]
ثم هجاه بقوله:
وما تكلمت إلّا قلت فاحشةكأن فكيك للأغراض مقراض
مهما تقل فسهام منك مرسلةوفوك قوسك والأعراض أغراض
وابن الرومى هذا كما قال مسلم بن الوليد الأنصارى فى الحكم بن قنبر المازنى:
عابنى من معايب هنّ فيهحكم فاشتفى بها من هجانى
وكما قال الآخر:
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسهمراد لعمرى ما أراد قريب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع