من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
منصور النمرى
اجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول منصور النّمرى فى أمير المؤمنين الرشيد:
إنّ المكارم والمعروف أوديةأحلّك الله منها حيث تجتمع
إذا رفعت امرا فالله رافعهومن وضعت من الأقوام متّضع
من لم يكن بأمين الله معتصمافليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف الغيث لم تخلف أناملهأو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع
فليدخل، فقال محمد بن وهيب: فينا من يقول خيرا منه، وأنشد:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهمشمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
يحكى أفاعيله فى كل نائبةالغيث والليث والصمصامة الذّكر
فأمر بإدخاله وأحسن صلته.
أخذ معنى البيت الأول من بيتى محمد بن وهيب أبو القاسم محمد بن هانىء الأندلسى:
المدنفان من البريّة كلهاقلبى وطرف بابلىّ أحور
والمشرقات النيرات ثلاثةالشمس والقمر المنير وجعفر
وبيت أبى القاسم [الأول] مأخوذ من قول ابن الرومى:
يا عليلا جعل العلّةمفتاحا لسقمى
ليس فى الأرض عليلغير جفنيك وجسمى
ومر النمرى بالعتابى مغموما فقال: مالك، أعزّك الله؟ فقال: امرأتى بطلق منذ ثلاث ونحن على يأس منها. فقال له العتّابى: وإنّ دواءها منك أقرب من وجهها، قل: هارون الرشيد، فإن الولد يخرج! فقال: شكوت إليك ما بى، فأجبتنى بهذا؟ فقال: ما أخذت هذا إلا من قولك:
إن أخلف الغيث لم تخلف أناملهأو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
وأبيات منصور بن سلمة بن الزبرقان النمرى التى ذكرها المعتصم من قصيدة له وهى أحسن ما قيل فى الشيب أولها:
ما تنقضى حسرة منى ولا جزعإذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب وفاتتنى بغرّتهخطوب دهر وأيام لها خدع
ما كنت أو فى شبابى كنه غرّتهحتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
تعجبت أن رأت أسراب دمعتهفى حلبة الخدّ أجراها حشى وجع
أصبحت لم تطعمى ثكل الشباب ولمتشجى بغصّته فالعذر لا يقع
لا ألحينّ فتاتى غير كاذبةعين الكذوب فما فى ودّكم طمع
ما واجه الشيب من عيب وإن ومقتإلا لها نبوة عنه ومرتدع
إنى لمعترف ما فىّ من أربعند الحسان فما للنّفس تنخدع
قد كدت تقضى على فوت الشباب أسىلولا تعزّيك أنّ الأمر منقطع
وذكر أن الرشيد لما سمع هذا بكى، وقال: ما خير دنيا لا تخطر فيها ببرد الشباب! وأنشد متمثلا:
أتأمل رجعة الدنيا سفاهاوقد صار الشباب إلى ذهاب
فليت الباكيات بكلّ أرضجمعن لنا فنحن على الشباب
وكان الرشيد يقدم منصورا النمرى بجودة شعره، ولما يمتّ إليه من النسب من العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه، وكانت نثيلة أم العباس من النمر بن قاسط؛ ولما كان يظهر من الميل إلى إمامة العباس وأهله، والمنافرة لآل على رضى الله عنه ويقول:
بنى حسن وقل لبنى حسينعليكم بالسّداد من الأمور
أميطوا عنكم كذب الأمانىوأحلاما يعدن عداة زور
تسمّون النبى أبا ويأبىمن الأحزاب سطر فى سطور
يريد قول الله تعالى: (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ)
. وهذا إنما نزل فى شأن زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ تبنّاه، فقال له الرشيد:
ما عدوت ما فى نفسى، وأمره أن يدخل بيت المال فيأخذ ما أحبّ.
وكان يضمر غير ما يظهر، ويعتقد الرّفض، وله فى ذلك شعر كثير لم يظهر إلّا بعد موته، وبلغ الرشيد قوله:
آل النبى ومن يحبّهميتطامنون مخافة القتل
أمن النصارى واليهود ومنمن أمّة التوحيد فى أزل
إلا مصالت ينصرونهمبظبا الصّوارم والقنا الذّبل
فأمر الرشيد بقتله [وكان حينئذ برأس العين]، فمضى الرسول فوجده قد مات فقال الرشيد: لقد هممت أن أنبش عظامه فأحرقها. وكان يلغز فى مدحه لهرون، وإنما يريد قول النبى ﷺ لعلىّ رضوان الله عليه: أنت منى بمنزلة هرون من موسى. وقال الجاحظ: وكان يذهب أولا مذهب الشّراة، فدخل الكوفة وجلس إلى هشام بن الحكم الرافضى وسمع كلامه، فانتقل إلى الرفض، وأخبرنى من رآه على قبر الحسين بن على رضى الله عنهما ينشد قصيدته التى يقول فيها:
فما وجدت على الأكتاف منهمولا الأقفاء آثار النّصول
ولكنّ الوجوه بها كلوموفوق حجورهم مجرى السيول
أريق دم الحسين ولم يراعواوفى الأحياء أموات العقول
فدت نفسى جبينك من جبينجرى دمه على خد أسيل
أيخلو قلب ذى ورع ودينمن الأحزان والألم الطويل
وقد شرقت رماح بنى زيادبرىّ من دماء بنى الرسول
بتربة كربلاء لهم ديارنيام الأهل دارسة الطّلول
فأوصال الحسين ببطن قاعملاعب للدّبور وللقبول
تحيات ومغفرة وروحعلى تلك المحلة والحلول
برئنا يا رسول الله ممنأصابك بالأذيّة والدّحول
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع