من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ابنا المعذل
وقال أحمد بن المعذل:
أخو دنف رمته فأقصدتهسهام من جفونك لا تطيش
كئيب إن ترحّل عنه جيشمن البلوى ألمّ به جيوش
وكان أحمد بن المعذّل بن غيلان العبدى فى اللغة والبيان والأدب والحلاوة غاية.
قال: دخلت المدينة فتحملت على عبد الملك بن الماجشون برجل ليخصّنى ويعنى بى، فلما فاتحنى قال: ما تحتاج أنت إلى شفيع، معك من الحذاء والسقاء ما تأكل به لبّ الشجر، وتشرب صفّو الماء.
وكان أخوه عبد الصمد يؤذيه ويهجوه، فكتب إليه احمد: أما بعد فإنّ أعظم المكروه ما جاء من حيث يرجى المحبوب، وقد كنت مؤمّلا مرجوا، حتى شمل شرك، وعمّ أذاك، فصرت فيك كأبى العاقّ: إن عاش نغّصه، وإن مات نقصه، واعلم لقد خشّنت صدر أخ جيبه لك ناصح، والسلام.
وكان يقول له: أنت كالأصبع الزائدة: إن تركت شانت، وإن قطعت آلمت! ومثل هذا قول النعمان بن شمر الغسانى:
وصال أبى برد عناء، وتركهبلاء، فما أدرى به كيف أصنع
إذا زرته يومين ملّ زيارتىوإن غبت عنه ظلّت العين تدمع
وقول الضحاك بن همام الرقاشى:
وأنت امرؤ منا خلقت لغيرناحياتك لا ترجى وموتك فاجع
وأنت- على ما كان منك- ابن حرةوإنى لما يرضى به الخصم مانع
وفيك خصال صالحات يشينهالديك جفاء عنده الودّ ضائع
وقال بعض المحدثين:
إذا ساءنى فى القول والفعل جاهداوفى كلّ حال من أحب وأمحض
فياليت شعرى ما يعاملنى بهعلى كلّ ذنب من أعادى وأبغض
وقال أبو العباس المبرّد: وكان أحمد بن المعذّل من الأبّهة، والتمسك بالمنهاج، والتجنّب للعبث، والتعرّض للاشفاق لما فى أيدى الناس، وإظهار الزّهد فيه، والتباعد عنه، على غاية، حتى حمل فى فقهاء وأدباء من أهل البصرة؛ فأخذ الصلة غير ممتنع ولا منكر. ووصله إسحاق بن إبراهيم فقبل، واستدعى اجتباءه إياه، وتحلّى له جهده، فقال عبد الصمد:
عذيرى من أخ قد كان يبدىعلى من لابس السلطان عتبه
وكان يذمهم فى كلّ يومله بالجهل والهذيان خطبه
فلما أن أتته دريهماتمن السلطان باع بهنّ ربّه
وقال فيه:
لى أخ لا ترى لهسائلا غير عاتب
أجمع الناس كلّهمللئيم المذاهب
دون معروف كفّهلمس بعض الكواكب
ليت لى منك يا أخىجارة من محارب
نارها كلّ شتوةمثل نار الحباحب
ذهب إلى قول القطامى، وقول القطامى من خبيث الهجاء، وكان نزل بامرأة من محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، فذمّ مثواه عندها، فقال:
وإنى وإن كان المسافر نازلاوإن كان ذا حقّ على الناس واجب
فلابدّ أن الضيف يخبر ما رأىمخبّر أهل أو مخبّر صاحب
لمخبرك الأنباء عن أمّ منزلتضيّفتها بين العذيب فراسب
تلفّعت فى طلّ وريح تلفّنىإلى طرمساء غير ذات كواكب
إلى حيزبون توقد النار بعد ماتلفّعت الظلماء من كل جانب
تصلّى بها برد العشاء ولم تكنتخال وميض النار يبدو لراكب
[فما راعها إلا بغام مطيتىتريح بمحسود من الصوت لاغب]
فجنّت فنونا من دلاث مناخةومن رجل عارى الأشاجع شاحب
سرى فى حليك الليل حتى كأنماتخزّم بالأطراف شوك العقارب
تقول وقد قرّبت كورى وناقتىإليك، فلا تذعر علىّ ركائبى
فسلّمت والتسليم ليس يسرّهاولكنه حقّ على كل جانب
فردّت سلاما كارها ثم أعرضتكما انحاشت الأفعى مخافة ضارب
فلما تنازعنا الحديث سألتهامن الحىّ؟ قالت: معشر من محارب
من المشتوين القدّ مما تراهمجياعا وريف الناس ليس بناضب
فلما بدا حرمانها الضيف لم يكنعلىّ مبيت السوء ضربة لازب
وقمت إلى مهريّة قد تعوّدتيداها ورجلاها حثيث المراكب
إلا إنما نيران قيس إذا شتوالطارق ليل مثل نار الحباحب
ومحارب: قبيلة منسوبة إلى الضعف، وقد ضربت العرب بها المثل. قال الفرزدق لجرير:
وما استعهد الأقوام من زوج حرةمن الناس إلا منك أو من محارب
أى يأخذون العهد عليه أنه ليس من كليب ولا من محارب.
وقال أبو نواس فى قصيدته التى فخر فيها باليمانية وهجا قبائل معدّ:
وقيس عيلان لا أريد لهامن المخازى سوى محاربها
وكانت أم عبد الصمد بن المعذل طباخة، فكان أحمد يقول إذا بلغه هجاؤه: أم عبد الصمد ما عسيت أن أقول فيمن ألقح بين قدر وتنّور، ونشأ بين زق وطنبور ؟ وعبد الصمد ابن المعذل شاعر أهل البصرة فى وقته، وهو القائل:
تكلفنى إذلال نفسى لعزّهاوهان عليها أن أهان لتكرما
تقول: سل المعروف يحيى بن أكثمفقلت: سليه ربّ يحيى بن أكثما
قال أبو شراعة القيسى: كنت فى مجلس العتبى مع عبد الصمد بن المعذل، لأبى حكيمة نتذاكرنا أشعار المولدين فى الرقيق، فقال عبد الصمد: أنا أشعر الناس فيه وفى غيره، فقلت: أحذق منك والله بالرقيق الذى يقول، وهو راشد بن إسحاق أبو حكيمة الكوفى:
ومستوحش لم يمس فى دار غربةولكنّه ممن يحبّ غريب
طواه الهوى واستشعر الوصل غيرهفشطّت نواه والمزار قريب
سلام على الدار التى لا أزورهاوإن حلّها شخص إلىّ حبيب
وإن حجبت عن ناظرىّ ستورهاهوى تحسن الدّنيا به وتطيب
هوى تضحك اللذات عند حضورهويسخن طرف اللهو حين يغيب
تثنّى به الأعطاف حتى كأنهإذا اهتزّ من تحت الثياب قضيب
ألم تر صمتى حين يجرى حديثهوقد كنت أدعى باسمه فأجيب
رضيت بسعى الدهر بينى وبينهوإن لم يكن للعين فيه نصيب
أحاذر إن واصلته أن ينالنىوإياه سهم للفراق مصيب
أرى دون من أهوى عيونا تريبنىولا شك أنى عندهنّ مريب
أدارى جليسى بالتجلّد فى الهوىولى حين أخلو زفرة ونحيب
وأخبر عنه بالذى لا أحبّهفيضحك سنّى والفؤاد كئيب
مخافة أن تغرى بنا ألسن العدافيطمع فينا كاشح فيعيب
كأن مجال الطّرف فى كل ناظرعلى حركات العاشقين رقيب
أرى خطرات الشوق يبكين ذا الهوىويصبين عقل المرء وهو لبيب
وكم قد أذلّ الحبّ من متمنّعفأضحى وثوب العزّ منه سليب
وإن خضوع النفس فى طلب الهوىلأمر، إذا فكرت فيه، عجيب
فلم ينطق بحرف.
ولأبى شراعة يمدح بنى رياح:
بنى رياح أعاد الله نعمتكمخير المعاد وأسقى ربعكم ديما
فكم به من فتى حلو شمائلهيكاد ينهلّ من أعطافه كرما
لم يلبسوا نعمة لله مذ خلقواإلّا تلبّسها إخوانهم نعما
وفى إبراهيم بن رياح يقول عبد الصمد بن المعذل:
قد تركت الرياح يا بن رياحوهى حسرى إن هبّ منها نسيم
نهكت مالك الحقوق فأضحىلك مال نضو وفعل جسيم
وكان عبد الصمد [بن المعذل] متصلا بإبراهيم وبنيه، وأفاد منهم أموالا جليلة، واعتقد عقدا نفيسة، فما شكر ذلك ولا أصحبه بما يجب عليه من الثناء عند نكبته، وكان الواثق عزله عن ديوان الضياع، ودفعه إلى عمر بن فرج الرخجى، فحبسه فهجاه عبد الصمد.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: وكان عبد الصمد شديد الإقدام على ردىء السريرة فيما بينه وبين الناس، خبيث النيّة، يرصد صديقه بالمكروه، تقديرا أن يعاديه فيسوءه بأمر يعرفه؛ ولا يكاد يسلم لأحد، وكان مشهورا فى ذلك الأمر، يلبس عليه، ويحمل على معرفة، عجبا بظرف لسانه، وطيب مجلسه، وأيضا لقبح مسبّته، وشائن معرّته.
قال أبو العيناء: ولما حبس الواثق إبراهيم بن رياح، وكان لى صديقا، صنعت له هذا الخبر رجاء أن ينتهى إلى أمير المؤمنين فينتفع به، فأخبرنى زيد بن على ابن الحسين أنه كان عند الواثق حين قرىء عليه فضحك واستظرفه. وقال: ما صنع هذا كلّه أبو العيناء إلا فى سبب إبراهيم بن رياح، وأمر بتخليته، والخبر: قال لقيت أعرابيا من بنى كلاب فقلت له: ما عندك من خبر هذا العسكر؟ فقال:
قتل أرضا عالمها، قال: فقلت: فما عندك من خبر الخليفة؟ قال: بخبخ بعزه، وضرب
بجرانه، وأخذ الدرهم من مصره، وأرهف قلم كلّ كاتب بجبايته. قلت: فما عندك فى أحمد بن أبى دواد؟ قال: عضلة لا تطاق، وجندلة لا ترام، ينتحى بالمدى لتحزه فيجور، وتنصب له الحبائل حتى تقول: الآن، ثم يضبر ضبرة الذئب، ويخرج خروج الضب، والخليفة يحنو عليه، والقرآن آخذ بضبعيه. قلت:
فما عندك فى عمر بن فرج؟ قال: ضخم حضجر، غضوب هزبر. قد أهدفه القوم لبغيهم، وانتضلوا له عن قسيّهم، وأحر له بمثل مصرع من يصرع.
قلت: فما عندك فى خبر اين الزّيات؟ قال: ذلك رجل وسع الورى شره، وبطن بالأمور خيره. فله فى كل يوم صريع، لا يظهر فيه أثر ناب ولا مخلب، إلا بتسديد الرأى.
قلت: فما عندك فى خبر إبراهيم بن رياح! قال: ذاك رجل أوبقه كرمه، وإن يفز للكرام قدح، فأحر بمنجاته، ومعه دعاء لا يخذله، وربّ لا يسلمه، وفوقه خليفة لا يظلمه. قلت: فما عندك فى خبر نجاح بن سلمة؟ قال: لله دره من ناقض أوتار، يتوقد كأنه شعلة نار، له فى الفينة بعد الفينة، عند الخليفة خلسة كخلسة السارق، أو كحسوة الطائر، يقوم عنها وقد أفاد نعما، وأوقع نقما. قلت: فما عندك فى خبر ابن الوزير؟ قال: إخاله كبش الزنادقة، ألا ترى أنّ الخليفة إذا أهمله خضم ورتع، وإذا أمر بتقصيه أمطر فأمرع. قلت: فما عندك من خبر الخصيب أحمد] ؟
قال: ذاك أحمق، أكل أكلة نهم، فاختلف اختلاف بثم. قلت: فما عندك فى خبر المعلى بن أيوب؟ قال: ذاك رجل قدّ من صخرة، فصبره صبرها، ومسّه مسّها، وكلّ ما فيه بعد فمنها ولها. قلت: فما عندك من خبر أحمد بن إسرائيل؟ قال: كتوم غرور، وجلد صبور، رجل جلده جلد نمر، كلما خرقوا له إهابا، أنشأ الله له إهابا.
قلت: فما عندك من خبر الحسن بن وهب؟ قال: ذاك رجل اتخذ السلطان أخا،
فاتخذه السلطان عبدا، قال: قلت: فما عندك من خبر أخيه سليمان بن وهب؟
قال: شدّ ما استوفيت مسألتك أيها الرجل! ذاك حرمة حبست مع صواحباتها فى جريرة محرمة، ليس من القوم فى ورد ولا صدر، هيهات:
كتب القتل والقتال عليناوعلى الغانيات جرّ الذيول
قال: قلت: فما عندك من خبر عبد الله بن يعقوب؟ قال: أموات غير أحياء، وما يشعرون أيّان يبعثون.
قلت: فأين نزلت فأؤمّك؟ قال: مالى ينزل تأمّه. أنا أستتر فى الليل إذا عسعس، وأنتشر فى الصبح إذا تنفّس.
ومن مليح شعر راشد بن إسحاق بن راشد، وهو أبو حكيمة، وكان قوىّ أسر الشعر:
تحيرت فى أمرى وإنى لواقفأجيل وجوه الرأى فيك وما أدرى
أأعزم عزم اليأس فالموت راحةأم اقنع بالإعراض والنّظر الشّزر
وإنى وإن أعرضت عنك لمنطوعلى حرق بين الجوانح والصدر
إذا هاج شوقى مثّلتك لى المنىفألقاك ما بينى وبينك فى ستر
فديتك لم أصبر ولى فيك حيلةولكن دعانى اليأس فيك إلى الصبر
تصبّرت مغلوبا وإنى لموجعكما صبر الظمآن فى البلد القفر
وقال:
عتبت عليك فى قطع العتابفما عطفتك ألسنة العتاب
وفيما صرت تظهر لى دليلعلى عتب الضمير المستراب
وما خطرت دواعى الشوق إلّاهززت إليك أجنحة التصابى
وقال أيضا:
ضحكت ولو تدرين ما بى من الهوىبكيت لمحزون الفؤاد كثيب
لمن لم ترح عيناه من فيض عبرةولا قلبه من زفرة ونحيب
لمستأنس بالهمّ فى دار وحشةغريب الهوى باك لكلّ غريب
ألا بأبى العيش الذى بان فانقضىوما كان من حسن هناك وطيب
ليالى يدعونا الصّبا فنجيبهونأخذ من لذّاته بنصيب
نردّد مستور الأحاديث بينناعلى غفلة من كاشح ورقيب
إلى أن جرى صرف الحوادث فى الهوىفبدّل منها مشهد بمغيب
وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره، صنت الكتاب عن ذكره.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع