أمن ازديارك في الدجى الرقباء
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
سند النص: قوبِل ٤٢ بيتًا من هذا النصّ على روايته في «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» و«الصبح المنبي عن حيثية المتنبي» و«المنصف للسارق والمسروق منه» · آخر مراجعة ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
عن القصيدة
«أمن ازديارك في الدجى الرقباء» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤٧ بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الهمزة.
بحر الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن · قصائد أخرى رويّها الهمزة
من هذه القصيدة في كتب التراث
- «يتيمة الدهر»: الباب الخامس، في ذكر أبي الطيب المتنبي وما له وما عليه، الأبيات ٥ و٦ و٨ و١٠ وغيرها
- «خزانة الأدب»: كأن حواميه مدبرا، البيت ٧
- «رسائل البلغاء»: رب أعن برحمتك، البيت ١٠
- «جواهر البلاغة»: (٤) المبحث الرابع: في تقسيم التشبيه باعتبار وجه الشبه، البيت ٤٤
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: شعر المتنبي، الأبيات ٤ و٥ و٦ و٨ وغيرها
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: سرقات المتنبي، الأبيات ٦ و٩ و٢٦ و٢٨ وغيرها
- «أسرار البلاغة»: الاتفاق في الأخذ والسرقة، البيت ٤٤
- «المنتحل»: الباب الأول في الخط والكتابة والبلاغة نظما، البيت ١٨
معنى قول المتنبي
أَسَفي عَلى أَسَفي الَّذي دَلَّهتِني
عَن عِلمِهِ فَبِهِ عَلَيَّ خَفاءُ
قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول إنما اتأسف على أنك شغلتني عن معرفة الأسف حتى خفى عليّ ما الأسف لأنك أذهبت عقلي وإنما تعرف الأشياء بالعقل والمدله الذي ذهب عقله والمعنى إني أحزن لذهاب عقلي لما لقيت في هواك من الشدة والجهد
شرح القصيدة بيتًا بيتًا
- ١
أَمِنَ اِزدَيارَكِ في الدُجى الرُقَباءُ
إِذ حَيثُ أَنتِ مِنَ الظَلامِ ضِياءُ
الواحدي: يقول أمن رقباءك أن تزوريني ليلا إذ حيث أنت ضياء بدلا من الظلام يعني في الليل وأنت ابتداء وضياء خبره وهما جملة أضيف حيث إليها ومن ههنا للبدل لأن الضياء لا يكون من نجنس الظلام ويروى إذ حيث كنت وعلى هذا ضياء ابتداء وخبره محذوف على تقدير حيث كنت من الظلام ضياء هناك وكان لا يحتاج إلى خبر لأنه في معنى حصلت ووقعت وإذا ظف لمن يقول امنوا ذاك حيث كنت بهذه الصفة ولم يفسر أحد من إعراب هذا البيت ما فسرته وكان هذا البيت بكرا إلى هذا الوقت والمعنى أنها لكونها نورا وضياء لا تخرج ليلا لأن الرقباء يشعرون بخروجها حين يرون الظلام ضياء وهذا من قول عليّ بن جبلة، بأبي من زارني مكتتما، حذراً من كل واشٍ فزعا، طارقا نم عليه نوره، كيف يخفى الليل بدراً طلعا، ثم قال أيضا، رصد الخلوة حتى أمكنت، ورعى السامر حتى هجعا، كابد الأهوال في زورته، ثم ما سلم حتى ودعا، ثم أكد هذا المعنى فزاد فيه وقال
العكبري: هَذَا من الْكَامِل متفاعلن متفاعلن متفاعلن وَهُوَ ضرب من الْمَقْطُوع الْإِعْرَاب يرْوى أَنْت من الظلام ضِيَاء فَيكون مُبْتَدأ وخبرا وَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة إِذْ حَيْثُ كنت فَيكون ضِيَاء ابْتِدَاء وَخَبره حَيْثُ وَتَقْدِيره الضياء حَيْثُ كنت مُسْتَقر وَهُوَ الْعَامِل فِي حَيْثُ وَإِذا ظرف للأمن تَقْدِيره أمنُوا ذَاك إِذْ كنت بِهَذِهِ الصّفة وَقَالَ الواحدى ضِيَاء ابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره ضِيَاء هُنَاكَ وَكَانَ لَا تحْتَاج إِلَى خبر لِأَنَّهَا فِي معنى حصلت وَوَقعت قَالَ وَلم يُفَسر أحد هَذَا الْبَيْت بِمَا فسرته وَكَانَ بكرا إِلَى هَذَا الْوَقْت انْتهى كَلَامه وَقَالَ غَيره ضِيَاء مُبْتَدأ وَحَيْثُ كنت من الظلام خَبره وَإِذ مُضَافَة إِلَى هَذِه الْجُمْلَة وَمن الظلام حَال من حَيْثُ تَقْدِيره إِذْ ضِيَاء بمَكَان كونك وحصولك من الظلام وَيجوز رفع حَيْثُ على الِابْتِدَاء وَنَقله عَن الظَّرْفِيَّة وَهُوَ مبْنى الْغَرِيب الازديار افتعال من الزِّيَارَة والدجى والدجية ظلمَة اللَّيْل والرقباء جمع رَقِيب وَهُوَ الْحَافِظ النَّاظر الحارس كشريف وشرفاء وظريف وظرفاء وفقيه وفقهاء وشهيد وشهداء وكريم وكرماء وسفيه وسفهاء الْمَعْنى يُرِيد أَن الرقباء قد أمنُوا أَن تزورينى لَيْلًا لِأَنَّك بدل من الضياء فِي اللَّيْل لِأَن نورك يزِيل الظلمَة كَمَا يزيلها نور الصُّبْح وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أَبى نواس (تَرَى حَيْثُمَا كانَتْ مِنَ البيْتِ مَشْرِقا ... وَمَا لَمْ تَكْنْ فِيه مِنَ البيْتش مَغْرِبا)
- ٢
قَلَقُ المَليحَةِ وَهيَ مِسكٌ هَتكُها
وَمَسيرُها في اللَيلِ وَهيَ ذُكاءُ
الواحدي: قال ابن فورجة الهتك مصدر فعل متعد ولو أتى بمصدر لازم كان أقرب إلى الفهم كأنه قال انتهاكها ولكنه راعى الوزن وقوله ومسيرها مبتدأ معطوف على قلق وخبره محذوف للعمل به كأنه يقول ومسيرها بالليل هتك لها أيضا غذ كانت ذكاء ومثل هذا المعنى كثير في شعر المحدثين وقوله وهي مسك زيادة على كثير من الشعراء إذ لم يجعل هتكها من قبل الطيب الذي استعملته بل جعل نفسها مسكا وكأنه من قول امرء القيس، وجدت بها طيبا وإن لم تطيب، وقال آخر، وتوق الطيب ليلتنا، إنه واشٍ إذا سطعا، هذا كلامه ويريد بالقلق حركتها وخروجها والواو في وهي مسك وهي ذكاء للحال وذكاء اسم للشمس معرفة لا تنصرف وهو مثل خضارة وأسامة وهنيدة وشعوب ومن هذا المعنى قول البحتري، وحاولن كتمان الترحل بالدجى، فنم بهن المسك حتى تضوعا، وقوله أيضا، وكان العبير بها واشياً، وجرس الحلي عليها رقيبا، وقول آخر، فأخفوا على تلك المطايا مسيرهم، فنم عليهم في الظلام التبسم، وزاد أبو المطاع بن ناصر الدولة على الجميع في قوله، ثلاثة منعتني من زيارتها، وقد دجا الليل خوف الكاشح الحنق، ضوء الجبين ووسواس الحلي وما، يفوح من عرق كالعنبر العبق، هب الجبين بفضل الكم تستره، والحلي تنزعه من الشأن في العرق،
العكبري: الْإِعْرَاب قلق ابْتِدَاء وَخَبره هتكها ومسيرها عطف عَلَيْهِ وَخَبره مَحْذُوف للْعلم بِهِ يُرِيد ومسيرها فِي اللَّيْل هتك لَهَا والواوان فِي وهى مسك وهى ذكاء للْحَال وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بِالْمَصْدَرِ الْغَرِيب ذكاء اسْم للشمس معرفَة لَا ينْصَرف مثل هنيدة وشعوب الْمَعْنى قَالَ ابْن فورجه الهتك مصدر مُتَعَدٍّ وَلَو أَتَى بمصدر لَازم لَكَانَ أقرب إِلَى الْفَهم بِأَن قَالَ انهتاكها وَلكنه رَاعى الْوَزْن وَمثل هَذَا الْمَعْنى كثير فِي شعر الْمُحدثين وَقَوله وهى مسك زِيَادَة على كثير من الشُّعَرَاء إِذْ لم يَجْعَل هتكها من قبل الطّيب الذى استعملته بل جعل الْمسك نَفسهَا فَكَأَنَّهُ من قَول امْرِئ الْقَيْس (وَجَدْتَ بِها طيِبا وَإنْ لَمْ تَطَيًّبِ ... ) وَقَول آخر: (درّة كيفَما أُدِِيرَتْ أضاءَتْ ... ومَشَمٌّ مِنْ حيثُما شُمَّ فاحاَ) وَمثله قَول بشار (وتَوَقَّ الطِّيبَ لَيْلَتَنا ... إنَّهُ وَاشٍ إذَا سَطَعا) انْتهى كَلَامه يُرِيد بالقلق حركتها وَهَذَا من قَول البحترى (وَحاوَلْنَ كِتمانَ التَّرَحُّل فِي الدُّجَى ... فَنَّم بِهِنَّ المِسْكُ لَمَّا تَضَوَّعا) وَكَقَوْلِه أَيْضا (وكانَ العَبيرُ بِها وَاشِيا ... وجَرْسُ الحُلِىّ عَلَيْهَا رَقِيباً) وَقَالَ آخر (وأخْفَوْا على تلكَ المَطايا مَسِيرَهم ... فَنَمَّ عَليهم فِي الظَّلام التَّبسُّمُ) وَقَول على بن جبلة (بِأبى مَنْ زَارَنِى مُكْتَتِما ... حَذِراً مِنْ كُلّ شًىْءْ فَزِعا) (طارَقُ نَمَّ عَليهِ نُورُهُ ... كَيْفَ يُخْفِى اللَّيلُ بَدراً طلعَا) (رَصَدَ الخَلْوَة حَتَّى أمْكَنَتْ ... وَرَعَى السَّامِرَ حَتَّى هَجَعَا) (كابَدَ الأهْوَالَ فِي زَوْرَتِه ... ثُمَّ مَا سَلَّمَ حَتَّى وَدّعا) وَقَالَ أَبُو المطاع بن نَاصِر الدولة وَأحسن (ثَلاثَةٌ مَنَعَتْها مِنْ زِيارَتِنا ... وقَدْ دَجا الليَّلُ خوْفَ الْكَاشِح الحَنِق) (ضَوْءُ الجَبينِ وَوَسْوَاسُ الحُلِىّ وَما ... يَفوحُ مِنْ عَرَقٍ كالعَنبر العَبِقِ) (هَبِ الحَبينَ بفَضْل الكُمّ تَسْتُرُهُ ... والحَلْىَ تَنْزِعه مَا لشأنُ فِي العرَق)
- ٣
أَسَفي عَلى أَسَفي الَّذي دَلَّهتِني
عَن عِلمِهِ فَبِهِ عَلَيَّ خَفاءُ
الواحدي: يقول إنما اتأسف على أنك شغلتني عن معرفة الأسف حتى خفى عليّ ما الأسف لأنك أذهبت عقلي وإنما تعرف الأشياء بالعقل والمدله الذي ذهب عقله والمعنى إني أحزن لذهاب عقلي لما لقيت في هواك من الشدة والجهد
العكبري: الْإِعْرَاب خَفَاء ابْتِدَاء تقدم عَلَيْهِ خَبره وَهُوَ الْجَار وَالْمَجْرُور وحرف الْجَرّ الأول يتَعَلَّق بِالْمَصْدَرِ وحرفا الْجَرّ الأخيران متعلقان بِالْمَصْدَرِ الذى هُوَ خَفَاء الْغَرِيب الْمَدّ لَهُ الذى ذهب عقله والأسف الْحزن وأسف يأسف أسفا إِذا حزن الْمَعْنى يَقُول إنى أَحْزَن لذهاب عقلى لما لقِيت فِي هَوَاك من الشدَّة والجهد حَتَّى إننى قد خفى على حزنى وَإِنَّمَا أتأسف على أَنَّك شغلتنى عَن معرفَة الأسف حَتَّى خفى على مَا الأسف لِأَنَّك أذهب عقلى وَإِنَّمَا تعرف الْأَشْيَاء بِالْعقلِ
- ٤
وَشَكِيَّتي فَقدُ السَقامِ لِأَنَّهُ
قَد كانَ لَمّا كانَ لي أَعضاءُ
الواحدي: الشكية كالشكاية يقول إنما اشكو عدم السقم لأن السقم إنما كان حين كانت لي أعضاء يحلها السقم فأحسه بأعضاءي فإذا ذهب بالإعضاء الجهد الذي اصابني في هواك لم يبق محل يحله السقم قد بين هذا المعنى أبو الفتح البستي في قوله، ولو أبقى فراقك لي فوادا، وجفناً كنت أجزع من سهاد، ولكن لا رقاد بغير جفن، كما لا وجد إلا بالفواد،
العكبري: الْغَرِيب الشكية والشكوى والشكاية بِمَعْنى وهى مصدر اشْتَكَى الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا أشتكى عدم السقم لِأَن السقم كَانَ حَيْثُ كَانَت لى أعشاء يحلهَا السقم فأحسه باعضائي وَإِذا ذهبت الْأَعْضَاء بالجهد الذى أصابني فِي هَوَاك لم يبْق مَحل يحله السقم وَالْمعْنَى أَنه يطْلب أعضاءه لَا السقام فَلَمَّا ذهبت أعضاؤه الَّتِى يجد بهَا السقام شكا فَقده لِأَن السقم مَوْجُود والفانى مَعْدُوم وَقد بَين هَذَا أَبُو الْفَتْح البستى بقوله (وَلَو أبْقى فِرَاقُكَ لى فُؤَاداً ... وجَفْنا كُنْتُ أجْزَعُ مِنْ سُهادى) (ولَكِنْ لَا رُقادَ بغَيْرِ جَفْنٍ ... كَمَا لَا وَجْدَ إلَاّ بالفُؤّادِ)
- ٥
مَثَّلتِ عَينَكِ في حَشايَ جِراحَةً
فَتَشابَها كِلتاهُما نَجلاءُ
الواحدي: يقول لما نظرت إليّ صورت في قلبي مثال عينك جراحة تشبه عينك في السعة ولم يقل تشابهتها حملا على المعنى كأنه قال فتشابه المذكوران أو الشيئان أو ذهب بالعين إلى العضو وبالجراحة إلى الجرح كما قال، إن السماحة والمروة ضمنا، قبراً بمرو على الطريق الواضح، فذهب بالسماحة إلى السخاء وبالمروة إلى الكرم ولم يقل نجلاوان كان لفظ كلتا واحد مؤنث كقوله عز وجل كلتا الجنتين أتت أكلها
العكبري: الْإِعْرَاب كلتاهما فِي مَوضِع نصب على الْحَال تَقْدِيره فتشابها نجلاوين وَيجوز أَن يكون لَا مَوضِع لَهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿سيقولون ثَلَاثَة رابعهم كلبهم﴾ فَهَذِهِ جملَة لَا مَوضِع لَهَا وقلوه فتشابها كَانَ حَقه أَن يكون فتشابهتا وَلَكِن حمل الْجراحَة على الْجرْح وَالْعين على الْعُضْو فَقَالَ تشابها أى الْمَذْكُورَان أَو الشيئان كَقَوْل زِيَاد (إنّ السَّماحَةَ والمُرُوءَةَ ضمُنِّا ... قبراً بمَرْوَ على الطَّرِيقِ الوَاضحِ) ذهب بالسماحة إِلَى السخاء وبالمروءة إِلَى الْكَرم وَلم يقل نجلاوان لِأَن لفظ كلتا وَاحِد مؤنث كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كلتا الجنتين آتت أكلهَا﴾ الْغَرِيب النجلاء الواسعة وطعنة نجلاء وَاسِعَة الْمَعْنى يَقُول لما نظرت إِلَى صورت فِي قلبى مِثَال عَيْنَيْك جِرَاحَة تشبه عَيْنَيْك فِي السعَة
- ٦
نَفَذَت عَلَيَّ السابِرِيَّ وَرُبَّما
تَندَقُّ فيهِ الصَعدَةُ السَمراءُ
الواحدي: السابري الثوب الرقيق يقول نفذت عينك من ثوبي إلى قلبي فجرحته، وربما كان الرمح يندق فيه أي لا يصل إليّ ويندق قبل وصوله إليّ كما ذكرنا في قوله، طوال الردينيات يقصفها دمي، لأن هيبته في القلوب تمنع من نفوذ الرمح في قميصه ولأن الشجاع موقى ويجوز أن يريد بالسابري الدرع فيكون المعنى نفذت نظرتك الدرع إلى قلبي يريد أن الدرع لم تحصنه من نظرتها وهي تحصنه من الرمح
العكبري: الْغَرِيب الصعدة الْقَنَاة الَّتِي نَبتَت معتدلة فَلَا تحْتَاج إِلَى تَقْوِيم والسابرى الدرْع الْعَظِيمَة الَّتِى لَا ينفذها شئ وَقيل السابرى الثَّوْب الرَّقِيق الْمَعْنى يُرِيد أَن عَيْنك نفذت إِلَى قلبى فجرحته وَرُبمَا كَانَ الرمْح لَا يصل إِلَيْهِ ويندق دونه قبل وُصُوله إِلَى كَمَا قَالَ (طول الردينيات يقصفها دمى ... ) لِأَن هيبته فِي الْقُلُوب تمنع من نُفُوذ الرمْح فِي ثَوْبه وَلِأَن الشجاع موقى هَذَا على تَفْسِير من جعل السابرى الثَّوْب الرَّقِيق وَمن قَالَ إِن السابرى الدرْع الَّتِى لَا ينفذها شئ يكون الْمَعْنى نفذت نظرتك الدرْع إِلَى قلبى وَإِن الدرْع لم يحصنه من نظرتها وهى تحصنه من الرمْح والدرع يذكر وَيُؤَنث وَمن ذكره يُرِيد بِهِ الْحَدِيد وَقد ذكره الراجز بقوله (كأنَّه فِي الدّرْعِ ذِى التَّغضُّنِ ... )
- ٧
أَنا صَخرَةُ الوادي إِذا ما زوحِمَت
وَإِذا نَطَقتُ فَإِنَّني الجَوزاءُ
الواحدي: يقول إذا زوحمت لم يقدر على ازالتي عن موضعي كهذه الصخرة التي رسخت فلا تزول عن موضعها وإذا نطقت كنت في علو المنطق الجوزاء يريد أن كلامه علويّ ويقال أن الجوزاء بنت عطارد يقول مني يستفاد البراعات ويقتبس الفضل كما أن الجوزاء تعطى من يولد فيها البراعة والنطق
العكبري: الْمَعْنى خص صَخْرَة الوادى لصلابتها بِمَا يرد عَلَيْهَا من السُّيُول يُرِيد إننى فِي الشدَّة كشدة الصخر وَفِي علو الْمنطق كالجوزاء يُرِيد إِذا زوحمت لم يقدر على وَلَا على إزالتى عَن موضعى كهذه الصَّخْرَة الَّتِى رسخت فِي المَاء فَلَا تَزُول عَن موضعهَا وَإِذا انْطَلَقت كنت فى علو الْمنطق كالجوزاء وَقيل الْمَعْنى منى تستفاد البراعات ويُقتبس الْفضل كَمَا أَن الجوزاء تُعْطى من يُولد بعطارد فِي بَيت الجوزاء البراعة والمنطق
- ٨
وَإِذا خَفيتُ عَلى الغَبِيِّ فَعاذِرٌ
أَن لا تَراني مُقلَةٌ عَمياءُ
الواحدي: يقول إذا خفى مكاني على الجاهل فلم يعرف قدري ولم يقر بفضلي فأنا عاذر له لأن الجاهل كالأعمى والمقلة العمياء إن لم ترني كانت في عذر من عماها كذلك الجاهل
العكبري: الْإِعْرَاب أَن فِي مَوضِع نصب على حذف الْخَافِض وَعند الْخَلِيل والكسائى فِي مَوضِع خفض وهى أَن المخففة من الثَّقِيلَة وتكتب مُنْفَصِلَة لَا مُتَّصِلَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِذا خفى مَكَانَهُ على الغبى وَهُوَ الْجَاهِل الذى لَا يعرف شَيْئا وَلم يعرف قدرى وَلم يقر بفضلى فَأَنا أعذره لِأَن الْجَاهِل كالعمى والمقلة العمياء إِن لم تَرَ فهى فِي عذر لعماها وَكَذَلِكَ الْجَاهِل الذى يجهلنى ويجهل قدرى وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول الشَّاعِر (وَقد بَهَرْتُ فمَا أخْفَى على أحَدٍ ... إِلَّا على أكْمَهْ لَا يعْرِفُ القَمَرَا)
- ٩
شِيَمُ اللَيالي أَن تُشَكِّكَ ناقَتي
صَدري بِها أَفضى أَمِ البَيداءُ
الواحدي: قال ابن جنى من عادات الليالي أن توقع لناقتي الشك أصدري أوسع أم البيداء لما ترى من سعة قلبي وبعد مطلبي وهذا إنما يصح لو لم يكن في البيت بها وإذا رددت الكناية في بها إلى الليالي بطل ما قال لأن المعنى صدري بالليالي وحوادثها وما تورده علي من مشقة الأسفار وقطع المفاوز أوسع أم البيداء وناقتي تشاهد ما أقاسي في السفر وصبري عليه فيقع لها الشك في أن صدري أوسع أم البيداء وعلى هذا أفضي أفعل من الفضاء كما يقال أوسع وتشبيه الصدر في السعة بالمفازة عادة الشعراء كما قال أبو تمام، ورحب صدر لو أن الأرض واسعة، كوسعه يضق عن أهله بلد، وقال البحتري، مفازة صدر لو تطرق لم يكن، ليسلكه فردا سليك المقانب، وقال أيضا، كريم إذا ضاق الزمان فإنه، يضل الفضاء الرحب في صدره الرحب، وقال قوم الكناية تعود إلى الناقة ومعنى أفضى بها أي أداها إلى الهزال صدري أم البيداء فمرة تقول لولا سعة صدره من حيث الهمة وبعد المطلب لما أتعبني في السفر ومرة تقول البيداء هي التي تذهب لحمي وتؤديني إلى الهزال وعلى هذا افضى فعل ويجوز أن يكون إسما وإن عادت الكناية إلى الناقة فالمعنى أن ناقتي قوية نجيبة يضن بمثلها ولا تهزل في السفر وهي ترى إتعابي إياها وإسادي عليها في الأسفار فتقول صدره أوسع بي حيث طابت نفسه بغهلاكي أم البيداء أي لولا أن له صدرا في السعة كالبيداء لم تطب اوسع نفسه بإهلاكي والقول هو الأول في معنى البيت وهو رد الكناية إلى الليالي وأراد أصدري فحذف ألف الاستفهام لدلالة أم عليه ولم يشرح أحد هذا البيت كما شرحته
العكبري: الْإِعْرَاب أَن فِي مَوضِع رفع خبر الِابْتِدَاء وصدرى يُرِيد أصدرى فَحذف همزَة الِاسْتِفْهَام ضَرُورَة وَدلّ عَلَيْهَا قَوْله أم الْبَيْدَاء قَالَ عمر بن أبي ربيعَة (فوَاللهِ مَا أدرِى وإنْ كنتُ دارِيا ... بسَبْعٍ رَمَيْن الجَمْر أم بثَمانِ) يُرِيد أبسبع كَذَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ الْغَرِيب الْبَيْدَاء الأَرْض الواسعة الْعَظِيمَة وَسميت بيداء لِأَن من سلكها باد والشيمة الْعَادة يُقَال شيمته كَذَا أى عَادَته الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى من عَادَة الليالى أَن توقع لناقتى الشَّك فِي أصدرى أوسع أم الْبَيْدَاء لما ترى من سَعَة صدرى وَبعد مطلبى قَالَ الواحدى وَهَذَا إِنَّمَا يَصح لَو لم يكن فى الْبَيْت بهَا وَإِذا رددت الْكِنَايَة إِلَى الليالى بَطل مَا قَالَ لِأَن الْمَعْنى صدرى بالليالى وحوادثها وَمَا تورده على من مشقة الْأَسْفَار وَقطع المفاوز أوسع من الْبَيْدَاء وناقتى تشاهد مَا أقاسى من السّفر وصبرى عَلَيْهِ فَيَقَع لَهَا الشَّك فِي أَن صدرى أوسع أم الْبَيْدَاء وعَلى هَذَا أفْضى أفعل كَمَا يُقَال أوسع انْتهى كَلَامه وَقَالَ غَيره أفْضى يحْتَمل أَن يكون اسْما وَأَن يكون فعلا فَإِن كَانَ اسْما فَهُوَ على معنى التَّفْضِيل أى أصدرى بهَا أفْضى أم الْبَيْدَاء فَإِن كَانَ فعلا فَمَعْنَاه أصدرى يفضى أى ينتهى بِهَذِهِ النَّاقة إِلَى الفضاء أم الْبَيْدَاء وَبِنَاء أفْضى للْمُبَالَغَة وَإِن كَانَ ماضيه متجاوز الثَّلَاثَة وتشكك أى لَا تدرى هَذِه النَّاقة أصدرى أوسع أم الْبَيْدَاء وتشبيه الصَّدْر بالمفازة فى السعَة عَادَة الشُّعَرَاء قَالَ حبيب (ورُحْب صَدرْ لَو أنَ الأَرْض واسعةٌ ... كوُسْعِهِ لم يَضِقْ عَنْ أهلِه بَلَدُ) وَقَالَ البحترى (كَريمٌ إِذا ضَاقَ الزَّمانُ فإنَّه ... يضلُّ الفضاءُ الرَّحبُ فِي صَدره الرّحبِ) وَقَالَ قوم الْكِنَايَة تعود على النَّاقة وَمعنى افضى بهَا أى أدّى بهَا إِلَى الهزال صدرى أم الْبَيْدَاء فَمرَّة تَقول لَوْلَا سَعَة صَدره من حَيْثُ الهمة وَبعد الْمطلب لما أتعبنى السّفر وَمرَّة تَقول الْبَيْدَاء هى الَّتِى تذْهب لحمى وتؤدينى إِلَى الهزال وعَلى هَذَا أفْضى فعل وَيجوز أَن يكون اسْما وَإِن عَادَتْ الْكِنَايَة إِلَى النَّاقة وَالْمعْنَى أَن ناقتى قَوِيَّة نجيبة يضن بِمِثْلِهَا وَلَا تهزل فِي السّفر وهى ترى إتعابى إِيَّاهَا واستنادى عَلَيْهَا فِي الْأَسْفَار فَتَقول صَدره أوسع بى حَيْثُ طابت نَفسه بإهلاكى أم الْبَيْدَاء لَوْلَا أَن لَهُ صَدرا فى السعَة كالبيداء لم تطب نَفسه بإهلاكى وَالْقَوْل هُوَ الأول فِي الْبَيْت وَهُوَ رد الْكِتَابَة إِلَى الليالى كَذَا قَالَ الواحدى قَالَ وَلم يشرحه أحد مثل شرحى لَهُ
- ١٠
فَتَبيتُ تُسئِدُ مُسئِداً في نَيِّها
إِسآدَها في المَهمَهِ الإِنضاءُ
الواحدي: الإسآد إسراع السير والني الشحم والسمن والإنضاء مصدر إنضاه ينضيه إذا هزله ومسئدا حال من الناقة وهو اسم فاعل وفاعله الإنضاء يقول تبيت ناقتي تسير سائرا في جسدها الهزال سيرها في المهمة وأقام الإنضاء مقام الهزال للقافية والإنضاء فعل أبي الطيب بها لأنه ينضيها وكان الأولى أن يجعل مكان الإنضاء مصدر فعل لازم فيكون أقرب إلى الفهم وتقدير البيت ومعناه تبيت هذه الناقة تسئد مسئدا الإنضاء في نيها إسآدا مثل إسآدها في المهمة ومسئد فعل للإنضاء وجرى حالا على الناقة لما تعلق به من ضميرها الذي في نيها كما تقول مررت بهند واقفا عندها عمرو
العكبري: الْإِعْرَاب مسئدا حَال مِنْهَا وإسآدها نصب على الْمصدر والناصب لَهُ مسئدا ومسئدا اسْم فَاعل وفاعله الإنضاء وَتَقْدِير الْبَيْت تبيت هَذِه النَّاقة تسئد مسئدا الإنضاء فِي نيها إسآدا مثل إسآدها فِي المهمه ومسئد أجْرى حَالا على النَّاقة لما تعلق بِهِ من ضميرها الذى فى نيها كَمَا تَقول مَرَرْت بهند وَاقِفًا عِنْدهَا زيد الْغَرِيب الإسآد إسراع السّير فِي اللَّيْل خَاصَّة والنى الشَّحْم والمهمه الأَرْض الواسعة الْبَعِيدَة والإنضاء مصدر أنضاه ينضيه إِذا هزله وَالْمعْنَى أَن المهمه ينضيها كَمَا تنضيه الْمَعْنى أَن هَذِه النَّاقة تبيت تسير سائرا فِي جَسدهَا الهزال سَيرهَا فِي المهمة وَأقَام الإنضاء مقَام الهزال للقافية وَكَانَ الأولى أَن يَجْعَل مَكَان الإنضاء مصدر فعل لَازم ليَكُون أقرب إِلَى الْفَهم وَهَذَا من قَول حبيب (رَعَتْهُ الفَيافِى بعدَ مَا كانَ حِقْبَةً ... رَعاها وماُ الرَّوْضِ يَنْهَلُ ساكبُهْ)
- ١١
أَنساعُها مَمغوطَةٌ وَخِفافُها
مَنكوحَةٌ وَطَريقُها عَذراءُ
الواحدي: النسع سير كهيئة العنان يشد به الرحل والمغط المد وذلك كناية عن عظم بطن الناقة حين امتدت انساعها فطالت وخفافها منكوحة مثقوبة بالحصى وكنى بهذا عن وعورة الطريق وطريقها عذراء لم يسلك قبلها
العكبري: الْغَرِيب الأنساع سيور وَاحِدهَا نسع يشد بِهِ الرحل والمغط الْمَدّ الْمَعْنى أَنه يُرِيد عظم بطن النَّاقة حِين امتدت أنساعها وطالت وَيُرِيد أَن خفافها مَنْكُوحَة مثقوبة بالحصى وَهُوَ كِنَايَة عَن وعور الطَّرِيق ومنكوحة أى دمية من الْحَصَى واستعار النِّكَاح لوطئها الأَرْض وإدماء الْحَصَى إِيَّاهَا والعذراء الَّتِى لم تفتض وَأَرَادَ أَن طريقها لم يسلكها أحد وَالطَّرِيق تذكر وتؤنث قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الْمُنعم بن صَالح النحوى عِنْد قراءتى عَلَيْهِ هَذَا الدِّيوَان وَقد وصلت إِلَى هَذَا الْبَيْت سألنى الْملك الْكَامِل أَو أَبُو المعالى مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَيُّوب ملك الديار المصرية وَالشَّام والحرمين عَن هَذَا الْبَيْت فِي قَوْله (وطريقها عذراء ... ) فَقلت لَهُ يُرِيد أَنَّهَا صعبة لم تسلك فَقَالَ لى هَذَا يدل على أَن الممدوح لَا يعرف وَلَا لَهُ ذكر وَلَا نائل لِأَن الطَّرِيق إِلَيْهِ عذراء لم تطرق والممدوح إِذا كَانَ لَهُ عَطاء وَذكر ويعرفه القصاد كَانَت الطَّرِيق إِلَيْهِ لَا تَنْقَطِع وَلَقَد أحسن فى هَذَا النَّقْد
- ١٢
يَتَلَوَّنُ الخِرّيتُ مِن خَوفِ التَوى
فيها كَما يَتَلَوَّنُ الحِرباءُ
الواحدي: الخريت الدليل سمى خريتا لاهتدائه في الطرق الخفية كخرت الإبرة كأنه يعرف كل ثقب في الصحراء يقول الدليل الحاذق يتغير لونه من خوف الهلاك كما يتلون الحرباء وهي دابة تستقبل الشمس وتدور معها حيث دارت تتلون في اليوم الوانا كما قال ذو الرمة، غدا أكهب الأعلى وراح كأنه، من الضح واستقباله الشمس أخضر، والمعنى من قول هدبة، يظل بها الهادي يقلب طرفه، من الهول يدعو ويله وهو لاهف، وقال الطرماح، إذا اجتابها الخريت قال لنفسه، أتاك برجلي حائن بعد حائن،
العكبري: الْغَرِيب الخريت الدَّلِيل وسمى خريتا لاهتدائه فِي الطَّرِيق الْخفية كخرت الإبرة كَأَنَّهُ يعرف كل ثقب فى الصَّحرَاء والتوى الْهَلَاك والحرباء دَابَّة تَدور مَعَ الشَّمْس كَيْفَمَا دارت تتلون فِي الْيَوْم ألوانا كَثِيرَة كَمَا قَالَ ذُو الرمة (غَدَا أكهْبَ الأعْلى وراحَ كأنَّهُ ... مِن النَّضْحِ لاِستبقباله الشَّمسَ أخضرُ) الْمَعْنى أَن هَذِه الأَرْض طريقها صعبة يَتلون الدَّلِيل فِيهَا من خوف الْهَلَاك كَمَا تتلون هَذِه الدَّابَّة وَهُوَ مِمَّا يتَغَيَّر لَونه من خوف الْهَلَاك فَهُوَ يَدُور يَمِينا وَشمَالًا لطلب الطَّرِيق وَالْمعْنَى من قَول هدبة يظلّ بهَا الهَادى يُقَلِّب طَرْفَهُ ... مِنَ الوَيْلِ يَدْعُو لَهْفَه وَهُوَ لاهفُ) وَقَالَ الطرماح (إذَا اجْتابَها الخِرّيتُ قالَ لنَفْسهِ ... أتاكِ برَحْلِى حائِنٌ كُلٌ حائِنٍ)
- ١٣
بَيني وَبَينَ أَبي عَلِيٍّ مِثلُهُ
شُمُّ الجِبالِ وَمِثلَهُنَّ رَجاءُ
الواحدي: يقول بيني وبينه جبال مرتفعة مثله في العلو والوقار ورجاء عظيم مثل هذه الجبال فنصب مثلهن لان نعت النكرة المرفوعة إذا قدم عليها نصب على الحال منها كما تقول فيها قائما رجل كما قال ذو الرمة وهو من أبيات الكتاب، وتحت العوالي والقنا مستظلة، ظباء أعارتها العيون الجآذر،
العكبري: الْإِعْرَاب نصب مِثْلهنَّ على الْحَال لِأَنَّهُ نعت للنكرة المرفوعة فَقدم عَلَيْهَا فنصب على الْحَال كَقَوْلِك فِيهَا قَائِما رجل وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ لذى الرمة (وَتحْتَ العَوَالى فِى القَنا مُسْتَظِلَّةً ... ظِباءٌ أعارَتها العُيُونّ الجآذِرُ) الْمَعْنى بينى وَبَينه يُرِيد الممدوح جبال مُرْتَفعَة مثله فِي الْعُلُوّ وَالْوَقار ورجاء عَظِيم كهذه الْجبَال يُشبههُ فِي الْحلم وَالْوَقار بالجبال وَجعل رَجَاءَهُ عَظِيما كالجبال
- ١٤
وَعِقابُ لُبنانٍ وَكَيفَ بِقَطعِها
وَهُوَ الشِتاءُ وَصَيفُهُنَّ شِتاءُ
الواحدي: يعني بيني وبينه عقاب هذا الجبل الذي يعرف بلبنان وهو جبل معروف من جبال الشام وكيف الظن بقطعها والوقت الشتاء والصيف مثل الشتاء
العكبري: الْإِعْرَاب وعقاب عطف على شم الْجبَال وهى طوالها وَكَيف اسْتِفْهَام فِي الْمَعْنى الإنكارى وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره وَكَيف لى بقطعها أَو أقوم بقطعها أَو كَيفَ الظَّن بقطعها الْمَعْنى لبنان جبل مَعْرُوف من جبال الشَّام يُرِيد كَيفَ الظَّن بقطعها وَالْوَقْت الشتَاء والصيف بهَا مثل الشتَاء وَإِذا كَانَت فى الصَّيف صعبة فَكيف فِي الشتَاء
- ١٥
لَبَسَ الثُلوجُ بِها عَلَيَّ مَسالِكي
فَكَأَنَّها بِبَياضِها سَوداءُ
الواحدي: لبس الشيء ولبسه إذا عماه ومنه قوله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون يقول أخفى الثلوج بهذه العقاب طرقى عليّ فلم أهتد فيها لكثرتها وبياضها والأسود لا يهتدي فيه يقول فكأنها أسودت لما لم يهتد فيها لبياضها
العكبري: الْإِعْرَاب بهَا وعَلى متعلقان بِالْفِعْلِ وَالْبَاء فِي بياضها مُتَعَلقَة بِمَعْنى كَأَن من معنى التَّشْبِيه الْمَعْنى يُرِيد أَن الثلوج عَمت على مسالكى وَلبس الشئ ولبسه إِذا عماه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ يَقُول أخْفى هَذَا الثَّلج بِهَذِهِ الْعقَاب طرقى على فَلم أهتد لكثرتها وبياضها وَالْأسود لَا يهتدى فِيهِ فَكَأَنَّهَا لبياضها إِذْ لم يهتد فِيهَا اسودت وَهَذَا من أحسن الْكَلَام
- ١٦
وَكَذا الكَريمُ إِذا أَقامَ بِبَلدَةٍ
سالَ النُضارُ بِها وَقامَ الماءُ
الواحدي: معنى هذا البيت متصل بالذي قبله لأنه يقول بياض الثلوج يعمى فقام مقام السواد والبياض إذا عمل عمل السواد فقد نقض العادة كذلك الكريم إذا أقام ببلدة تنقض العادة فيجعل الذهب سائلا ويجمد الماء وإنما قال هذا لأنه أتاه في الشتاء عند جمود الماء ولم يعرف أحد ممن فسر هذا الشعر معنى قوله وكذا الكريم والتشبيه فيه واتصاله بما قبله
العكبري: الْإِعْرَاب حرف الْجَرّ مُتَعَلق بأقام وَكَذَا عطف على مَا قبله وَذَلِكَ أَنه لما قَالَ (فَكَأَنَّهَا ببياضها سَوْدَاء ... ) فَهُوَ نقيض الْعَادة لِأَن الْبيَاض إِذا قَامَ مقَام السوَاد هُوَ خلاف الْعَادة وَكَذَلِكَ الْكَرِيم إِذا أَقَامَ ببلدة يَجْعَل الذَّهَب سَائِلًا وَذَلِكَ أَنه أَتَاهُ فِي الشتَاء وَالْمَاء جامد فَشبه كرمه بسيل الذَّهَب لِكَثْرَة مَا يبذله لمن يَقْصِدهُ وقابله بجمود المَاء وَإِن كَانَ جمود المَاء غير فعله // فَحسن الْعَطف والتشبيه // الْغَرِيب النضار الذَّهَب وَالنضير أَيْضا قَالَ الْأَعْشَى (إِذا جُرّدت يَوْما حَسِبْتَ خَمِيصَةً ... علَيها وجِرْيال النَّضِير الدُّلامِصا) وَيجمع على أَنْضَرُ قَالَ الْكُمَيْت (تَرَى السَّابحَ الخِنْذيذ مِنها كأنَّهُ ... جرى بَين ليتيه إِلَى الخد أَنْضَرُ) وَقيل النضار الْخَالِص من كل شَيْء قَالَت الخرنق بنت هفان الخالطين نحيتهم بنضارهم وذَوِى الغِنَى منهمْ بذِى الفَقْر) وقدح نضار يتَّخذ من أثل يكون بالغور وَبَنُو النَّضِير حى من يهود خَيْبَر من ولد هَارُون ﵇ الْمَعْنى يَقُول إِن الْكَرِيم إِذا أَقَامَ ببلدة أعْطى المَال فَمن كَثْرَة إِعْطَائِهِ كَأَنَّهُ مَاء سَائل فَلَمَّا رأى المَاء كرمه وقف متحيرا جَامِدا وَهُوَ معنى // حسن //
- ١٧
جَمَدَ القِطارُ وَلَو رَأَتهُ كَما تَرى
بُهِتَت فَلَم تَتَبَجَّسِ الأَنواءُ
الواحدي: القطار جمع قطر والأنواء منازل القمر والعرب تنسب إليها الأمطار يقولون سقينا بنوء كذا ويريد بجمود القطار الثلوج جعلها كالمطر الجامد لما لم يسل يقول لو رأته الأنواء كما ترى القطار تحيرت في جوده ولم تتفتح بالثلج استعظاما لما يأتيه وخجلا من جوده ويروى كما رأى والصحيح كما ترى لأن القطار مؤنثة
العكبري: الْإِعْرَاب الأنواء فَاعل رَأَتْهُ وَقَالَ قوم يجوز أَن يرْتَفع الأنواء ببهتت وبتتبجس وعَلى هَذَا يجوز فِي الْكَلَام إِضْمَار قبل الذّكر وَالْأول أحسن وَتَقْدِير الْكَلَام لَو رَأَتْهُ الأنواء كَمَا ترى القطار بهتت وَلم تتبجس وروى كَمَا رأى وَالْأول أوجه لِأَن القطار مُؤَنّثَة وَالْكَاف فِي مَوضِع نصب نعتا لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره رُؤْيَة مثل رُؤْيَة القطار الْغَرِيب القطار جمع قطر وقطر جمع قَطْرَة وهى الْمَطَر وبهتت تحيرت وتتبجس تتفتح والأنواء جمع نوء وَهُوَ سُقُوط النَّجْم فِي الْمغرب وطلوعه فى الْمشرق وهى منَازِل الْقَمَر وَالْعرب تنْسب إِلَيْهَا الأمطار يَقُولُونَ سقينا بِنَوْء كَذَا وَقد نهى عَن ذَلِك قَالَ ﵊ يَقُول الله ﴿أصبح من عبادى مُؤمن بى كَافِر بالكواكب وَأصْبح من عبادى كَافِر بى مُؤمن بالكواكب﴾ فالذى يَقُول مُطِرْنَا بِفضل الله وَرَحمته فَذَلِك مُؤمن بى كَافِر بالكواكب وَمن قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا فَذَلِك كَافِر بى مُؤمن بالكواكب الْمَعْنى يُرِيد أَن القطار لما رَأَتْ كرم هَذَا الممدوح جمدت جعل الثلوج الْمَطَر الجامد وَلَو رَأَتْ الأنواء كَمَا رَأَتْ القطار تحيرت وَلم تتفتح استعظاما لما يَأْتِيهِ وخجلا من جوده
- ١٨
في خَطِّهِ مِن كُلِّ قَلبٍ شَهوَةٌ
حَتّى كَأَنَّ مِدادَهُ الأَهواءُ
الواحدي: يصفه بحسن الحظ يقول كأنه يستمد من اهواء الناس فهم يحبون خطه ويميلون إليه بقلوبهم ويجوز أن يكون هذا كناية عن وصفه بالجود يقول لا يوقع إلا بالنوال يميلون إلى خطه ويجوز أن يكون كناية عن طاعة الناس له أي أن كتبه تقوم مقام الكتائب لأن الناس يميلون إليه وينقادون له طبعا والأول الوجه
العكبري: الْغَرِيب الْأَهْوَاء جمع هوى مَقْصُور وَهُوَ الْمحبَّة وَجمع الْمَمْدُود أهوية الْمَعْنى يَقُول كَأَنَّهُ يستمد من أهواء النَّاس فهم يحبونَ خطه ويميلون إِلَيْهِ يصفه بِحسن الْخط يَقُول كل من رأى خطه شغف من حسنه وَيجوز أَن يكون كِنَايَة عَن وَصفه بالجود يَقُول لَا يُوقع إِلَّا بالنوال وَالنَّاس يميلون إِلَى خطه وَيجوز أَن يكون كِنَايَة عَن طَاعَة النَّاس لَهُ أى كتبه تقوم مقَام الْكَتَائِب لِأَن النَّاس يميلون إِلَيْهِ وينقادون إِلَيْهِ طبعا
- ١٩
وَلِكُلِّ عَينٍ قُرَّةٌ في قُربِهِ
حَتّى كَأَنَّ مَغيبَهُ الأَقذاءُ
العكبري: الْإِعْرَاب قُرَّة ابْتِدَاء تقدم خَبره وحرفا الْجَرّ يتعلقان بِالْمَصْدَرِ الْغَرِيب المغيب والغيبة بِمَعْنى وَاحِد وقرت عينه أى بردت لِأَن دمع الْفَرح بَارِد وَهُوَ ضد سخنت لِأَن دمع الْحزن الْحَار والأقذاء جمع قذى وَهُوَ مَا يَقع فِي الْعين وفى الشَّرَاب والإقذاء بِكَسْر الْهمزَة مصدر أقذيت عينه إِذا طرحت فِيهَا القذى الْمَعْنى يَقُول كل عين تقر بِقُرْبِهِ وتتأذى بغيبته عَنْهَا فَكَأَنَّهَا تقذى إِذا غَابَ عَنْهَا فَلم تره فَكَأَن غيبته قذى للعيون
- ٢٠
مَن يَهتَدي في الفِعلِ ما لا تَهتَدي
في القَولِ حَتّى يَفعَلَ الشُعَراءُ
الواحدي: يقول كل عين تقر بقربه ورؤيته وتتأذى بالغيبة عنه حتى كأنها تقذى إذا غاب الممدوح ولم تره فكأن غيبته قذى العيون والأقذاء جمع القذى والإقذاء مصدر اقذيت عينه أي طرحت فيه القذى
العكبري: الْإِعْرَاب الشُّعَرَاء فَاعل يهتدى وَمن بِمَعْنى الذى وَلَيْسَت استفهاما وَتَقْدِير الْبَيْت الذى يهتدى فِي الْفِعْل إِلَى مَا لَا يهتدى الشُّعَرَاء إِلَيْهِ فِي القَوْل حَتَّى يفعل هُوَ وَمَا بِمَعْنى الَّذِي وموضعها نصب على إِسْقَاط حرف الْجَرّ تَقْدِيره إِلَى الذى لَا يهتدى إِلَيْهِ الشُّعَرَاء الْمَعْنى هُوَ الذى يهتدى فِيمَا يفعل من المكارم والمساعى الجسيمة إِلَى مَا لَا يهتدى إِلَيْهِ الشُّعَرَاء حَتَّى يفعل هُوَ فيعلموا فَإِذا علمُوا تعلمُوا من فعله فحكوا مَا يَفْعَله بالْقَوْل لأَنهم يَهْتَدُونَ إِلَى مَا يَفْعَله فيحكونه بقَوْلهمْ وَقَالَ الواحدى كَانَ حَقه أَن يَقُول لما لَا يهتدى أَو إِلَى مَا لَا يهتدى لِأَنَّهُ يُقَال اهتديت إِلَيْهِ وَله وَلَا يُقَال اهتديته إِلَّا أَنه عداهُ بِالْمَعْنَى لِأَن الاهتداء إِلَى الشئ معرفَة بِهِ كَأَنَّهُ قَالَ من يعرف فِي الْفِعْل مَا لَا يهتدى
- ٢١
في كُلِّ يَومٍ لِلقَوافي جَولَةٌ
في قَلبِهِ وَلِأُذنِهِ إِصغاءُ
الواحدي: يعني أنه يمدح كل يوم فيعي ذلك في قلبه ويميل إليه بأذنه حبا للشعر وأعطاء الشعراء وهو قوله
العكبري: الْإِعْرَاب جَوْلَة وإصغاء ابتداءان خبراهما مقدمان عَلَيْهِمَا وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بجولة ولأذنه مُتَعَلق بالمبتدأ الْغَرِيب القافية القصيدة وَسميت قافية لِأَن بَعْضهَا يقفو بَعْضًا أى يتبعهُ وَمِنْه الْكَلَام المقفى لِأَن بعضه يتبع بَعْضًا والقافية أَيْضا الْقَفَا وَفِي الحَدِيث " يعْقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحدكُم " والجولة الذّهاب والمجئ وَالنَّاس يجولون أى يَمرونَ ويجيئون والإصغاء الِاسْتِمَاع الْمَعْنى أَنه يمدح كل يَوْم فَلَا يزَال مصغيا حبا للشعر وَإِعْطَاء للشعراء
- ٢٢
وَإِغارَةٌ فيما اِحتَواهُ كَأَنَّما
في كُلِّ بَيتٍ فَيلَقٌ شَهباءُ
الواحدي: احتواه جمعه من ماله وملكه يقول للقوافي اغارة في ملاه كأنه كل بيت من بيوت الشعر كتيبة صافية الحديد
العكبري: الْإِعْرَاب إغارة عطف على جَوْلَة وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بإغارة وفى كل بَيت مُتَعَلق بِمَعْنى كَأَن لما فِيهِ من التَّشْبِيه الْغَرِيب الفيلق الكتيبة والشهباء الصافية الْحَدِيد الْمَعْنى يَقُول للقوافى فِيمَا جمعه واقتناه من مَاله إغارة كَأَن كل بَيت من بيُوت الشّعْر كَتِيبَة صَافِيَة الْحَدِيد بالشعر تنهب مَا جمعه واحتواه
- ٢٣
مَن يَظلِمُ اللُؤَماءَ في تَكليفِهِم
أَن يُصبِحوا وَهُمُ لَهُ أَكفاءُ
الواحدي: اللؤماء جمع لئيم يقول هو الذي يظلم اللئام في تكليفهم أن يكونوا مثله لأنهم لا يقدرون على ذلك وليس في هذا مدح ولو قال الكرماء كان مدحا فإما إذا كان أفضل ن اللئام ولا يقدرونأن يكونوا أكفاءه فهذا لا يليق بمذهبه في إيثاره المبالغة وروى الخوارزمي من نظلم بالنون وقال إذا كلفنا اللئام أن يصيروا أكفاء له فقد ظلمناهم بتكليفهم ما لا يطيقون
العكبري: الْإِعْرَاب من بِمَعْنى الذى أى هُوَ الذى وَأَن فِي مَوضِع نصب بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ الْغَرِيب اللؤماء جمع لئيم وَهُوَ الذى جمع لؤم الأَصْل وَالنَّفس والأكفاء جمع كُفْء وكفوء مثل عَدو وأعداء الْمَعْنى يَقُول هُوَ الذى يظلم اللؤماء فِي تكليفهم بِأَن يَكُونُوا مثله لأَنهم لَا يقدرُونَ على ذَلِك وَهَذَا غَايَة الظُّلم تَكْلِيف مَا لَا يُسْتَطَاع قَالَ الواحدى وَلَيْسَ هَذَا مدحا وَلَو قَالَ الكرماء لَكَانَ مدحا فَأَما إِذا كَانَ أفضل من اللئام وَلَا يقدرُونَ أَن يَكُونُوا مثله فَهَذَا لَا يَلِيق بمذهبه فِي إيثاره الْمُبَالغَة وروى الْخَوَارِزْمِيّ من نظلم بالنُّون وَقَالَ إِذا كلفنا اللئام أَن يَكُونُوا أكفاء لَهُ فقد ظلمناهم فى تكليفهم مَا لَا يُطِيقُونَ والذى قَالَ الواحدى // نقد حسن // واعتذار الخوارزمى أحسن
- ٢٤
وَنَذيمُهُم وَبِهِم عَرَفنا فَضلَهُ
وَبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأَشياءُ
الواحدي: يقول نعيب اللئام وفضله إنما يعرف بهم لأن الأشياء إنما تتبين بأضدادها فلو كان الناس كلهم كراما مثله لم نعرف فضله وقال ابن جنى وهذا كقول المنبجي، فالوجه مثل الصبح مبيض، والشعر مثل الليل مسود، ضدان لما استجمعا حسنا، والضد يظهر حسنه الضد، قال وهذا البيت مدخول معيوب لأنه ليس كل ضدين إذا اجتماعا حسنا ألا ترى أن الحسن إذا قرن بالقبيح بأن حسن الحسن وقبح القبيح وبيت المتنبي سليم لأن الأشياء باضدادها يصح أمرها انتهى كلامه وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى قال أبو تمام، وليس يعرف طيب الوصل صاحبه، حتى يصاب بنأي أو بهجران، وقال أيضا، ألحادثات وإن أصابك بؤسها، فهو الذي أنابك كيف نعيمها، وقال أيضا، سمجت ونبهنا على استسماجها، ما حولها من نضرة وجمال، وكذاك لم تفرط كآبة عاطل، حتى يجاورها الزمان بحالي، قال أيضا البحتري، فقد زادها إفراط حسن جوارها، خلائق أصغار من المجد خيب، وحسن دراري الكواكب أن ترى، طوالع في داج من الليل غيهب، وقد ملح بشار في قوله، وكن جواري الحي ما دمت فيهم، قباحا فلما غبت صرن ملاحا، وأبو الطيب صرح بالمعنى وبين أن مجاورة المضادة هي التي تثبت حسن الشيء وقبحه ثم أخفاه في موضع آخر فقال، ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا، غفلنا فلم نشعر له بذنوب،
العكبري: الْمَعْنى نذيمهم نذمهم ولولاهم مَا عرفنَا فَضله لِأَن الْأَشْيَاء إِنَّمَا تتبين بضدها فَلَو كَانَ النَّاس كلهم كراما مثله لم يعرف فَضله قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا مَأْخُوذ من قَول المنبجى (فالوَجْهُ مثلُ الصُّبْحِ مُبْيَضُّ ... والشَّعْرُ مثلُ اللَّيْلِ مُسْوَدُّ) (ضِدَّان لمَّا اسْتَجْمَعا حَسُنا ... والضّدُّ يُظْهِر حسنَه الضّدُّ) قَالَ وَهَذَا الْبَيْت مَدْخُول لِأَنَّهُ لَيْسَ كل ضدين إِذا استجمعا حسنا أَلا ترى الْحسن إِذا قرن بالقبيح بَان حسن الْحسن وقبح الْقَبِيح وَبَيت المتنبى سليم لِأَن الْأَشْيَاء بأضدادها يَتَّضِح أمرهَا هَذَا كَلَامه ولأبى الطّيب أَمْثَال كَثِيرَة كَهَذا الْعَجز أَتَت أعجازا فِي أبياته وسأذكرها هَهُنَا مجتمعة وأتكم عَلَيْهَا فِي موَاضعهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَمِنْهَا (إنّ المَعارفَ فِي أهلِ النُّهَى ذِمَمُ ... ) وَقَوله (أَنا الغَرِيقُ فمَا خَوْفى مِنَ البَلبَلِ ... ) وَقَوله (وقدْ يُؤْذَى مِنَ المِقَةِ الحَبيبُ ... ) وَقَوله (ولَكِنْ ربَّمَا خَفَى الصَّوَابُ ... ) وَقَوله (وكلّ اغتياب جَهْدُ مَنْ لَا لَهُ جَهْدُ ... ) وَقَوله (ليسَ التَّكَحُّل فِي العَيْنين كالكَحَلِ ... ) وَقَوله (وتأبَى الطِّباعُ على النَّاقِلِ ... ) وَقَوله (وفى المَاضِى لِمَنْ بَقىَ اعْتِبارُ ... ) وَقَوله (ومَنْ وَجَدَ الإحْسانَ قَيْداً تقَيَّداَ ... ) وَقَوله (ومَنْ لكَ بالحرّ الذى يَحْفظ اليَداَ ... ) وَقَوله (والمُستغرّ بِمَا لَدَيْهِ الأحمَقُ ... ) وَقَوله (وفى عُنُق الحَسْناءِ يُسْتَحسن العِقْدُ ... ) وَقَوله (وليسَ بمُنْكرٍ سَبْق الجَوادِ ... ) وَقَوله (ولكنّ صَدم الشَّرّ بالشَّرّ أحْزَم ... ) وَقَوله (قد أُفْسِدَ القَوْلُ حَتَّى أُحمِد الصَّممُ ... ) وَقَوله (مَصَائِبُ قَوْمٍ عنْدَ قَوْمْ فَوَائِدُ ... ) وَقَوله (ومُخْطِئٌ مَنْ رَمِيُّهُ القَمَرُ ... ) وَقَوله (فإنّ فِي الخَمْر معنى ليسَ فِى العِنَبِ ... ) وَقَوله (ومَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلّ السَّوَاقيا ... ) وَقَوله (وأيْنَ مِنَ المُشْتاقِ عَنْقاءُ مُغْرِبُ ... ) وَقَوله (وَلَا يَرُدّ عَلَيْكَ الفائِتَ الحَزَنُ ... ) وَقَوله (بجَبهة العَيْر يُفْدى حافِرُ الفَرَس ... ) وَقَوله (الجُوع يرْضى الأُسُودَ بالجِيَفِ ... ) وَقَوله (إِذا عنّ بَحْر لَا يجُوزُ التَّيَمُّم ... ) وَقَوله (إنَّا لَنَغْفُلُ والأيَّام فى الطَّلَبِ ... ) وَقَوله (إنّ النَّفيس نَفِيسٌ حَيْثما كَانَا ... ) وَقَوله (غيرُ مَدْفُوعٍ عَنِ السَّبق العِرَاب ... ) وَقَوله (مَا كُلّ دامٍ جَبِينُهُ عابِدْ ... ) وَقَوله (ومَن يردُّ طَريقَ الْعَارِض الهَطِل ... ) وَقَوله (ويبَينُ عِتْقُ الخَيْل فِي أصواتِها ... ) وَقَوله (والشَّيْبُ أوْقَرُ والشَّبيبَةُ أنْرَقُ ... ) وَقَوله (وَفِي التَّجارِب بْعدَ الغَىّ مَا يَزعُ ... ) وَمعنى الْبَيْت كثير قد قَالَه جمَاعَة من الشُّعَرَاء قَالَ أَبُو تَمام (وليسَ يَعْرِفُ طيب الوَصْل صاحبُهُ ... حَتَّى يُصابَ بنَأْىٍ أَو بِهِجْرَان) وَقَالَ أَيْضا (والحادِثاتُ وَإنْ أصَابَكَ بُؤْسُها ... فَهُوَ الَّذى أنْباكَ كيْفَ نَعِيمُها) وَقَالَ أَيْضا (سَمُجَتْ ونَبَّهْنا على اسْتِسْماجها ... مَا حَوْلَها مِنْ نَضْرَةْ وجمالِ) (وكَذاكَ لم تُفْرِطْ كآبَةُ عاطِل ... حَتَّى يُجاوِزَها الزَّمانُ الحالى) وَقَالَ البُحترىّ (وقدْ زَادَها إفراطُ حُسنٍ جوَارِها ... خَلائِقَ أصْفارٍ مِنَ المجْدِ خيَُّبِ) (وحُسنُ درَارِىّ الكوَاكب أنْ تُرَى ... طَوَالِعَ فى دَاجٍ مِنَ اللَّيل غَيْهَبِ) وَقَالَ بشار (وكُنّ جوارِى الحَىّ مَا دُمتِ فيهِمُ ... قِباحا فلَمَّا غِبْتِ صِرْنَ مِلاحاً) وَأَبُو الطّيب صرح بِالْمَعْنَى وَبَين أَن مجاورة المضادة هى الَّتِى بيّنت حسن الشئ وقبحه ثمَّ أخفاه فِي مَوضِع آخر فَقَالَ (ولَوْلا أيادِى الدَّهْرِ فِي الجَمْعِ بيْنَنا ... غَفَلْنا فَلم نشْعُرْ لهُ بذُنُوبِ)
- ٢٥
مَن نَفعُهُ في أَن يُهاجَ وَضَرُّهُ
في تَركِهِ لَو تَفطَنُ الأَعداءُ
الواحدي: يقول إذا هيج استباح حريم اعدائه وأخذ أموالهم فانتفع بها وإذا ترك من ذلك قلت ذات يده واستضر به فلو فطن اعداؤه بهذا لتاركوه فوصلوا بذلك إلى أذيته ألا تراه قال
- ٢٦
فَالسَلمُ يَكسِرُ مِن جَناحَي مالِهِ
بِنَوالِهِ ما تَجبُرُ الهَيجاءُ
الواحدي: لأنه في السلم يعطى فينتقص ماله وفي الحرب يأخذ مال أعدائه وهذا كقول بعضهم، إذا اسلفتهن الملاحم مغنما، دعاهن من كسب المكارم مغرم، وقال أيضا أبو تمام، إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر، أغارت عليه فاحتوته الصنائع،
العكبري: الْغَرِيب السّلم ضد الْحَرْب وتفتح السِّين مِنْهَا وتكسر قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع والكسائى فِي سُورَة الْبَقَرَة بِفَتْح السِّين وَقَرَأَ حَمْزَة وَأَبُو بكر عَن عَاصِم فِي سُورَة مُحَمَّد بِكَسْر السِّين وَقَرَأَ أَبُو بكر فى الْأَنْفَال بِكَسْر السِّين والهيجاء من أَسمَاء الْحَرْب يقصر ويمد الْمَعْنى يُرِيد أَن الذى يَأْخُذهُ فِي الْحَرْب يُعْطِيهِ عفاته فِي السّلم لِأَنَّهُ فِي الْحَرْب يَأْخُذ أَمْوَال أعدائه وَفِي السّلم يُعْطِيهَا عفاته وَهَذَا من قَول بَعضهم (إذّا أسْلَفَتْهُنَّ المَلاحِمُ مَغْنَما ... دعاهنّ مِن كَسْبِ المَكارِم مَغْرَمُ) وَأَخذه أَبُو تَمام فَقَالَ (إِذا مَا أغارُوا فاحتَوَوْا مالَ مَعْشَر ... أغارَتْ عَلَيْهِم فاحْتَوَتْهُ الصَّنائعُ) وَبَيت المتنبى أحسن لفظا وسبكا وأصنع لِأَنَّهُ قَابل السّلم بِالْحَرْبِ وَالْكَسْر بالجبر وَهَذَا مِمَّا يدل على براعته
- ٢٧
يُعطي فَتُعطى مِن لُهى يَدِهِ اللُهى
وَتُرى بِرُؤيَةِ رَأيِهِ الآراءُ
الواحدي: أي يكثر إذا أعطى حتى يعطى مما أخذ منه ورأيه جزل قوي تتشعب منه الآراء فإذا نظر الإنسان إلى رأيه وحزمه وعقله استفاد منه الآراء واللهي العطايا واحدتها لهوة وأصلها القبضة من الطعام تلقى في فم الرحى شبهت العطية بها
العكبري: الْغَرِيب اللهى العطايا وَهُوَ جمع لهوة بِضَم اللَّام وَهُوَ مَا يلقيه الطاحن فِي فَم الرَّحَى فشبهت الْعَطِيَّة بهَا واللهى العطايا دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو غَيرهَا والآراء جمع رأى الْمَعْنى يُرِيد أَنه لِكَثْرَة عطاياه يعْطى الذى يَأْخُذ مِنْهُ لمن سَأَلَهُ فَيصير حِينَئِذٍ سائله مسئولا وَأَنه إِذا نظر الْإِنْسَان إِلَى عقله وجودة رَأْيه تعلم مِنْهَا الآراء لِأَن رَأْيه جزل قوى سديد صائب
- ٢٨
مُتَفَرِّقُ الطَعمَينِ مُجتَمِعُ القُوى
فَكَأَنَّهُ السَرّاءُ وَالضَرّاءُ
الواحدي: يقول فيه حلاوة لأوليائه ومرارة لأعدائه وهو مع ذلك إنسان واحد وقواه مجتمعة غير متباينة وأول هذا المعنى للبيد، ممقر مر على أعدائه، وعلى الأذنين حلو كالعسل، ثم تبعه الآخرون فقال المسيب بن علس، هم الربيع على من ضاف أرحلهم، وفي العدو مناكيد مشائيم، وقال علاقة بن عركي، وكنتم قديما في الحروب وغيرها، ميامين في الأدنى لأعدائكم نكد، وقال كعب ابن الأجذم، بنو رافع قوم مشائيم للعدى، ميامين للمولى وللمتحرم، وقال النابغة الجعدي، فتى كان فيه ما يسر صديقه، على أن فيه ما يسوء الأعاديا، قال ابن فورجة مجتمع القوى يعني قوي العزائم والآراء وأنكر القول الأول وهو قول ابن جنى
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِنْسَان وَاحِد قواه مجتمعة غير مُتَفَرِّقَة وَفِيه حلاوة لأوليائه ومرارة لأعدائه وَشبهه بالسراء وَالضَّرَّاء فِي لينه وشدته لافتراقهما وَهُوَ معنى // حسن // وَالْمعْنَى للبيد (مُمْقِرٌ مُرٌّ عَلى أعْدائِهِ ... وعَلى الأدْنَيْنَ حُلْوٌ كالعَسَلْ) ثمَّ أَخذه الْمسيب بن علس فَقَالَ (هُمُ الرَّبيعُ على مَنْ صافَ أرْحُلَهم ... وفى العدوّ مَناكيدٌ مَشائِيمُ) وَقَالَ علاثة (وكنتُمْ قَديما فِي الحُرُوبِ وغيرِها ... مَيامِينَ للأدْنى لأَعْدائِكمْ نَكْدُ) وَقَالَ كَعْب (بنُو رَافعٍ قَوْمٌ مَشائيمُ للعدَى ... مَيامِينُ للمَوْلى وللمتجرِّم) وَقَالَ النَّابِغَة الجعدى (فَتى كانَ فِيه مَا يَسُرُّ صَديقَهُ ... على أنَّ فِيهِ مَا يَسُوءُ الأعادِيا) وَأنكر ابْن فورجه قَول أَبى الْفَتْح فِي مُجْتَمع القوى وَقَالَ هُوَ قوى الْعَزْم والآراء
- ٢٩
وَكَأَنَّهُ ما لا تَشاءُ عُداتُهُ
مُتَمَثِّلاً لِوُفودِهِ ما شاؤوا
الواحدي: يقول كأنه صور على ما يكرهه الاعداء وفي حال تمثله لوفوده وهم الذين يفدون عليه ويرجون نواله كما شاءوا
العكبري: الْإِعْرَاب مَا فِي مَوضِع رفع لِأَنَّهَا خبر كَأَن يُرِيد كَأَنَّهُ شئ لَا تشاؤه عداته ومتمثلا مَنْصُوب على الْحَال الْغَرِيب الْوُفُود جمع وَفد وهم أوفاد ووفد وَالِاسْم الْوِفَادَة وَفد فلَان على الْأَمِير رَسُولا فَهُوَ وَافد وَالْجمع وَفد مثل صَاحب وَصَحب وأوفته أَنا أى أَرْسلتهُ والوافد من الْإِبِل مَا سبق سائرها والإيفاد على الشئ الإشراف الْمَعْنى يُرِيد كَأَنَّهُ صور على مَا يكرههُ الْأَعْدَاء فِي حَال تمثله لوفوده وهم الَّذِي يفدون عَلَيْهِ يرجون نواله كَمَا يشاءون
- ٣٠
يا أَيُّها المُجدى عَلَيهِ روحُهُ
إِذ لَيسَ يَأتِيهِ لَها اِستِجداءُ
الواحدي: يقول يا من روحه موهوب عليه منه إذا لم يسأل روحه يعني أنه لو سئل الروح لبذلها فإذا لم يسأل فكأنه وهب روحه عليه وهذا من قول بكر بن النطاح، ولو لم يكن في كفه غير روحه، لحاد به فليتق الله سائله، ثم نقل أبو الطيب المعنى من الروح إلى الجسم فقال، لو اشتهت لحم قاريها لبادرها، ثم غيره بعض التغيير فقال، ملت إلى من يكاد بينكما، إن كنتما السائلين ينقسم، ثم اخفاه فقال، إنك من معشر إذا وهبوا، من دون أعمارهم فقد بخلوا،
العكبري: الْغَرِيب الاستجداء الاستعطاء وَيُرِيد الْمَوْهُوب روحه والجدى والجدوى الْعَطِيَّة وجدوته واجتديته واستجديته بِمَعْنى إِذا طلبت جدواه قَالَ أَبُو النَّجْم (جِئْنا نُحَيِّكَ ونَسْتَجْدِيكَ ... مِنْ نائِلِ اللهِ الذى يُعْطيكَ) والجادى السَّائِل وأجداه أعطَاهُ الْمَعْنى يُرِيد أَن روحه موهوبة لَهُ إِذْ لَيْسَ يطْلبهَا أحد مِنْهُ فَلَو طلبَهَا مِنْهُ طَالب لأعطاه لِأَنَّهُ لَا يقدر أَن يرد سَائِلًا فَكَأَنَّهُ إِذا لم يسْأَل روحه كَأَنَّهُ وَهبهَا فَترك هَذَا الطّلب مِنْهُ إِعْطَاء لَهُ وَهَذَا من قَول بكر بن النطاح (وَلَو أنّ مَا فِي كفِّه غير نَفسه ... لَجادَ بهَا فَلْيَتَّقِ اللهَ سائِلُهُ)
- ٣١
اِحمَد عُفاتَكَ لا فُجِعتَ بِفَقدِهِم
فَلَتَركُ ما لَم يَأخُذوا إِعطاءُ
الواحدي: هذا البيت اتمام للمعنى وتأكيد له يقول اشكر سائلك ودعا له بإن لا يفجع بفقدهم لحبه العطاء والسائلين ويروى بحمدهم لأنه يريد لا قطع الله شكرهم عنك
- ٣٢
لا تَكثُرُ الأَمواتُ كَثرَةُ قِلَّةٍ
إِلّا إِذا شَقِيَت بِكَ الأَحياءُ
الواحدي: قوله كثرة قلة أي كثرة تحصل عن قلة وهي قلة الأحياء يقول إنما تكثر الأموات إذا قلت الأحياء فكثرتهم كأنها في الحقيقة قلة وقوله شقيت بك الأحياء قال ابن جنى يريد شقيت بفقدك فحذف المضاف والمعنى على ما قال لا تصير الأموات كثر من الأحياء إلا إذا مت يعني إذا مات الممدوح وصار في عسكر الموتى كثر الأموات به لأنه يصير في جانبهم وهذا فاسد لشيئين أحدهما أنه إذا أراد بالأموات القتلى لا الذين ماتوا قبل الممدوح ومعنى شقيت بك أي بغضبك وقتلك أياهم يقول لا تكثر القتلى إلا إذا قاتلت الأحياء وشقوا بغضبك فإذا غضبت عليهم وقاتلتهم قتلت كلهم فزدت في الأموات زيادةً ظاهرةً ونقصت من الأحياء نقصا طاهرا ولم يفسر أحد هذا البيت كما فسرته
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدى كَثْرَة تحصل عَن قلَّة وَهُوَ قلَّة الْأَحْيَاء يُرِيد إِنَّمَا يكثر الْأَمْوَات إِذا قلت الْأَحْيَاء فكثرتهم كَأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَة قلَّة وَقَوله شقيت بك الْأَحْيَاء قَالَ ابْن جنى يُرِيد أَنَّهَا شقيت بفقدك فَحذف الْمُضَاف وَيكون الْمَعْنى على مَا قَالَ لَا تصير الْأَمْوَات أَكثر من الْأَحْيَاء إِلَّا إِذا مَاتَ الممدوح وَصَارَ فِي عَسْكَر الْمَوْتَى كَثْرَة الْأَمْوَات بِهِ لِأَنَّهُ يصير فى جانبهم وَهَذَا فَاسد لشيئين أَحدهمَا أَنه إِذا مَاتَ وَاحِد لَا يكون ذَلِك قلَّة وَالْآخر أَنه لَا يُخَاطب الممدوح بِمثل هَذَا وَلَكِن الْمَعْنى أَنه أَرَادَ بالأموات الْقَتْلَى لَا الَّذين مَاتُوا قبل الممدوح وَالْمعْنَى شقيت بك أى بِغَضَبِك وقتلك إيَّاهُم يَقُول لَا تكْثر الْقَتْلَى إِلَّا إِذا قَاتَلت الْأَحْيَاء وشقوا بِغَضَبِك فَإِذا غضِبت عَلَيْهِم وقاتلتهم قَتلتهمْ كلهم فزدت فِي الْأَمْوَات زِيَادَة ظَاهِرَة ونقصت من الْأَحْيَاء نقصا ظَاهرا وَلم يُفَسر هَذَا الْبَيْت أحد كَمَا فسرته انْتهى كَلَامه وَقَالَ الشريف ابْن الشجرى الكوفى فِي أَمَالِيهِ يُرِيد كَثْرَة تقل لَهَا الْأَحْيَاء وَقدر أَبُو الْفَتْح مُضَافا محذوفا وَقَالَ شقيت بفقدك وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء شَقوا بِهِ أى بقتْله إيَّاهُم وَإِن الْأَحْيَاء إِذا شقيت بك كثرت الْأَمْوَات وَتلك الْكَثْرَة تُؤَدّى إِلَى الْقلَّة إِمَّا لِأَن الْأَحْيَاء يقتلُون بِمن يَمُوت مِنْهُم وَإِمَّا لِأَن الْمَيِّت يقل فِي نَفسه وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا قَول أَبى الْفَتْح (شقيت بفقدك ... ) يخل الْمَعْنى لِأَن الْأَحْيَاء شَقوا بِهِ لِأَنَّهُ قَتلهمْ والذى قَالَ أَبُو الْفَتْح الصَّوَاب وَبِه فسره على بن عِيسَى الربعى قَالَ ذهب إِلَى أَنه نعْمَة على الْأَحْيَاء ففقدهم شقاء لَهُم وَمِمَّا حذف مِنْهُ لفظ الْفَقْد قَوْله المرقش (لَيسَ على طُولِ الحَياةِ نَدَمْ ... ومِنْ وَرَاءِ المَرْءِ مَا يَعْلَمْ) يُرِيد على فقد طول الْحَيَاة ولابد من تَقْدِير هَذَا وَقد أظهر هَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه وَهُوَ كَون حَيَاته نعْمَة وَمَوته شقاء ونقمة فى قَوْله (لعَمْرُكَ مَا الرَّزِيَّةُ فَقْدُ مالٍ ... وَلَا شاةٌ تَمُوتُ وَلا بَعيرُ) (ولكِنَّ الرَّزِيَّة فَقْدُ شَخْصٍ ... يَمُوتُ لِمَوْتِهِ خَلْقٌ كَثِيرُ) وَقد روى الربعى عَن المتنبى أَن أَبَا عَمْرو السلمى قَالَ عدت أَبَا على هَذَا الممدوح بِمصْر فِي علته الَّتِى مَاتَ فِيهَا فاستنشدنى فأشتنشدى فَلَمَّا بلغت هَذَا الْبَيْت استعاده وَجعل يبكى حَتَّى مَاتَ وَإِذا كَانَ المتنبى قد حكى هَذَا فَهَل يجوز إِلَّا مَا قدره أَبُو الْفَتْح انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن القطاع وَقد قيل فى هَذَا الْبَيْت أَقْوَال كَثِيرَة مِنْهَا لَا تكْثر الْأَمْوَات فِي الْأَعْدَاء إِلَّا إِذا شقيت بك الْأَحْيَاء من الْأَوْلِيَاء وَقيل لَا تكْثر الْأَمْوَات إِلَّا بك إِذا مت وَقَوله كَثْرَة قلَّة أى كَثْرَة شرف وسؤدد لَا كَثْرَة عدد لِأَنَّك إِن كنت قَلِيلا فى الْعدَد فَأَنت كثير فِي الْقدر وَقد أَخذ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَيْت وَقيل نَاقض قَوْله كَثْرَة قلَّة فَجعل الْكَثْرَة قلَّة وَلَيْسَ كَذَلِك فَهَذَا القَوْل لَيْسَ بجيد لِأَنَّهُ فِي مدح حى وَلَو كَانَ فى الرثاء لجَاز وَقيل إِن الْمَعْنى الذى أَرَادَ المتنبى فِي الْبَيْت أَن الْأَحْيَاء مَرْفُوع بِالْمَصْدَرِ الذى هُوَ قلَّة مَعْنَاهُ لَا يكثر الْأَمْوَات كَثْرَة تقل لَهَا الْأَحْيَاء إِلَّا إِذا بليت بحربك وَلَيْسَ يُرِيد أَن الْكَثْرَة فِي الْحَقِيقَة قلَّة فَيجمع بَين الشئ وضده
- ٣٣
وَالقَلبُ لا يَنشَقُّ عَمّا تَحتَهُ
حَتّى تَحُلَّ بِهِ لَكَ الشَحناءُ
الواحدي: قال ابن جنى يقول لا ينصدع قلب أحد حتى يعاديك فيضمر لك عداوة فإذا تأمل ما جنى على نفسه من عداودته أياك انشق قلبه فمات خوفا وجزعا هذا كلامه ولم يفسر قوله عما تحته والمعنى عما فيه من الغل والحسد أي أنه وإن أضمر لك الغل والحسد لم ينشق قلبه فإذا اضمر لك العداوة انشق قلبه وبأن عدو لك والشحناء من المشاحنة وهي المعاداة ملأ القلب من الشحن
العكبري: قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد لَا ينصدع قلب أحد حَتَّى يعاديك فيضمر لَك الْعَدَاوَة فَإِذا تَأمل مَا جنى على نَفسه من عداوتك انْشَقَّ قلبه فَمَاتَ خوفًا وجزعا هَذَا كَلَامه وَلم يُفَسر قَوْله عَمَّا تَحْتَهُ وَالْمعْنَى مَا فِيهِ من الغل والحسد أى أَنه وَإِن أضمر لَك الغل والحسد لم ينشق قلبه فَإِذا أضمر لَك الْعَدَاوَة انْشَقَّ قلبه وَبَان أَنه عَدو لَك والشحناء من المشاحنة وهى المعاداة ملئ الْقلب من الشحن
- ٣٤
لَم تُسمَ يا هارونُ إِلّا بَعدَما اِق
تَرَعَت وَنازَعَتِ اِسمَكَ الأَسماءُ
الواحدي: يقول لم تسم بهذا الأسم إلا بعد ما تقارعت عليك الأسماء فكل أراد أن يسمى به فخرا بك
العكبري: الْغَرِيب اقترعت أى تساهمت وَتسَمى تعرف وَالِاسْم هُوَ السمو وَهُوَ الْعُلُوّ الْمَعْنى يَقُول تقارعت الْأَسْمَاء عَلَيْك فَكل أَرَادَ أَن تسمى بِهِ فخرا بك فَلم تسم بِهَذَا الِاسْم حَتَّى تقارعت السَّمَاء عَلَيْك وَقَالَ المعرى أَرَادَ بِالِاسْمِ الصيت
- ٣٥
فَغَدَوتَ وَاِسمُكَ فيكَ غَيرُ مُشارِكٍ
وَالناسُ فيما في يَدَيكَ سَواءُ
الواحدي: أي لم يشارك اسمك فيك لأنه لا يكون للأنسان أكثر من اسم واحد والناس في مالك سواء لأنهم كلهم قد تساووا في الأخذ منك ولا تخص أحدا دون غيره بالعطاء
العكبري: الْإِعْرَاب واسمك الْوَاو وَاو الْحَال الْمَعْنى قَالَ المعرى يُرِيد بِالِاسْمِ الصيت أى لم يشركك فى صيتك أحد وَإِنَّمَا مَالك النَّاس فِيهِ سَوَاء غنيهم وفقيرهم وَيُقَال فلآن قد ظهر اسْمه فِي النَّاس أى صيته فَذكره لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد وَقَالَ الواحدى يُرِيد لم يُشَارك اسْمك فِيك لِأَنَّهُ لَا يكون للْإنْسَان أَكثر من اسْم وَاحِد وَالنَّاس كلهم فِي مَالك سَوَاء قد تساووا فِي الْأَخْذ مِنْك لَا تخص أحدا دون غَيره بالعطاء قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ اسْمه الْعلم وَقَالَ الشريف ابْن الشجرى قَالَ المعرى أَرَادَ الصيت وَلَيْسَ بشئ وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَن اسْمك انْفَرد بك دون غَيره من الْأَسْمَاء وَقَول أَبى الْعَلَاء إِن فى النَّاس جمَاعَة يعرفونه بهَارُون لَا يلْزم أَبَا الطّيب وَإِنَّمَا يلْزمه لَو كَانَ قَالَ فَغَدَوْت وَأَنت غير مشارك فى اسْمك فَلم يفرق أَبُو الْعَلَاء بَين أَن يُقَال اسْمك غير مشارك فِيهِ وَبَين أَن يُقَال أَنْت غير مشارك فى اسْمك وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن اسْمك انْفَرد بك دون الْأَسْمَاء وَلم يرد أَنَّك انْفَرَدت بِاسْمِك دون النَّاس واللفظان متضادان
هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري
أبيات مشهورة منها(٦)
- نَفَذَت عَلَيَّ السابِرِيَّ وَرُبَّما ... تَندَقُّ فيهِ الصَعدَةُ السَمراءُ
- وَشَكِيَّتي فَقدُ السَقامِ لِأَنَّهُ ... قَد كانَ لَمّا كانَ لي أَعضاءُ
- وَكَذا الكَريمُ إِذا أَقامَ بِبَلدَةٍ ... سالَ النُضارُ بِها وَقامَ الماءُ
- في خَطِّهِ مِن كُلِّ قَلبٍ شَهوَةٌ ... حَتّى كَأَنَّ مِدادَهُ الأَهواءُ
- فَتَبيتُ تُسئِدُ مُسئِداً في نَيِّها ... إِسآدَها في المَهمَهِ الإِنضاءُ
- وَلِكُلِّ عَينٍ قُرَّةٌ في قُربِهِ ... حَتّى كَأَنَّ مَغيبَهُ الأَقذاءُ
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.