من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
كأنّ حواميه مُدبرا
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وانشد بعده وَهُوَ
كأنّ حواميه مُدبراخضبن وَإِن لم تكن تخضب
على أَن مُدبرا حَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ الْهَاء فيحواميه.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة فِي وصف فرس لنابغة الْجَعْدِي. وَقَبله:
كأنّ تماثيل أرساغهرِقَاب وعول على مشرب
وَبعده:
حِجَارَة غيل برضراضةكسين طلاءً من الطحلب
التماثيل: جمع تِمْثَال بِالْكَسْرِ وَهِي الصُّورَة. والأرساغ جمع رسغ بِالضَّمِّ وَهُوَ من الدوابّ: الْموضع المستدق بَين الْحَافِر وَمَوْضِع الوظيف من الْيَد وَالرجل وَمن الْإِنْسَان: مفصل مَا بَين الْكَفّ والساعد والقدم إِلَى السَّاق والوعول: جمع وعل قَالَ ابْن فَارس: هُوَ ذكر الأروى وَهُوَ الشَّاة الجبلية. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي البارع وَزَاد: وَالْأُنْثَى وَعلة بِكَسْر الْعين وتسكّن فيهمَا. وَالْمشْرَب بِالْفَتْح مَوضِع الشّرْب. وَهَذَا الْبَيْت من التَّشْبِيه البديع الَّذِي لم يسْبق إِلَيْهِ: شبّه أرساغه فِي غلظها وانحنائها وعذد الانتصاب فِيهَا برقاب وعول قد مدّتها لتشرب المَاء. وهذاالبيت من شَوَاهِد أدب الْكَاتِب قَالَ:: وَيسْتَحب أَن تكون الأرساغ غلاظاً يابسة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَوله: كأنّ حواميه.. الخ الحوامي: جمع حامية بِالْحَاء الْمُهْملَة وَهِي مَا فَوق الْحَافِر وَقيل: هِيَ مَا عَن يَمِين الْحَافِر وشماله وَلكُل حافر حاميتان قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هما عَن يَمِين السنبك وشماله.
والسنبك بِالضَّمِّ: طرف مقدم الْحَافِر. وتخضب بدل من تكن بدل اشْتِمَال لاشتمال الخضاب على الْكَوْن. وَهُوَ من قبيل بدل الْفِعْل من الْفِعْل وَلِهَذَا ظهر الْجَزْم. وَكسر للقافية.
وَالْحِجَارَة: جمع حجر وَهِي الصخر. والغيل بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: المَاء الْجَارِي على وَجه الأَرْض. والرضراضة: الأَرْض الصلبة قَالَ ابْن السّكيت فِي أَبْيَات الْمعَانِي. ورضراضة: أَرض مرصوصة بحجارة بالضاد الْمُعْجَمَة
والمهملة قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب: وَيسْتَحب أَن تكون الحوافر صلاباً غير نقدة والنقدر بِالتَّحْرِيكِ: ان ترَاهَا متقشرة وَتَكون سُودًا أَو خضرًا لَا)
يبيضّ مِنْهَا شَيْء لِأَن الْبيَاض فِيهَا رقة. اه.
شبّه حَوَافِرِهِ بحجارة مُقِيمَة فيماء قَلِيل. وَذَلِكَ أَصْلَب لَهَا يُقَال للصخرة الَّتِي بَعْضهَا فِي المَاء وَبَعضهَا خَارج: أتان الضحل والضحل: المَاء الْقَلِيل وَذَلِكَ النِّهَايَة فِي صلابتها.
وَإِيَّاهَا عَنى المتنبي بقوله:
أَنا صَخْرَة الْوَادي إِذا مَا زوحمتوَإِذا نطقت فَإِنِّي الجوزاء
وَإِذا كَانَت جَوَانِب الحوافر صلاباً على الْوَصْف الَّذِي ذكر وَكَانَت سُودًا أَو خضرًا فمقاديمها أَصْلَب وَأَشد سواداً وخضرة. وكسين بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْكسْوَة. وَالنُّون ضمير الْحِجَارَة.
وَالْجُمْلَة حَال من ضمير الظّرْف أَعنِي قَوْله برضراضة. والطلاء بِالْكَسْرِ: كل مَا يطلى بِهِ وَهُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي لكسا. يُقَال: طليته بِهِ أَي: لطخته بِهِ. والطّحلب بِضَم اللَّام وَفتحهَا مَعَ ضم المَاء فَهُوَ مطحلب بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا.
قَالَ ابْن الشجريّ فِي الْمجْلس الثَّالِث من أَمَالِيهِ عِنْد قَول المسيّب بن عَامر فِي مدح عمَارَة بن زباد الْعَبْسِي:
كسيف الفرند العضب أخْلص صقلهتراوحه أَيدي الرِّجَال قيَاما
إِن قَوْله قيَاما نصب على الْحَال من الرِّجَال. وَالْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَليلَة وَمن ذَلِك قَول الْجَعْدِي: كأنّ حواميه مُدبرا
نصب مُدبرا على الْحَال من الْهَاء... وأنشدوا فِي الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَول تأبّط شرا:
سلبت سلاحي يائساً وشتمتنيفيا خير مسلوب وَيَا شرّ سالب
وَلست أرى أَن بائساً حَال من الْيَاء فِي سلاحي وَلكنه عِنْدِي حَال من مفعول سلبت الْمَحْذُوف وَالتَّقْدِير: سلبتني بائساً سلاحي. ومثلي قَوْله تَعَالَى: ذَرْنِي وَمن خلقت وحيدا وَقَوله تَعَالَى: أَهَذا الَّذِي بعث الله رَسُولا أَي: خاقته وَبَعثه. وَإِنَّمَا وَجب الْعُدُول إِلَى مَا قُلْنَا لعزة حَال الْمُضَاف إِلَيْهِ. فَإِذا وجدت مندوحة وَجب تَركه. وسلب يتَعَدَّى إِلَى مفعولين يجوز الِاقْتِصَار على أَحدهمَا كَقَوْلِك: سلبت زيدا ثوبا وَقَالُوا: سلب زيد ثَوْبه بِالرَّفْع على بدل الاشتمال وثوبه بِالنّصب على أَنه مفعول ثَان وَفِي التَّنْزِيل: وَإِن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا لَا يستنقذوه مِنْهُ فَيجوز على هَذَا أَن نجْعَل بائساً مَفْعُولا ثَانِيًا بِتَقْدِير حذف الْمَوْصُوف أَي:)
سلبت سلاحي رجلا باائساً كَمَا تَقول: لتعاملن مني رجلا منصفاً.
وَمِمَّا جَاءَت الْحَال فِيهِ من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا قيل: إِن حَنِيفا حَال من إِبْرَاهِيم وأوجه من ذَلِك عِنْدِي أَن تَجْعَلهُ حَالا من الْملَّة وَإِن خالفها بالتذكير لِأَن الْملَّة فِي معنى الدَّين أَلا ترى أَنَّهَا قد أبدلت من الدَّين فِي قَوْله تَعَالَى: دينا قيمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم فَإِذا جعلت حَنِيفا حَالا من الْملَّة فالناصب لَهُ هُوَ الناصب للملة وَتَقْدِيره: بل نتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا. وَإِنَّمَا أضمر نتبع لِأَن مَا حَكَاهُ الله عَنْهُم من قَوْلهم: كونُوا هوداً أَو نَصَارَى تهتدوا مَعْنَاهُ اتبعُوا الْيَهُودِيَّة أَو النَّصْرَانِيَّة فَقَالَ لنَبيه ﷺ َ: قل بل نتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا.. وَإِنَّمَا ضعف مَجِيء الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَن الْعَامِل فِي الْحَال
يَنْبَغِي أَن يكون هُوَ الْعَامِل فِي ذِي الْحَال. اه كَلَامه.
وَقَالَ أَيْضا فِي الْمجْلس الرَّابِع وَالْعِشْرين: وَأما قَوْله: مُدبرا فحال من الْهَاء وَالْعَامِل على رَأْي أبي عليّ مَا تقدره فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ من معنى الجارّ. يَعْنِي أنّ التَّقْدِير كَأَن حوامي ثَابِتَة لَهُ مُدبرا أَو كائنة لَهُ. قَالَ: وَلَا يجوز تَقْدِيم هَذِه الْحَال لِأَن الْعَامِل فِيهَا معنى لَا فعل مَحْض. قَالَ: وَلَا يجوز أَن يكون الْعَامِل مَا فِي كأنّ من معنى الْفِعْل لِأَنَّهُ إِذا عمل فِي حَال لمي عمل فِي أُخْرَى. يَعْنِي أنّ كَأَن قد عمل فِي مَوضِع خضبن النصب على الْحَال فَلَا يعْمل فِي قَوْله مُدبرا. وَهَذَا القَوْل يدلّ على أَنه يُجِيز أَن ينصب حَال الْمُضَاف إِلَيْهِ الْعَامِل فِي الْمُضَاف. وَإِذا كَانَ هَذَا جَائِزا عِنْده فَإِن جعل خضبن خبر كَأَن فالعامل إِذا فِي مُدبرا مَا فِي كَأَن من معنى الْفِعْل.
وَهَذَا إِنَّمَا يجوز إِذا كَانَ الْمُضَاف ملتبساً بالمضاف إِلَيْهِ: كالتباس الحوامي بِمَا هِيَ لَهُ وَلَا يجوز فِي ضربت غُلَام هِنْد جالسة أَن تنصب جالسة بضربت لِأَن الْغُلَام غير ملتبس بهند كالتباس الحوامي بصاحبها. وَلَا يجوز عِنْدِي أَن تنصب جالسة بِمَا تقدره من معنى اللَّام فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ فكأنك قلت: ضربت غُلَاما كَائِنا لهِنْد جالسةً لِأَن ذَلِك يُوجب أَن يكون الْغُلَام لهِنْد فِي حَال جلوسها خَاصَّة وَهَذَا مُسْتَحِيل.
وَكَذَلِكَ قَوْله: كَأَن حواميه مُدبرا إِن قدرت فِيهِ: حوامي ثَابِتَة لَهُ مُدبرا وَجب أَن يكون الحوامي لَهُ فِي حَال إدباره دون حَال إقباله. وَهَذَا يُوضح لَك فَسَاد إعمالك فِي هَذِه الْحَال معنى الْجَار المقدّر فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَلَا يجوزإذن ضربت غُلَام هِنْد جالسة لذَلِك وَلعدم التباس الْمُضَاف بالمضاف إِلَيْهِ. وَنَظِير مَا ذَكرْنَاهُ: من جَوَاز مَجِيء الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ)
الْمُضَاف ملتبساً بِهِ قَوْله تَعَالَى: فظلت اعناقهم لَهَا خاضعين أخبر بخاضعين عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ وَلَو أخبر عَن الْمُضَاف لقَالَ خاضعة أَو خضّعاً أَو خواضع. وَإِنَّمَا حسن ذَلِك لِأَن خضوع أَصْحَاب الْأَعْنَاق بخضوع أَعْنَاقهم.
وَقد قيل فِيهِ غير هَذَا وَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي التَّفْسِير من أَن المُرَاد بأعناقهم كبراؤهم.
وَقَالَ أهل اللُّغَة: أَعْنَاقهم: جماعاتهم كَقَوْلِك: جَاءَنِي عنق من النَّاس أَي: جمَاعَة. فَالْخَبَر فِي هذَيْن الْقَوْلَيْنِ عَن الْأَعْنَاق.
وَقَوله: خضبن عِنْد أبي عليّ فِي مَوضِع نصب بِأَنَّهُ حَال من الحوامي وَلم يَجعله خبر كَأَن لِأَنَّهُ جعل خَبَرهَا قَوْله حِجَارَة غيل وَلم يجز أَن يَكُونَا خبرين لكأن: على حدّ قَوْلهم هـ احُلْو حامض أَي: قد جمع الطعمين قَالَ: لِأَنَّك لَا تَجِد فِيمَا أخبروا عَنهُ بخبرين أَن يكون أَحدهمَا مُفردا وَالْآخر جملَة: لَا تقولزيد خرج عَاقل. وَالْقَوْل عِنْدِي: أَن يكون أَحدهمَا مُفردا وَالْآخر جملَة: لَا تَقول زيد خرج عَاقل. وَالْقَوْل عِنْدِي: أَن يكون مَوضِع خضبن رفعا بِأَنَّهُ خبر كَأَن وَقَوله: حِجَارَة غيل خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ حِجَارَة غيل وأداة التَّشْبِيه محذوفة كَمَا فهنّ إضاء صافيات الغلائل أَي: مثل إضاء والإضاء: الغدران وَاحِدهَا أضاة فعلة جمعت على فعال كرقبة ورقاب: شبّه الدروع فِي صفائها بالغدران.
والنابغة الْجَعْدِي كنيته أَبُو ليلى وَهُوَ كَمَا فِي الِاسْتِيعَاب: قيس بن عبد الله. وَقيل: حَيَّان بن قيس بن عبد الله بن عَمْرو بن عدس بن ربيعَة بن جعدة بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة. وَقيل: اسْمه حَيَّان بن قيس بن عبد الله بن وحوح بن عدس بن ربيعَة بن جعدة.
وَإِنَّمَا قيل لَهُ: النَّابِغَة لِأَنَّهُ قَالَ الشّعْر فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ أَقَامَ مُدَّة نَحْو ثَلَاثِينَ سنة لَا يَقُول الشّعْر ثمَّ نبغ فِيهِ فقاله فسمّي النَّابِغَة. وَهُوَ أسنّ من النَّابِغَة الذبياني لِأَن الذبياني كَانَ مَعَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَكَانَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر بعد الْمُنْذر بن محرّق وَقد أدْرك النَّابِغَة الْجَعْدِي الْمُنْذر بن محرق ونادمه.
ذكر عمر بن شبّة أَنه عمّر مائَة وَثَمَانِينَ سنة وَأَنه أنْشد عمر بن الْخطاب ﵁:
لبست أُنَاسًا فأفنيتهموأفنيت بعد أنَاس أُنَاسًا
ثَلَاثَة أهلين أفنيتهموَكَانَ الْإِلَه هُوَ المستآسا
)
فَقَالَ لَهُ عمر: كم لَبِثت مَعَ كلّ أهل قَالَ: سِتِّينَ سنة.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: عمّر الْجَعْدِي مِائَتَيْنِ وَعشْرين سنة وَمَات بأصبهان.
وَلَا يدْفع هَذَا مامرّ فَإِنَّهُ أفنى ثَلَاثَة قُرُون فِي مائَة وَثَمَانِينَ سنة ثمَّ عمّر إِلَى زمن ابْن الزبير وَبعده.
والبيتان من قصيدة سينية. والمستآس: المستعاض مستفعل من الْأَوْس والأوس: الْعَطِيَّة عوضا.
وبعدهما:
وعشت بعيشين إِن المنون تلقّى المعايش فِيهَا خساسا
فحيناً أصادف غرّاتهاوحيناً أصادف مِنْهَا شماسا
شهدتهم لَا أرجّي الحياة حَتَّى تساقوا بسمر كئاسا
وَهُوَ جمع كأس.
قَالَ السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين: وَقَالَ حِين وفت لَهُ مائَة واثنتا عشرَة سنة:
مَضَت مائَة لعام ولدت فِيهِوَعشر بعد ذَاك وحجتان
فأبقى الدَّهْر وَالْأَيَّام منيكَمَا أبقى من السَّيْف الْيَمَانِيّ
تفلّل وَهُوَ مأثور جرازإِذا جمعت بقائمه اليدان
أَلا زعمت بَنو كَعْب بِأَنِّيأَلا كذبُوا كَبِير السن فَانِي
الخنان: مرض أصَاب النَّاس فِي أنوفهم وحلوقهم وَرُبمَا أَخذ النعم وَرُبمَا قتل اه. وَهُوَ بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبعدهَا نون مُخَفّفَة فِي الْقَامُوس:
والخنان كغراب: زكام الْإِبِل وزمن الخنان كَانَ فِي عهد الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وَمَاتَتْ الْإِبِل مِنْهُ.
ووفد الجعديّ على النَّبِي ﷺ َ مُسلما وأنشده ودعا لَهُ رَسُول الله ﷺ َ وَكَانَ من اول مَا أنده قَوْله فِي قصيدته الرائية:
أتيت رَسُول الله إِذْ جَاءَ بِالْهدىوَيَتْلُو كتابا كالمجرة نيرا
وجاهدت حَتَّى مَا أحس وَمن معيسهيلاً إِذا مَا لَاحَ ثمّت غوّرا
أقيم على التَّقْوَى وأرضى بِفِعْلِهَاوَكنت من النَّار المخوفة أحذرا
إِلَى أَن قَالَ:
وَإِنَّا لقوم مَا نعوّد خَيْلنَاإِذا ماالتقينا أَن تحيد وتنفرا
)
وننكر يَوْم الروع ألوان خَيْلنَامن الطعْن حَتَّى تحسب الجون أشقرا
وَلَيْسَ بِمَعْرُوف لنا ان نردهاصحاحاً وَلَا مستنكراً أَن تعقّرا
بلغنَا السَّمَاء مَجدنَا وسناؤناوَإِنَّا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا
وَفِي رِوَايَة عبد الله بن جَراد:
فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ: إِلَى أَيْن يَا أَبَا ليلى فَقَالَ: إِلَى الْجنَّة فَقَالَ: نعم إِن شَاءَ الله
وَلَا خير فِي حلم إِذا لم تكن لَهُبَوَادِر تَحْمِي صَفوه أَن يكدّرا
وَلَا خير فِي جهل إِذا لم يكن لَهُحَلِيم إِذا مَا اورد الْأَمر أصْدرَا
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: لَا يفضض الله فَاك فَكَانَ من احسن النَّاس ثغراً وَكَانَ إِذا سَقَطت لَهُ ثنية نَبتَت وَكَانَ فوه كالبدر المتهلّل يتلألأ ويبرق.
وَهَذِه القصيدة طَوِيلَة: نَحْو مِائَتي بَيت وَأنْشد جَمِيعهَا للنَّبِي ﷺ َ وأولها:
خليليّ غضّا سَاعَة وتهجّراولوما على مَا أحدث الدَّهْر أَو ذرا
وَهِي من أحسن مَا قيل من الشّعْر فِي الْفَخر بالشجاعة سباطة ونقاوة وحلاوة. وَمِنْهَا:
تذكرت والذكرى تهيج على الْفَتىوَمن حَاجَة المحزون أَن يتذكرا
نداماي عِنْد الْمُنْذر بن محرّقأرى الْيَوْم مِنْهُم ظَاهر الأَرْض مقفرا
تقضّى زمَان الْوَصْل بيني وَبَينهَاوَلم ينْقض الشوق الَّذِي كَانَ اكثرا
وَإِنِّي لآستشفي بِرُؤْيَة جارهاإِذا مَا لقاؤها عليّ تعذّرا
وَأُلْقِي على جِيرَانهَا مسحة الْهوىوَإِن لم يَكُونُوا لي قبيلاً ومعشرا
تردّيت ثوب الذلّ يو لقيتهاوَكَانَ رِدَائي نخوة وتجبرا
إِلَى أَن لَقينَا الحيّ بكر بن وَائِلثَمَانِينَ ألفا دارعين وحسّرا
فَلَمَّا قرعنا النبع بالنبع: بعضهبِبَعْض أَبَت عيدانه أَن تكسّرا
سقيناهم كأساً سقونا بِمِثْلِهَاولكننا كُنَّا على الْمَوْت أصبرا
قَالَ عمر بن شبّة: كَانَ النَّابِغَة الجعديّ شَاعِرًا مقدّماً غلا انه كَانَ إِذا هاجى غلب وَقد هاجى أَوْس بن مغراء وليلى الأخيلية وَكَعب بن جعيل فغلبوه وَهُوَ اشعر مِنْهُم مرَارًا.
لَيْسَ فيهم من يقرب مِنْهُ. وَكَانَ قد خرج مَعَ عَليّ ﵁ إِلَى صفّين فَكتب مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان فَأخذ أهل النَّابِغَة وَمَاله فَدخل النَّابِغَة على مُعَاوِيَة وَعِنْده مَرْوَان وَعبيد الله بن مَرْوَان)
فأنشده:
من رَاكب يَأْتِي ابْن هِنْد بحاجتيعلى النأي والأنباء تنمي وتجلب
ويخبر عني مَا أَقُول النعامروَنعم الْفَتى يأوي إِلَيْهِ المعصّب
فَإِن تَأْخُذُوا أَهلِي وَمَالِي بظنّةفَإِنِّي لأحرار الرِّجَال مجرّب
صبور على مَا يكره الْمَرْء كُلهسوى الظُّلم إِنِّي إِن ظلمت سأغضب
فَالْتَفت مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان فَقَالَ: مَا ترى قَالَ: أرى أَن لَا تردّ عَلَيْهِ شَيْئا فَقَالَ: مَا اهون عَلَيْك أَن يقطع عليّ عرضي ثمَّ ترويه الْعَرَب أما وَالله إِن كنت لمّمن يرويهّ أردد عَلَيْهِ كل شَيْء اخذته.. ثمَّ أقحمته سنة فَدخل على ابْن الزبير فِي الْمَسْجِد الْحَرَام يستجديه ومدحه بِأَبْيَات فَأعْطَاهُ من بَيت المَال قَلَائِص سبعا وفرساً رجيلاً: وأوقر لَهُ الرّكاب بّاً وَتَمْرًا وثياباً.
وَفِي تَارِيخ الْإِسْلَام للذهبي أَن النَّابِغَة قَالَ هَذِه الأبيات:
الْمَرْء يهوى أَن يعيش وَطول عمر قد يضرّهُ
وتتابع الأيّام حتى مَا يرى شَيْئا يسرّه
تفنى بشاشته ويبقى بعد حُلْو الْعَيْش مرّه
ثمَّ دخل بَيته فَلم يخرج مِنْهُ حَتَّى مَاتَ.
وَفِي الِاسْتِيعَاب: كَانَ النَّابِغَة يذكر فِي الْجَاهِلِيَّة دين إِبْرَاهِيم والحنيفية ويصوم ويستغفر فِيمَا ذكرُوا وَقَالَ فِي الْجَاهِلِيَّة كَلمته الَّتِي أَولهَا:
الْحَمد لله لَا شريك لَهُمن لم يقلها فنفسه ظلما
وفيهَا ضروب من دَلَائِل التَّوْحِيد وَالْإِقْرَار بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاء وَالْجنَّة وَالنَّار وَصفَة بعض ذَلِك: على نَحْو شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت. وَقد قيل إِن هـ االشّعْر لأمية بن أبي الصلب وَلكنه قد صَححهُ يُونُس بن حبيب وَحَمَّاد الراوية وَمُحَمّد بن سلاّم وَعلي بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش للنابغة الْجَعْدِي.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع