من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة على أَن أَسد العرين واء النجف حالان غما على تَقْدِير مثل وَإِمَّا على تأويلهما بِوَصْف أَي: شجعاناً وضعافاً. وَهَذَا ظَاهر.
وَهَذَا الْبَيْت آخر أَبْيَات أَرْبَعَة لأحد أَصْحَاب عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَهِي:
أيمنعنا الْقَوْم مَاء الْفُرَاتوَفينَا السيوف وَفينَا الحجف
وَفينَا عليّ لَهُ صولةإِذا خوّفوه الردى لم يخف
وَنحن الَّذين غَدَاة الزبيروَطَلْحَة خضنا غمار التّلف
فَمَا بالنا أمس أَسد العرين ومنشؤها على مَا ذكر فِي كتاب الْفتُوح وَكتاب الرَّوْضَة للحجوريّ: أَن عليّ بن أبي طَالب ﵁ لما نزل يصفين وصفّين مَدِينَة عتيقة من بِنَاء الْأَعَاجِم على شاطئ الْفُرَات بِالْقربِ من قنّسرين فسبقه مُعَاوِيَة إِلَى الْفُرَات وَمنع عليا وَأَصْحَابه من المَاء فَأرْسل عليّ ﵁ إِلَى مُعَاوِيَة الْأَشْعَث بن قيس وصعصعة بن صوحان وَقَالَ: اذْهَبَا إِلَى مُعَاوِيَة وقولا لَهُ: خيلك حَالَتْ بَيْننَا وَبَين المَاء وَنحن نكره قتالكم قبل الْإِعْذَار فأبلغاه الرسَالَة وَجرى بَينهم كَلَام: فَقَالَ الْأَشْعَث: إِنَّك إِن تَمْنَعنَا بِالْمَاءِ تَرَ منّا مَا لَا تُرِيدُ فخلّ عَن المَاء قبل أَن تغلب عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن صوحان: إِنَّا لَا نموت عطشاً وسيوفنا على عواتقنا فَاسْتَشَارَ مُعَاوِيَة أَصْحَابه)
فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد بن عتبَة وَهُوَ اخو عُثْمَان من امهِ: امنعهم كَمَا منعُوهُ عُثْمَان فَقَالَ عمروب ن الْعَاصِ: مَا أظنّ عليا يظمأ وَفِي يَده أعنّة
الْخَيل وَهُوَ ينظر إِلَى الْفُرَات فخلّ عَنهُ وَعَن المَاء.
وَقَالَ ابْن أبي سرح: أمنعهم المَاء مَنعهم الله إِيَّاه فَقَالَ ابْن صوحان: غنما مَنعه الله الفجرة مثلك وَمثل هَذَا الْفَاسِق: الْوَلِيد. وَبَقِي أَصْحَاب عليّ يومهم وليلتهم عطاشاً. فَسمع عليّ ﵁ صَبيا ينشد: أيمنعنا الْقَوْم مَاء الْفُرَات وَرجع الْأَشْعَث فَقَالَ: أيمنعنا الْقَوْم وَأَنت فِينَا خلّ عني وعنهم غَدا قَالَ عليّ: ذَلِك إِلَيْك.
فَنَادَى مُنَاد لَهُ: من كَانَ يُرِيد المَاء وَالْمَوْت فميعاده الصُّبْح فَأصْبح على بَاب مضربه أَرْبَعَة عشر ألفا وَسَار الْقَوْم وكلّ يرتجز برجزه ثمَّ قَالَ الْأَشْعَث: تقدّموا فَلَمَّا أشرفوا على المَاء قَالَ لأَصْحَاب مُعَاوِيَة: خلّوا عَن المَاء وَإِلَّا وردناه فَقَالَ أَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ: لَا وَالله حَتَّى تأخذنا السيوف وَإِيَّاكُم فَقَالَ: الْأَشْعَث للأشتر: أقحم الْخَيل فأقحمها حَتَّى غمست سنابكها فِي المَاء وَأخذ الْقَوْم السيوف فولّوا عَن المَاء. اه.
فَقَوله: وَفينَا السيوف وَفينَا الحجف هُوَ جمع حجفة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم يُقَال: للترس إِذا كَانَ من جُلُود لَيْسَ فِيهِ خشب وَلَا عقب: حجفة ودرقة كَذَا فِي الْعباب. وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: هِيَ جُلُود من جُلُود الْإِبِل يطارق بَعْضهَا على بعض وَيجْعَل مِنْهَا الترسة. وَقَوله: وَنحن الَّذين غَدَاة الزبير يُشِير بِهِ إِلَى وقْعَة الْجمل. والغمار: جمع غمرة بِالْفَتْح وَهِي الشدَّة. وَقَوله: أسسد العرين هُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة.
فِي الصِّحَاح: العرين والعرينة: مأوى الْأسد الَّذِي يألفه يُقَال: لَيْث عرينة وَلَيْث غابة. وأصل العرين جمَاعَة الشّجر. وَقَوله: شار النجف الشَّاء: جمع شَاة فِي الصِّحَاح: الشَّاة من الْغنم تذكر وتؤنث وَالْجمع شِيَاه بِالْهَاءِ فِي أدنى الْعدَد تَقول: ثَلَاث شِيَاه إِلَى الْعشْرَة فَإِذا حاوزت فبالتاء فَإِذا كثرت قيل هَذِه شَاءَ كَثِيرَة. زجمع الشَّاء شويّ. والنجف بِفَتْح النُّون وَالْجِيم قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ الْحَلب الْجيد حَتَّى ينفض الضَّرع يُقَال: انتجفت
الْغنم: إِذا استخرجت أقْصَى مَا فِي الضَّرع من اللَّبن وانتجفت الرّيح السَّحَاب: إِذا استفرغته وانتجاف الشَّيْء: استخراجه وَكَذَلِكَ استنجافه. والنجف والنجفة أَيْضا: مَكَان لَا يعلوه المَاء مستطيل منقاد وَالْجمع نجاف.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النجفة المسنّاة والنجف: التل. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: النجفة الَّتِي هِيَ بِظَاهِر)
الْكُوفَة هِيَ المسناة تمنع مَاء السَّيْل أَن يَعْلُو منَازِل الْكُوفَة ومقابرها وَفِيه مرقد عليّ بن أبي طَالب ﵁. قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الموصلّي يمدح النجف:
مَا إِن أرى النَّاس فِي سهل وَفِي جبلأصفى هَوَاء وَلَا أعذى من النجف
والبال هُنَا بِمَعْنى الشَّأْن وَالْحَال وَهُوَ الْعَامِل فِي أمس وَفِي الْحَال لكَونه بِمَعْنى الْفِعْل. قَالَ التَّفْتَازَانِيّ عِنْدَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُورَة آل عمرَان: مَا باله وَهُوَ آمن قَوْله: وَهُوَ آمن حَال من عَامله مَا فِي بَال من معنى الْفِعْل وَلم نجد فِي الِاسْتِعْمَال هَذِه الْحَال بِالْوَاو قَالَ: مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب وَاعْلَم ان مَجِيء الْحَال بَعْدَمَا بَال أكثريّ وَقد يَأْتِي بِدُونِهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: فَمَا بَال الْقُرُون الأولى.
وَقد وَردت الْحَال بعده على وُجُوه: مِنْهَا مُفْردَة كبيت الشَّاهِد كَقَوْلِه:
فَمَا بَال النُّجُوم معلّقاتبقلب الصّبّ لَيْسَ لَهَا براح
وَمِنْهَا ماضيّة مقرونة بقد كَقَوْل العامري:
مَا بَال قَلْبك يَا مَجْنُون قد هلعامن حبّ من لَا ترى فِي نيله طَمَعا
وبالواو مَعهَا كَقَوْلِه:
مَا بَال جهلك بعد الْحلم وَالدّينوَقد علاك مشيب حِين لَا حِين
وَبِدُون قد كَقَوْلِه أَيْضا:
فَمَا بَال قلبِي هدّه الشوق والهوىوَهَذَا قَمِيصِي من جوى الْحزن بَالِيًا
ومضارعية مثبتة كَقَوْل أبي العتاهيّة: وبالواو كَقَوْلِه:
فَمَا بَال من أسعى لأجبر عظمهحفاظاً وَيَنْوِي من سفاهته كسري
ومنفيّة كَمَا أنْشدهُ ابْن الْأَعرَابِي: وقائلة مَا باله لَا يزورها وَمِنْهَا اسميّة غير مقترنة بواو كَقَوْل ذِي الرمّة: مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع