تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة

فيه ١٢ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة

يَقُول وَقد ترّ الوظيف وساقهاأَلَسْت ترى أَن قد أتيت بمؤيد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

على أَنه يخرج عَن تَعْرِيف الْحَال الْحَال الَّتِي هِيَ جملَة بعد عَامل لَيْسَ مَعَه ذُو حَال.

بَيَانه: أَن جملَة وَقد ترّ الوظيف حَال وعاملها يَقُول وَلَا صَاحب لَهَا وَأما فَاعل يَقُول وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فَلَيْسَ صَاحب الْحَال لِأَنَّهَا لم تبين هَيئته إِذْ لَيست من صِفَاته. وَهَذَا إِنَّمَا يرد على تَعْرِيف المُصَنّف الْحَال فَإِنَّهُ اعْتبر فِيهِ تَبْيِين الْهَيْئَة وَلَا يرد عل ى تَعْرِيف الشَّارِح فَإِنَّهُ لم يعْتَبر فِي الحدّ تَبْيِين الْهَيْئَة. وَقد أوّل النَّاس تَعْرِيف المُصَنّف على وُجُوه مِنْهُم السَّيِّد ركن الدَّين فِي شَرحه الْكَبِير على الكافية وَابْن هِشَام فِي شرح التسهيل وَمُغْنِي اللبيب وَكَذَا الدماميني وَغَيره.

وترّ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة وَالرَّاء الْمُهْملَة قَالَ ابْن دُرَيْد: ترّ الْعظم يترّه ترّاً إِذا قطعه وَكَذَلِكَ كل عُضْو انْقَطع بضربة وَاحِدَة فقد ترّ ترّاً وينشد بِالْوَجْهَيْنِ قَول طرفَة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت فِي الجمهرة.

يُرِيد: أَن ترّ ورد لَازِما ومتعدياً.

وَرُوِيَ بِرَفْع الوظيف على أَنه فَاعل ترّ اللَّازِم بِمَعْنى انْقَطع وَفَسرهُ يَعْقُوب بن السّكيت فِي شرح ديوَان طرفَة وَتَبعهُ الأعلم فِي شَرحه بقوله: طنّ وندر. وَرُوِيَ بِنصب الوظيف على أَنه مفعول ترّ الْمُتَعَدِّي بِمَعْنى قطع وفاعله ضمير العضب فِي بَيت قبله.

وَقَوله: وساقها: مَعْطُوف عَلَيْهِ بِالْوَجْهَيْنِ وَضمير الْمُؤَنَّث رَاجع إِلَى الكهاة فِي بَيت قبله وَهِي النَّاقة الضخمة. والوظيف فِي الرجل مَا بَين الرسغ

والساق وَفِي الْيَد: مَا بَين الرسغ والذراع.

وَقَوله: أَلَسْت ترى الخ مقول القَوْل. وَالْخطاب فِي الثَّلَاثَة لطرفة والاستفهام للتوبيخ. والرؤية يجوز أَن تكون بصرية فَأن مَعَ مَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل مُفْرد مَنْصُوب على أَنه مفعول الرُّؤْيَة وَأَن تكون علمية فَأن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَاسْمهَا ضمير شَأْن وَجُمْلَة قد أتيت خَبَرهَا وَهِي مَعَ معمولها سادّة مسدّ المفعولين للرؤية. والمؤيد: على وزن اسْم الْفَاعِل قَالَ الأعلم: هُوَ الداهية وَأَصلهَا من الأيد وَهُوَ الْقُوَّة كأناداهية ذَات شدَّة وَقُوَّة. وَرَوَاهُ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح المعلقات بزنة اسْم الْمَفْعُول أَيْضا وَقَالَ: أَي: جِئْت بِأَمْر شَدِيد يشدّد فِيهِ: من عقرك هذهالناقة. وَلَيْسَ الْمُؤَيد من الوأد مَا توهمه السَّيِّد فِي حَوَاشِي هَذَا الْكتاب فَإِنَّهُ قَالَ: وأده أَي: دَفنه حَيا والْمُؤَيد:)

الداهية.

قَالَ ابْن جنّي فِي الْمنصف وَهُوَ شرح تصريف الْمَازِني: الْفِعْل المعتل الْعين إِذا صَحَّ مَا قبل عينه نقلت حَرَكَة عينه إِلَى السَّاكِن بلها نَحْو أَقَامَ واستقام. فَأَما مَا اعتلّت فاؤه فَإنَّك لَا تنقل إِلَيْهَا حَرَكَة الْعين وَذَلِكَ قَوْلك فِي أفعلت نَحْو آيمت وآولت من آم وَآل. لِأَنَّهُ لما اعتلت الْفَاء وَهِي همزَة فَقبلت ألفا صحّت الْعين وعَلى ذَلِك قَول الشَّاعِر: كرأس الفدن الْمُؤَيد

فَهَذَا فعل بزنة اسْم الْمَفْعُول من الأيد وَهُوَ الْقُوَّة وَلم يقل المؤاد أَي: بِهَمْزَة ممدودة بعد الْمِيم المضمومة وَقَالَ طرفَة: أَن قد أتيت بمؤيد وَهِي الداهية وَهِي بزنة اسْم الْفَاعِل من الأيد أَيْضا وَلم يقل المئيد أَي: بميم مَضْمُومَة فهمزة مَكْسُورَة بعْدهَا مثناة تحتية وَقَالُوا: آيدته فِي أفعلته من الأيد وأيدته فعّلته. وآيدته قَليلَة مَكْرُوهَة لِأَنَّك إِن صححت فَهُوَ ثقيل وَإِن أعللت جمعت بَين إعلالين. فَعدل عَن أفعلته إِلَى فعّلته فِي غَالب الْأَمر اه.

وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة طرفَة بن العَبْد الْمَشْهُورَة. وَهَذَا مَا قبله:

وبرك هجود قد أثارت مخافتينواديها أَمْشِي بعضب مُجَرّد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لِخَولة َ أطْلالٌ بِبُرقَة ِ ثَهمَدِ، ( معلقة )»
فمرّت كهاة ذَات خيف جلالةعقيلة شيخ كالوبيل يلندد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

يَقُول وَقد ترّ الوظيف وساقها... الْبَيْت

وَقَالَ أَلا مَاذَا ترَوْنَ بشاربشَدِيد علينا بغيه متعمد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»
فظل الْإِمَاء يمتللن حوارهاوتسعى علينا بالسديف المسرهد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

قَوْله: وبرك بِفَتْح الْمُوَحدَة مجرور بواو رب قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: البرك يَقع على جَمِيع مَا يبرك من الْجمال والنوق على المَاء وبالفلاة من حر الشَّمْس أَو الشِّبَع الْوَاحِد بَارك وباركة. وَقيل: البرك: جمَاعَة إبل الْحَيّ وَقيل لَهَا: برك لِاجْتِمَاع مباركها. وبرك الْبَعِير: إِذا ألْقى صَدره على الأَرْض.

والهجود: النيام جمع هاجد وهاجدة ومصدره الهجود أَيْضا بِمَعْنى النّوم كالقعود وَالْجُلُوس.

ومخافتي: فَاعل أثارت وَهُوَ مصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَي: مخافتها إيَّايَ.

ونواديها: مفعول أثارت أَي: أوائلها وَمَا سبق مِنْهَا وَهُوَ بالنُّون

يُقَال: لَا ينداك مني أَمر تكرههُ أَي: لَا يسْبق إِلَيْك مني وَإِنَّمَا خص النوادي لِأَنَّهَا أبعد مِنْهُ عِنْد فرارها. فَيَقُول: لَا يفلت من عقري مَا قرب وَلَا مَا شَذَّ فندّ.)

وَقَالَ ابْن السّكيت: النوادي الثقال أَيْضا من الْإِبِل الْوَاحِدَة نَادِيَةَ. وَجُمْلَة أَمْشِي حَال من الْيَاء فِي مخافتي. والعضب:

السَّيْف الْقَاطِع. والمجرد: المسلول من غمده. يَقُول: ربّ إبل كَثِيرَة باركة قد أثارت نوادي هَذَا البرك عَن مباركها مخافتها إيَّايَ فِي حَال مشيي إِلَيْهَا بِسيف مسلول قَاطع.

يُرِيد: أَنه أَرَادَ أَن ينْحَر لأضيافه بَعِيرًا فنفرت مِنْهُ لتعودها ذَلِك مِنْهُ.

وَقَوله: فمرّت كهاة الخ الكهاة بِفَتْح الْكَاف قَالَ ابْن السّكيت: هُوَ جلد الضَّرع وَقَالُوا: هُوَ جلد الضَّرع الْأَعْلَى الَّذِي يُسمى الجراب. يُقَال: نَاقَة خيفاء إِذا كَانَ ضرْعهَا كَبِيرا. وجلالة: بِالرَّفْع: صفة كهاة وَهِي بِضَم الْجِيم بِمَعْنى الجليلة والعظيمة. وعقيلة شيخ: صفة ثَالِثَة أَي: خير مَاله والعقيلة: الْكَرِيمَة. وَهَذَا الشَّيْخ قَالَ ابْن السّكيت: هُوَ بعض بني عَم طرفَة كَانَ طرفَة عقر لَهُ نَاقَة.

وَقَالَ الزوزني: أَرَادَ بالشيخ أَبَاهُ يُرِيد: أَنه نحر كرائم مَال أَبِيه لندمائه. وَقيل: بل أَرَادَ غَيره مِمَّن يُغير على مَاله. وَقَوله: كالوبيل صفة شيخ. قَالَ ابْن السّكيت: الوبيل الْعَصَا. وَقَالَ الزوزني: الوبيل: الْعَصَا الضخمة فِي الصِّحَاح: الوبيل: الحزمة. فعلى هَذَا شبّه عِظَامه فِي البيوسة بالحطب وَالشَّيْخ بِأَنَّهُ حزمة من الْحَطب. واليلندد: السَّيئ الْخلق الشَّديد الْخُصُومَة صفة ثَانِيَة للشَّيْخ.

وَقَوله: يَقُول وَقد ترّ الوظيف الخ أَي: قَالَ الشَّيْخ فِي حَال عقري هَذِه النَّاقة الْكَرِيمَة النجيبة.

وَمثلهَا لَا يعقر للأضياف وَقَوله: وَقَالَ أَلا مَاذَا ترَوْنَ الخ فَاعل قَالَ ضمير الشَّيْخ صَاحب النَّاقة وَذَا اسْم مَوْصُول وَمَا اسْتِفْهَام مَنْصُوب بترون وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف أَي: قَالَ الشَّيْخ مستشيراً أَصْحَابه: مَا الَّذِي

ترَوْنَ أَن نَفْعل بطرفة شَارِب الْخمر يَبْغِي علينا بعقر كرائم أَمْوَالنَا وَقَوله: فَقَالُوا: ذروه الخ أَي: ذَروا طرفَة فَإِن نَفعهَا للشَّيْخ فَإِن طرفَة يخلف عَلَيْهِ ويزيده وَإِن لم تردّوا قاصي إبلكم يعقر مِنْهَا أَيْضا. وَقيل: مَعْنَاهُ: إِن لم تردّوا قاصي البرك وتردّوه إِلَى أَوله زَاد فِي نفاره وَذهب. والقاصي: اسْم فَاعل من قصا يقصو قصوّاً: إِذا بعد.

وَقَوله: فظل الْإِمَاء الخ يمتللن بِكَسْر اللَّام أَي: يشوين فِي الْملَّة وَهِي الرماد الْحَار. وَالْإِمَاء: الخدم. والحوار بِضَم الْمُهْملَة: ولد النَّاقة. والسديف: قطع السنام. والمسرهد: المريء الْحسن الْغذَاء وَقيل: السمين. أَي: فظل الْإِمَاء يشتوين الْوَلَد الَّذِي خرج من بَطنهَا تَحت الْجَمْر والرماد الْحَار وتسعى الخدم علينا بِقطع سنامها المقطّع يُرِيد: أَنهم أكلُوا أطايبها وأباحوا غَيرهَا للخدم.)

وَذكر الحوار يدل على أَنَّهَا كَانَت حُبْلَى وَهِي من أنفس الْإِبِل عِنْدهم.

وترجمة طرفَة بن العَبْد تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة

وَقد أغتدي وَالطير فِي وكناتهابمنجردقيد الأوابد هيكل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

لما تقدم قبله. وَقد بَيناهُ.

وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة. وَقَوله: وَقد أغتدي أَي: أخرج غدْوَة للصَّيْد.

والوكنات الْوَاو مَضْمُومَة وَالْكَاف يجوز ضمهَا وَفتحهَا

وسكونها جمع وكنة بِضَم فَسُكُون. قَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: وَمن ذَلِك قِرَاءَة عبد الْكَرِيم الْجَزرِي: فتكِن فِي صَخْرَة بِكَسْر الْكَاف من قَوْلهم وَكن الطَّائِر يكن وكوناً: إِذا اسْتَقر فِي وكنته وَهِي مقره لَيْلًا وَهِي أَيْضا عشّه الَّذِي يبيض فِيهِ. وَكَأَنَّهُ من مقلوب الْكَوْن لِأَن الْكَوْن الِاسْتِقْرَار. اه.

وَالْقَاف لُغَة فِي الْكَاف يُقَال: وقنة ووقنات. وَرُوِيَ: فِي وكراتها بِضَمَّتَيْنِ جمع وكر بضمة فَسُكُون وَهُوَ جمع وكربفتح فَسُكُون والوكر: مأوى الطَّائِر فِي العش. وَالطير: جمع طَائِر كصحب جمع صَاحب. وَهَذَا المصراع قد اسْتَعْملهُ امْرُؤ الْقَيْس فِي قصيدته اللامية قَالَ:

وَقد أغتدي وَالطير فِي وكناتهالغيث من الوسمي رائده خَالِي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وَفِي الضادية أَيْضا وَتَمَامه: بمنجرد عبل الْيَدَيْنِ قبيض وَفِي البائية أَيْضا وَتَمَامه: وَمَاء الندى يجْرِي على كل مذنب وَهَذَا الْبَيْت قد وَقع فِي قصيدة لعلقمة الْفَحْل أَيْضا. وَجُمْلَة: وَالطير فِي وكناتها

حَال من ضمير الْمُتَكَلّم أَي: أغدو إِلَى الصَّيْد ملابساً لهَذِهِ الْحَالة. والمنجرد من الْخَيل قيل: الْمَاضِي فِي السّير وَقيل: الْقَلِيل الشّعْر القصيره. وبمنجرد مُتَعَلق بقوله أغتدي. والأوابد: الوحوش جمع آبده.

يُرِيد: أَن هَذَا الْفرس من شدَّة سرعته يلْحق الأوابد فَيصير لَهَا بِمَنْزِلَة الْقَيْد. قَالَ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة: قيد الأوابد صفة وَهُوَ مصدر كَأَنَّهُ قَالَ: يُقيد الأوابد ثمَّ اسْتعْمل الْمصدر: بِحَذْف الزِّيَادَة فوصف بِهِ. وَقَالَ التبريزي: تَقْدِير قيد الأوابد ذِي تَقْيِيد الأوابد. قَالَ الباقلاّني فِي إعجاز الْقُرْآن: قَوْله قيد الأوابد عِنْدهم من البديع وَهُوَ من الِاسْتِعَارَة ويرونه من الْأَلْفَاظ)

الشَّرِيفَة وعنى بذلك أَنه إِذا أرسل هَذَا الْفرس على الصَّيْد صَار قيدا لَهَا وَكَانَت بِحَال الْمُقَيد من جِهَة سرعَة عدوه. وَقد اقْتدى بِهِ النَّاس وَاتبعهُ الشُّعَرَاء فَقيل: قيد النواظر وَقيد الألحاظ وَقيد الْكَلَام وَقيد الحَدِيث وَقيد الرِّهَان قَالَ ابْن يعفر:

بمقلّص عتد جهير شدّهقيد الأوابد والرهان جواد

وَقَالَ أَبُو تَمام:

لَهَا منظر قيد الأوابد لم يزليروح وَيَغْدُو فِي خفارته الحبّ

وَقَالَ آخر:

ألحاظه قيد عُيُون الورىفَلَيْسَ طرف يتعدّاه

وَقَالَ آخر:

قيّد الْحسن عَلَيْهِ الحدقا والهيكل قَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ الْفرس الْعَظِيم الجرم.

مكرّ مفرّ مقبل مُدبر مَعًاكجلمود صَخْر حطّه السَّيْل من عل
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ولما رأينا المغربي بخدمة المؤيد»

مكر ومفر بِكَسْر الْمِيم فيهمَا وجرّهما أَي: فرس صَالح للكرّ والفرّ. وَالْكر: الْعَطف يُقَال: كرّ فرسه على عدوه. أَي: عطفه عَلَيْهِ. ومفعل بِكَسْر الْمِيم يتَضَمَّن مُبَالغَة كَقَوْلِهِم: فلَان مسعر حَرْب وَفُلَان مقول ومصقع. وَإِنَّمَا جَعَلُوهُ متضمناً مُبَالغَة لِأَن مفعلاً يكون من أَسمَاء الأدوات فَكَأَنَّهُ أَدَاة للكرّ والفرّ وَآلَة لتسعر الْحَرْب أَي: تلهبها وَآلَة الْكَلَام. ومقبل ومدبر بِضَم ميميهما: اسْما فَاعل من الإقبال والإدبار. والجلمود بِالضَّمِّ: الصخر الْعَظِيم الصلب. والحط: إِلْقَاء الشَّيْء من علو إِلَى سفل. وعل بِمَعْنى عَال أَي: من مَكَان عَال.

وَفِي هَذَا الْبَيْت الاتساع قَالَ ابْن أبي الإصثبع فِي تَحْرِير التحبير: الاتساع أَن يَأْتِي الشَّاعِر بَيت يَتَّسِع فِيهِ التَّأْوِيل على قدر قوى النَّاظر فِيهِ وبحسب مَا تحْتَمل لفاظه كَقَوْلِه فِي صفة فرس: مكرّ مفرّ مقبل مُدبر مَعًا

لِأَن الْحجر يطْلب جِهَة السّفل لكَونهَا مركزه إِذْ كل شَيْء يطْلب مركزه بطبعه فالحجر يسْرع انحطاطه إِلَى السّفل من الْعُلُوّ من غير وَاسِطَة فَكيف إِذا أعانته قُوَّة دفّاع السَّيْل من عل فَهُوَ حَال تدحرجه يرى وَجهه فِي الْآن الَّذِي يرى فِيهِ ظَهره بِسُرْعَة تقلبه وَبِالْعَكْسِ. وَلِهَذَا قَالَ: مقبل مُدبر مَعًا يَعْنِي يكون إدباره وإقباله مُجْتَمعين فِي المعيّة لَا يعقل الْفرق بَينهمَا.)

وَحَاصِل الْكَلَام وصف الْفرس بلين الرَّأْس وَسُرْعَة الانحراف فِي صدر الْبَيْت وَشدَّة الْعَدو فِي عَجزه. وَقيل: إِنَّه جمع وصفي الْفرس بِحسن الْخلق وَشدَّة الْعَدو ولكونه قَالَ فِي صدر الْبَيْت إِنَّه حسن الصُّورَة النصبة فِي حالتي إقباله وإدباره وكرّه وفرّه ثمَّ شبهه بجلمود صَخْر حطّه السَّيْل من الْعُلُوّ بِشدَّة الْعَدو فَهُوَ فِي الْحَالة الَّتِي ترى فِيهَا لببه ترى فِيهَا كفله وَبِالْعَكْسِ. هَذَا وَلم تخطرهذه الْمعَانِي بخاطر الشَّاعِر فِي وَقت الْعَمَل وَإِنَّمَا الْكَلَام إِذا كَانَ قويّاً من مثل هَذَا الْفَحْل احْتمل لقُوته وُجُوهًا من التَّأْوِيل بِحَسب مَا تحْتَمل أَلْفَاظه وعَلى مِقْدَار قوى الْمُتَكَلِّمين فِيهِ. وَمثله أَيْضا:

إِذا قامتا تضوّع الْمسك مِنْهُمَانسيم الصّبا جَاءَت بريّا القرنفل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

فَإِن هَذَا الْبَيْت اتَّسع النقاد فِي تَأْوِيله: فَمن قَائِل: تضوع مثل الْمسك مِنْهُمَا بنسيم الصِّبَا وَمن قَائِل: تضوع نسيم الصِّبَا مِنْهُمَا وَمن قَائِل: تشوع الْمسك مِنْهُمَا تضوع نسيم الصِّبَا وَهَذَا هُوَ الْوَجْه عِنْدِي وَمن قَائِل: تضوع الْمسك مِنْهُمَا بِفَتْح الْمِيم يَعْنِي الْجلد بنسيم الصِّبَا.

وَقَالَ ابْن الْمُسْتَوْفى فِي شرح أَبْيَات المفصّل: حَدثنِي الإِمَام أَبُو حَامِد سُلَيْمَان قَالَ: كُنَّا فِي خوارزم وَقد جرى النّظر فِي بَيت امْرِئ الْقَيْس: إِذا قامتا تضوع الْمسك مِنْهُمَا

فَقَالُوا: كَيفَ شبّه تضوع الْمسك بنسيم الصِّبَا والمشبّه يَنْبَغِي أَن يكون مثل المشبّه بِهِ والمسك أطيب رَائِحَة وَطَالَ القَوْل فِي ذَلِك فَلم يحققوه وَكَانَ سَأَلَني عَنهُ فأجبت لوقتي أَنه شبه حَرَكَة الْمسك مِنْهُمَا عِنْد الْقيام بحركة نسيم الصِّبَا لِأَنَّهُ يُقَال: تضوع الفرخ أَي: تحرّك وَمِنْه تضوع الْمسك تحرّك وانتشرت رَائِحَته: وَذَلِكَ أَن الْمَرْأَة تُوصَف بالبطء عِنْد الْقيام فحركة الْمسك تكون إِذا ضَعِيفَة مثل حَرَكَة النسيم وانتشاره كانتشاره فالتشبيه صَحِيح.

والنسيم: الرّيح الطّيبَة ونسيم الرّيح أوّلها حِين تقبل بلين. وَلقَائِل أَن يَقُول: إِن نسيم الصِّبَا وَهِي الرّيح الطّيبَة إِذا جَاءَت برّيا القرنفل وَهِي أَيْضا ريح طيبَة قاربت ريح الْمسك. وَبعد أَن جرى ذَلِك بِمدَّة طَوِيلَة وَقع إليّ كتاب أبي بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الأنباريّ فِي شرح القصائد السبعيات فَوَجَدته ذكر عِنْد هَذَا الْبَيْت قولا حسنا وَهُوَ قَوْله: وَمعنى تضوع أَخذ كَذَا وَكَذَا.

وَهُوَ تفعّل من ضَاعَ يضوع يُقَال: للفرخ إِذا سمع صَوت أمه فَتحَرك: قد ضاعته أمه تضوعه ضوعاً. فَلَا حَاجَة مَعَ قَوْله أَخذ كَذَا وَكَذَا إِلَى تمحل لذَلِك وَيكون التَّقْدِير: تضوّع الْمسك مِنْهُمَا)

تضوّع نسيم الصِّبَا أَي: أَخذ كَذَا وَكَذَا كَمَا أَخذ النسيم كَذَا وَكَذَا. اه.

وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»