تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

(٤) المبحث الرابع: في تقسيم التشبيه باعتبار وجه الشَّبه

(١) تشبيه تمثيل: وهو ما كان وجه الشبه فيه وصفًا منتزعًا من متعدد، حسيًّا كان أو غير حسي، كقوله:

وما المرء إلا كالشهاب وضوئهيوافي تمام الشهر ثم يغيب

فوجه الشبه سرعة الفناء، انتزعه الشاعر من أحوال القمر المتعددة؛ إذ يبدو هلالًا، فيصير بدرًا، ثم ينقص، حتى يدركه المحاق، ويُسمى تشبيه التمثيل.

(٢) وتشبيه غير تمثيل: وهو ما لم يكن وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد، نحو: «وجهه كالبدر» ومثل قول الشاعر:

لا تطلبنَّ بآلة لك رتبةقلم البليغ بغير حظ مغزل
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

فوجه الشبه قلة الفائدة، وليس منتزعًا من متعدد.

(٣) ومفصل: وهو ما ذكر فيه وجه الشبه، أو ملزومه، نحو: «طبع فريد كالنسيم رقة» و«يده كالبحر جودًا» و«كلامه كالدر حسنًا» و«ألفاظه كالعسل حلاوة»، ومثل قول ابن الرومي:

شيبه البدر حسنًا وضياءً ومنالاوشبيه الغصن لينًا وقوامًا واعتدالا

(٤) ومجمل: وهو ما يذكر فيه وجه الشبه، ولا ما يستلزمه، نحو: «النحو في الكلام كالملح في الطعام» فوجه الشبه هو الإصلاح في كل. ومثل قوله:

إنما الدنيا كبيتنسجه من عنكبوت

واعلم أن وجه الشبه المجمل إما أن يكون خفيًّا وإما أن يكون ظاهرًا، ومنه ما وصف فيه أحد الطرفين أو كلاهما بوصف يُشعر بوجه الشبه، ومنه ما ليس كذلك.

(٥) وقريب مبتذل: وهو ما كان ظاهر الوجه ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به، من غير احتياج إلى شدة نظر وتأمل؛ لظهور وجهه بادئ الرأي.

وذلك لكون وجهه لا تفصيل فيه، كتشبيه الخد بالورد في الحمرة، أو لكون وجهه قليل التفصيل، كتشبيه الوجه بالبدر في الإشراق أو الاستدارة، أو العيون بالنرجس.

وقد يتصرف في القريب بما يخرجه عن ابتذاله إلى الغرابة، كقول الشاعر:

لم تلقَ هذا الوجه شمسُ نهارناإلا بوجه ليس فيه حياء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

فإن تشبيه الوجه الحسن بالشمس مبتذل، ولكن حديث الحياء أخرجه إلى الغرابة.

وقد يخرج وجه الشبه من الابتذال إلى الغرابة؛ وذلك بالجمع بين عدة تشبيهات كقول الشاعر:

كأنما يبسم عن لؤلؤمنضد أو برد أو أقاح

أو باستعمال شرط، كقوله:

عزماته مثل النجوم ثواقبًالو لم يكن للثاقبات أفول

(٦) وبعيد غريب: وهو ما احتاج في الانتقال من المشبه إلى المشبه به إلى فكر وتدقيق نظر؛ لخفاء وجهه بادئ الرأي، كقوله:

والشمس كالمرآة في كف الأشل

«فإن الوجه فيه» هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق، والحركة السريعة المتصلة مع تموج الإشراق، حتى ترى الشعاع كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة، ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض.

وحكم وجه المشبه أن يكون في المشبه به أقوى منه في المشبه، وإلا فلا فائدة في التشبيه.

تمرين

بيِّن أركان التشبيه وأقسام كل منها فيما يلي:

(١) ومكلف الأيام ضد طباعهامتطلب في الماء جذوة نار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»
(٢) والدهر يقرعني طورًا وأقرعهكأنه جبل يهوي إلى جبل
(٣) فإن أغْشَ قومًا بعده أو أزورهمفكالوحش يدنيها من الأنس المحل
(٤) الشمس من مشرقها قد بدتمشرقة ليس لها حاجب
كأنها بوتقة أُحميتيجول فيها ذهب ذائب
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

(٥) قالت أعرابية تصف بنيها: «هم كالحلقة المفرغة لا يُدْرى أين طرفاها.»

(٦) عزماتهم قضب وفيض أكفهمسحب وبيض وجوههم أقمار
للشاعر أبو طالب المأموني، اقرأ القصيدة

(٧) قال علي كرم الله وجهه: «مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه.»

(٨) قال صاحب كليلة ودمنة: «الدنيا كالماء الملح، كلما ازددت منه شربًا ازددت عطشًا.»

(٩) فانهض بنار إلى فحم كأنهمافي العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
(١٠) فتراه في ظلم الوغى فتخالهقمرًا يكر على الرجال بكوكب
(١١) كأن الثريا في أواخر ليلهاتفتُّح نَوْر أو لجام مفضض
(١٢) كأن الدموع على خدهابقية طل على جلنار
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
(١٣) صحو وغيم وضياء وظلممثل سرور شابه عارض غم

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في التشبيه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.