من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(٣-١) ملخص القول في تقسيم طرفي التشبيه
(١) في صفة مبصرة، كتشبيه المرأة بالنهار في الإشراق، والشعر بالليل في الظلمة والسواد، كما في قول الشاعر: فرعاء تسحب من قيام شعرها وتغيب فيه وهو ليل أسحم فكأنها فيه نهار مشرق وكأنه ليل عليها مظلم
(٢) أو في صفة مسموعة، نحو: «غرد تغريد الطيور»، ونحو: «سجع سجع القمري»، ونحو: «أنَّ أنين الثكلى»، ونحو: «أسمع دويًّا كدوي النحل»، وكتشبيه إنقاض الرحل بصوت الفراريج في قول الشاعر:
كأن أصوات من إيغالهن بناأواخر الميس إنقاض الفراريج
وكتشبيه الأصوات الحسنة في قراءة القرآن الكريم بالمزامير.
(٣) أو في صفة مذوقة، كتشبيه الفواكه الحلوة بالعسل، وكتشبيه الريق بالخمر في قول الشاعر: كأن المُدام وصوب الغمام وريح الخزامى وذوب العسل يعل به برد أنيابها إذا النجم وسط السماء اعتدل
(٤) أو في صفة ملموسة، كتشبيه الجسم بالحرير في قول ذي الرُّمَّة: لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نذر وعينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
(٥) أو في صفة مشمومة، كشبيه الريحان بالمسك، والنكهة بالعنبر.
والعقليان: هما اللذان لم يدركا «هما ولا مادتهما» بإحدى الحواس؛ وذلك كتشبيه السفر بالعذاب، والضلال عن الحق بالعمى، والاهتداء إلى الخير بالإبصار.
والمختلفان: إما أن يكون المشبه عقليًّا والمشبه به حسيًّا، كتشبيه الغضب بالنار من التلظي والاشتعال، وكتشبيه الرأي بالليل في قول الشاعر:
الرأي كالليل مسود جوانبهوالليل لا ينجلي إلا بإصباح
وإما أن يكون المشبه حسيًّا والمشبه به عقليًّا كتشبيه الكلام بالخلق الحسن عقليًّا، وكتشبيه العطر بخلق الكريم في قول الصاحب بن عباد:
أهديت عطرًا مثل طيب ثنائهفكأنما أهدى له أخلاقه
ثانيًا: ينقسم التشبيه باعتبار طرفيه إلى: مفردين مطلقين، أو مقيدين، أو مختلفين، وإلى مركبين أو مختلفين.
وكتشبيه الكشح بالجديل، والساق بالأنبوب في قول امرئ القيس:
وكشح لطيف كالجديل مخصروساق كأنبوب السقي المذلل
والمقيدان بوصف، أو إضافة، أو حال، أو ظرف، أو نحو ذلك، كقولهم فيمن لا يحصل من سعيه على فائدة: هو «كالراقم على الماء»، فالمشبه هو الساعي على هذه الصفة، والمشبه به هو الراقم بهذا القيد، ووجه الشبه التسوية بين الفعل والترك في الفائدة. وكقوله:
والشمس من بين الأرائك قد حكتسيفًا صقيلًا في يد رعشاء
والمختلفان والمشبه به هو المقيد، كما في قول ذي الرُّمَّة:
قف العيس في أطلال مية فاسألرسومًا كأخلاق الرداء المسلسل
أو المشبه هو المقيد، كما في قول الشاعر:
كأن فجاج الأرض وهي عريضةعلى الخائف المطلوب كفة حابل
والمركبان كقول الشاعر:
البدر منتقب بغيم أبيضهو فيه تفجر وتبلج
كتنفس الحسناء في المرآة إذكملت محاسنها ولم تتزوج
أغر أبلج تأتم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
أو المشبه به مفرد، كقول أبي الطيب المتنبي:
تشرق أعراضهم وأوجههمكأنها في نفوسهم شيم
شبه إشراق الأعراض والوجوه بإشراق الشيم (الأخلاق الطيبة)، فإشراق الوجوه ببياضها، وإشراق الأعراض بشرفها وطيبها.
(١) ملفوف، وهو ما أتى فيه بالمشبهات أولًا على طريق العطف، أو غيره، ثم بالمشبهات بها كذلك، كقول الشاعر:
ليل وبدر وغصنشعر ووجه وقد
خمر ودر ووردريق وثغر وخد
شبه الليل بالشعر، والبدر بالوجه، والغصن بالقد — في البيت الأول. والخمر بالريق، والدر بالثغر، والورد بالخد — في البيت الثاني. وقد ذكر المشبهات أولًا، والمشبهات بها ثانيًا، كما ترى في نظم الشاعر.
(٢) وإلى مفروق، وهو ما أتى فيه بمشبه ومشبه به، ثم بآخر وآخر كقول أبي نواس:
تبكي فتذري الدر من نرجسوتمسح الورد بعناب
شبه الدمع بالدر؛ لصفائه، والعين بالنرجس؛ لما فيه من اجتماع السواد بالبياض، والوجه بالورد.
(١) تشبيه التسوية: وهو ما تعدد فيه المشبه، كقول الشاعر:
صدغ الحبيب وحاليكلاهما كالليالي
وثغره في صفاءوأدمعي كاللآلي
شبه في الأول صدغ الحبيب وحاله هو بالليالي في السواد، وفي الثاني شبه ثغر الحبيب ودموعه باللآلي في القدر والإشراق.
(٢) تشبيه الجمع: وهو ما تعدد فيه المشبه به، كقول البحتري:
بات نديمًا لي حتى الصباحأغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يبسم عن لؤلؤمنضد أو برد أو أقاح
شبه ثغره بثلاثة أشياء: باللؤلؤ، والبرد، والأقاح، وقد تقدم الكلام على هذه الأقسام.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع