١كُفّي أَراني وَيكِ لَومَكِ أَلوَما
هَمٌّ أَقامَ عَلى فُؤادٍ أَنجَما
الواحدي: يقول للعاذلة كفّي واتركي عذلي فقد أراني لومك ابلغ تأثيرا وأشد على هم مقيم على فواد راحل ذاهب مع الحبيب وذلك أن المحزون لا يطيق استماع الملام فهو يقول لومك اوجع في هذه الحالة فكفى ودعي اللوم وقال ابن جنى يقول أراني هذا الهم لومك أياي أحق بأن يلام منى وعلى ما قال الوم مبنى من الملوم وأفعل لا يبني من المفعول إلا شاذا وقال قوم الوم مع المليم وهو الذي استحق اللوم يقول لها اللهم أراني لومك ابلغ في الالامة واستحقاق اللوم وهذا في الشذوذ كما ذكره ابن جنى ويقال انجمت السماء إذا اقلعت عن المطر وانجم المطر أي أمسك ولا يقال أنجم الفواد ولا فواد مندم ولكنّه استعمله في مقابلة أقام على الصد ومعنى أراني عرفني واعلمني.
٢وَخَيالُ جِسمٍ لَم يُخَلِّ لَهُ الهَوى
لَحماً فَيُنحِلَهُ السَقامُ وَلا دَما
الواحدي: نكر لجسمه الخيال ليدل به على دقته ونحوله فإن الخيال اسم لما يتخيل لك لا عن حقيقة وهو عطف على الهم في البيت الأول يقول لم يترك الهوى بجسمي محلا للسقم من لحم ودم فيعمل فيه.
العكبري: الْإِعْرَاب وخيال عطف على قَوْله هم وَنصب ينحله لِأَنَّهُ جَوَاب نفى بِالْفَاءِ الْغَرِيب الخيال اسْم لما يتخيل لَك لَا عَن حَقِيقَة فَشبه جِسْمه لنحوله بالخيال وروى قوم فينحله السقام بِالنّصب وَجعله من النحلة وَهِي الْعَطِيَّة أَي لم يتْرك فِيهِ الْهوى شَيْئا فيعطيه السقام وعداه إِلَى مفعولين الْمَعْنى يَقُول لم يتْرك الْهوى بجسمي محلا من لحم ولادم فَيعْمل فِيهِ السقام وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى لم يبْق الْهوى فِي جسمي لَحْمًا وَلَا دَمًا فيهبه للسقام وَهَذَا معنى كثير جدا
٣وَخُفوقُ قَلبٍ لَو رَأَيتِ لَهيبَهُ
يا جَنَّتي لَظَنَنتِ فيهِ جَهَنَّما
الواحدي: الخفوق والخفقان اضطراب القلب واللهيب ما التهب من النار ويريد بلهيب قلبه ما فيه من حرارة الشوق والوجد وعنى بالجنة الحبيبة يقول لها لو رأيت ما في قلبي من حر الشوق والوجد لظننت أن جهنم في قلبي وانتقل من خطاب العاذلة إلى خطاب الحبيبة والقصة واحدة وإن أراد بالعاذلة الحبيبة لم يكن انتقالا ولكن الحبيبة لا تعذل على الهوى ألا ترى إلى قول البحتري، عذلتنا في عشقها أم عمرو، هل سمعتم بالعاذل المعشوقِ،
العكبري: الْغَرِيب الخفوق والخفقان اضْطِرَاب الْقلب واللهب مَا يلتهب من النَّار الْمَعْنى انْتقل من خطاب العادلة إِلَى خطاب المحبوبة والقصة وَاحِدَة وَإِن أَرَادَ بالعاذلة المحبوبة لم يكن انتقالا وَيكون كَقَوْل النميري (عَذلَتْنا فِي عِشْقِها أُمُّ عْمرو ... هَل سَمِعْتمْ بِالعاذِلِ المعْشُوقِ) وَالْمعْنَى يَقُول اضْطِرَاب قلبِي وَمَا فِيهِ من حرارة الوجد لَو رَأَيْت لهيبه يَا جنيتى لظنت فِيهِ جَهَنَّم من شدَّة لهيبه واحتراقه وَفِيه نظر إِلَى قَول عبد الله بن الدمينة فِي وداع محبوبته (غَدَتْ مُقْلَتِي فِي جَنَّةٍ مِنْ جمَالهَا ... وَقلْبي غَدَا منْ حُبِّها فِي جَهنَمِ)
٤وَإِذا سَحابَةُ صَدِّ حُبٍّ أَبرَقَت
تَرَكَت حَلاوَةَ كُلِّ حُبٍّ عَلقَما
الواحدي: استعار للصدود سحابا يقول إذا ظهرت مخائل الصدود زالت حلاوة الحب فصارت علقما وهو شجر مر يقال هو شجر الحنظل وأبرقت السحابة أظهرت برقها.
العكبري: الْغَرِيب الْحبّ المحبوب وأبرقت أظهرت برقها والعلقم شجر مر وَيُقَال للحنظل وَلكُل شَيْء مر عَلْقَمَة وَمِنْه عَلْقَمَة الإسم الَّذِي يُسمى بِهِ الْعَرَب كعلقمة ابْن عَبدة الشَّاعِر وَهُوَ الْفَحْل وعلقمة الخصى وهما من ربيعَة الْجُوع وعلقمة بن علاتة من بني جَعْفَر الْمَعْنى اسْتعَار للصدود سحابا فَلَمَّا اسْتعَار لَهُ سحابا اسْتعَار لَهُ برقا يَقُول إِذا صد الحبيب عَادَتْ كل حلاوة مرَارَة وقابل بَين الْحَلَاوَة والمرارة وجانس بَين الْحبّ وَالْحب
٥يا وَجهَ داهِيَةَ الَّذي لَولاكَ ما
أَكَلَ الضَنى جَسَدي وَرَضَّ الأَعظُما
الواحدي: قال ابن جنى داهية اسم التي شبب بها وقال ابن فورجة ليست باسم علمٍ لها ولكن كنى بها عن اسمها على سبيل التضجر لعظيم ما حل به من بلائها أي انها لم تكن إلا داهيةً على والوجه قول ابن جنى لتركك صرفها في البيت ولو لم تكن علما لكان الوجه صرفها يقول لوجه الحبيبة لولاك ما تسلط الهزال على جسدي وما دق عظمي والرض الدق والكسر ورضاض كل شيءٍ دقاقه والمعنى ما ضعفت حتى كأني كسرتْ عظامي
العكبري: الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح داهية اسْم الَّتِي شَبَّبَ بهَا وَلِهَذَا لم يصرفهَا وَقَالَ ابْن فورجة لَيْسَ هُوَ باسم علم لَهَا وَلَكِن كنى بِهِ عَن اسْمهَا على سَبِيل التضجر لعَظيم مَا حل بِهِ من بلائها أَي إِنَّهَا لم تكن إِلَّا داهية على قتل الواحدي وَالْقَوْل قَول ابْن جنى لترك صرفهَا وَلَو لم يكن علما لَكَانَ الْوَجْه صرفهَا والضنى السقم والهزال والرض السحق والتكسير الْمَعْنى يَقُول لوجه محبوبته لولاك مَا أنحلني الْهوى وَلَا تسلط على السقم والهزال وَلما دق عظمي ورضاض كل شَيْء دقاقه يُرِيد ضعفت حَتَّى كَأَنِّي تَكَسَّرَتْ عِظَامِي وَمثله لي (لَوْلا مُحَيَّاكِ مَا أحْيَيْتُ مُفْتَكِراً ... لَيْلى الطَّوِيلَ وَلا أبْلانِي السَّقَمُ)
٦إِن كانَ أَغناها السُلُوُّ فَإِنَّني
أَصبَحتُ مِن كَبِدي وَمِنها مُعدِما
الواحدي: يقول أن كان السلو أغناها عني فليست تحتاج إلى وصلي فإني قد عدمتها وعدمت كبدي لأن هواها أحرقها فأنا معدم منها ومن الكبد أي أنها سالية عني وأنا فقير إليها وروي ابن جنى مصرما قال وهو كالمعسر والعرب تقول كلا ينجع منه كبد المصرم يقول إذا رآه المصرم وهو الذي لا مال له حزن أن لا يكون له مال فيرعاه فاوجعته كبده.
العكبري: الْغَرِيب السلوّ البغض والسآمة والمعدم الْفَقِير وروى ابْن جنى مصرما وَهُوَ بِمَعْنى وَاحِد والمصرم والمعدم والممحق والمماق والمبلط والمعسر والمفتر والمفلس الَّذِي لَا مَال لَهُ وَلَا شَيْء لَهُ وَمن كَلَام الْعَرَب كلأ يبجع لَهُ كبد المصرم وَهُوَ الَّذِي لَا مَال لَهُ حزن أَن لَا يكون لَهُ مَال فيرعاه فأوجعته كبده الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ السلوّ تَركهَا غنية عَن وصالي وَلَا تحْتَاج إِلَى وَصلي فَأَنا مُحْتَاج إِلَيْهَا قد عدمتها وعدمت كَبِدِي يُرِيد إِنَّهَا غنية عني وَأَنا فَقير إِلَيْهَا
٧غُصنٌ عَلى نَقَوى فَلاةٍ نابِتٌ
شَمسُ النَهارِ تُقِلُّ لَيلاً مُظلِما
الواحدي: يصف الحبيبة يقول هي غصن يعني قامتها نابت على رملي فلاة يعني ردفيها والنقا الرمل يثني على نقوين ووجهها شمس النهار تحمل من شعرها ليلا مظلما والاقلال حمل الشيء يقال أقل الشيء إذا حمله.
العكبري: الْغَرِيب تقوى تَثْنِيَة نقا يُقَال نقوان ونقيان وَهُوَ الْكَثِيب من الرمل سمى بذلك لِأَن الْمَطَر يُصِيبهُ وينقيه كَمَا ينقى الثَّوْب الْغسْل والفلاة الأَرْض الْبَعِيدَة وتقل تحمل يُقَال أقل الشَّيْء إِذا حمله الْمَعْنى يَقُول محبوبته هِيَ غُصْن نابت يُرِيد قامتها كالغصن ووجهها كَالشَّمْسِ تحمل من شعرهَا لَيْلًا وقابل بَين اللَّيْل وَالنَّهَار وَشبه ردفها بكثيب رمل وقامتها بالغصن ووجهها بشمس النَّهَار وشعرها بِاللَّيْلِ
٨لَم تُجمَعِ الأَضدادُ في مُتَشابِهٍ
إِلّا لِتَجعَلَني لِغُرمي مَغنَما
الواحدي: يعني بالاضداد ما ذكر من دقة قامتها وثقل ردفيها وبياض وجهها وسواد شعرها وهي على تضادها مجموعة متشابهة الحسن يقول لم تجمع هذه الاوصاف المتضادة في شخصٍ تماثل حسنه إلا لتجعلني هذه الاضداد غنما لغرمي أي لما لزمني من عشقها وهواها والمعنى إلا لتستعبدني وترتهن قلبي ويروى لم تجمع الاضداد على اسناد الفعل إلى الحبيبة.
العكبري: الْغَرِيب الْغرم الغرام وَهُوَ مَا لزمَه من عَشِقَهَا وهواها والمغنم الْغَنِيمَة وَهُوَ مَا يغتنمه الْإِنْسَان وَأَصله من مَال الْعَدو ثمَّ صَار فِي كل مَا يُصِيبهُ الْإِنْسَان من كسب أَو هبة الْمَعْنى يَقُول لم تجمع هَذِه المحبوبة الأضداد وَهُوَ مَا ذكر فِي الْبَيْت الَّذِي قبله من أَن ردفيها كالنقوين وقامتها كالغصن ووجهها كشمس النَّهَار وشعرها كالليل إِلَّا لتجعلني ملازما لهواها مغرما بهَا وَقَوله فِي متشابه يُرِيد فِي شخص يماثل حسنها وَالْمعْنَى إِلَّا لتستعبدني وترتهن قلبِي وروى الواحدي وَغَيره لم تجمع الأضداد بِإِسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْمَفْعُول
٩كَصِفاتِ أَوحَدِنا أَبي الفَضلِ الَّتي
بَهَرَت فَأَنطَقَ واصِفيهِ وَأَفحَما
الواحدي: شبه الاضداد بصفات الممدوح من كونه مُرًّا على الاعداء حلوا للاولياء وطلقا عند الندى جهما عند اللقاء وما اشبه هذه وبهرت وغلبت بظهورها كالشمس تبهر النجوم يعني أنها غلبت الواصفين فلم يقدروا على وصفها فانطق واصفيه لأنهم راموا وصفه ووصف محاسنه ثم أفحمهم بعجزهم عن ادراكه والمفحم الذي لا يقول الشعر والإفحام ضد الإنطاق ويجوز أن يكون التشبيه في الصفات للجمع أي لجمع صفات الممدوح.
١٠يُعطيكَ مُبتَدِراً فَإِن أَعجَلتَهُ
أَعطاكَ مُعتَذِراً كَمَن قَد أَجرَما
الواحدي: التعظم أظهار العظمة وضده التواضع وهو أن يظهر الضعة من نفسه ووضع أبو الطيب التواضع موضع الضعة والخساسة كما وضع التعظم موضع العظمة يقول يرى شرفه وارتفاع رتبته في تواضعه واتضاعها في تكبره والمعنى يرى العظمة في أن يتواضع ويرى الضعة في أن يتعظم أي فليس يتعظم.
العكبري: الْغَرِيب الجرم والجريمة الذَّنب وجرم وأجرم واجترم بِمَعْنى وَأَصله الْكسْب يُقَال جرم يجرم أَي كسب وَفُلَان جريمة أَهله أَي كاسبهم قَالَ أَبُو خرَاش (جَرِيمَة ناهِضٍ فِي رَأسِ نِيقٍ ... تَرَى لَعَظامِ مَا جَمَعَتْ صَلِيبا) الْمَعْنى أَنه يعْطى من قبل أَن تسأله فَإِن أعجلته أَعْطَاك معتذرا إِلَيْك كَأَنَّهُ قد أَتَى بذنب
١١وَيَرى التَعَظُّمَ أَن يُرى مُتَواضِعاً
وَيَرى التَواضُعَ أَن يُرى مُتَعَظِّما
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدي المتعظم إِظْهَار العظمة وضده التَّوَاضُع وَهُوَ أَن يظْهر الضعة من نَفسه وَوضع أَبُو الطّيب التَّوَاضُع مَوضِع الضعة والخساسة كَمَا وضع التَّعْظِيم مَوضِع العظمة فَهُوَ يَقُول يرى شرفه وارتفاع رتبته فِي تواضعه واتضاعها فِي تكبره والمعي يرى العظمة فِي أَن يتواضع فيتواضع وَيرى الضعة فِي أَن يتعظم فَلَيْسَ يتعظم
١٢نَصَرَ الفَعالَ عَلى المِطالِ كَأَنَّما
خالَ السُؤالَ عَلى النَوالِ مُحَرَّما
الواحدي: الفعال بفتح الفاء يستعمل في الفعل الجميل والمطال المماطلة وهي المجافعة ولو روى المقال كان أحسن ليكون في مقابلة الفعال يقول نصر فعله على القول وعطاءه على المطل أي يعطى ولا يعد ولا يماطل كأنه ظن أن السؤال حرام على النوال ولا يحوج إلى السؤال بل يسبق بنواله السؤال وهذا مجازٌ وتوسع لن النوال لا يوصف بأنه يحرم عليه شيءٌ ولكنه أراد أن يذكر تباعده عن الانجاء إلى السؤال.
العكبري: الْغَرِيب نَصره رَفعه وَأَعلاهُ وأظهره والفعال بِفَتْح الغاء يسْتَعْمل فِي الْفِعْل الْجَمِيل والمطال المماطلة وَهِي المدافعة وروى الْمقَال وَهُوَ جيد لمقابلته الفعال والنوال الْعَطاء وَهُوَ مَا ينيله الْمُعْطى للمعطى الْمَعْنى يَقُول نصر فعله على قَوْله ووعده وإعطائه على المطل لِأَنَّهُ يُعْطي من غير عدَّة كَأَنَّهُ ظن أَن السُّؤَال حرَام على الْعَطاء فَلَا يحوج إِلَى السُّؤَال بل يسْبق بنواله السُّؤَال وَالْمرَاد أَنه تبَاعد عَن الإلجاء إِلَى السُّؤَال فَهُوَ يعْطى بِغَيْر سُؤال
١٣يا أَيُّها المَلَكُ المُصَفّى جَوهَراً
مِن ذاتِ ذي المَلَكوتِ أَسمى مَن سَما
الواحدي: يريد بالجوهر الاصل والنفس وذت ذي الملكوت هو الله تعالى يقول أيها الملك الذي خلص جهوراً أي اصلا ونفسا من عند الله أي الله تعالى تولى تصفية جوهره لا غيره فهو جوهر مصفى من عند الله تعالى وهذا مدح يوجب الوهم والفاظٌ مستكرهة في مدح البشر وذلك أنه أراد أن يستكشف الممدوح عن مذهبه حتى إذا رضى بهذا فقد علم أنه ردي المذهب وإن أنكر علم أنه حسن الاعتقاد وأسمى من سما من صفات ذي الملكوت وابن جنى يجعله للممدوح لأنه قال هو منادي كأنه قال يا أعلى من علا قال ويجوز أن يكون موضعه رفعا كأنه قال أنت أعلى من علا.
العكبري: الْإِعْرَاب أسمى من سما قَالَ أَبُو الْفَتْح مَوْضِعه نصب لِأَنَّهُ منادى مُضَاف وَيجوز أَن يكون مَوْضِعه رفعا أَي أَنْت أسمى من سما أَي أَعلَى من علا الْغَرِيب الْجَوْهَر يُرِيد الأَصْل وَالنَّفس وَذي الملكوت هُوَ الله تَعَالَى وأسمى أَعلَى وسما علا وَمِنْه اشتقاق الِاسْم بِمَعْنى الْعُلُوّ على قَول الْبَصْرِيّ الْمَعْنى يَقُول يَا أَيهَا الْملك الَّذِي خلص الله جوهره أصلا ونفسا من عِنْد الله يُرِيد أَن الله تولى تصفية جوهره لَا غَيره فَهُوَ جَوْهَر مصفى من عِنْد الله تَعَالَى قَالَ الواحدي وَهَذَا مدح يُوجب الْوَهم وألفاظ مستكرهة فِي مدح الْبشر وَذَلِكَ أَنه أَرَادَ أَن يستكشف الممدوح عَن مذْهبه فَإِن رَضِي بِهَذَا علم أَن مذْهبه رَدِيء وَإِن أنكر علم أَنه حسن الِاعْتِقَاد وأسمى من سما فِي مَوضِع جر لِأَنَّهُ من صفة ذِي الملكوت هَذَا قَول الواحدي
١٤نورٌ تَظاهَرَ فيكَ لاهوتِيَّةً
فَتَكادُ تَعلَمُ عِلمَ ما لَن يُعلَما
الواحدي: تظاهر وظهر بمعنى ويجوز أن يكون بمعنى تعاون أي أعلن بعضه بعضا ولاهوتيه الهيه وهذه لغة عبرانية يقولون لله تعالى لاهوت وللأنسان ناسوت يقول قد ظهر فيك نور الهي تكاد تعلم به الغيب الذي لايعلمه أحد إلا الله عز وجلّ وقال ابن جنى نصب لاهوتية على المصدر ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في تظاهر وهذا خطا في الرواية واللفظ لأن النور فظ مذكر ولا تؤنث صفته.
العكبري: الْإِعْرَاب لاهوتية قَالَ أَبُو الْفَتْح نَصبه على الْمصدر وَيجوز أَن يكون حَالا من الضَّمِير فِي تظاهر وَأنكر عَلَيْهِ الواحدي وَقَالَ هَذَا خطأ فِي اللَّفْظ وَالرِّوَايَة لِأَن النُّور مُذَكّر فَلَا تؤنث صفته واللاهوت لفظ عبراني يُقَال لله لاهوت وللإنسان ناسوت وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَو كَانَ عَرَبيا لَكَانَ اشتقاقه من إِلَه الَّذِي أَدخل عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام فَصَارَ مُخْتَصًّا باسم الله تَعَالَى فِي أحد قولي سِيبَوَيْهٍ وَيكون بِوَزْن الطاغوت إِلَّا أَن الطاغوت مقلوب واللاهوت غير مقلوب وَلَو كَانَ عَرَبيا كَانَ وَزنه فعلوت بِمَنْزِلَة الرهبوت والرحموت وتظاهر ظهر وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى تعاون أَي عاون بعضه بَعْضًا وَمِنْه وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ الْمَعْنى يَقُول قد ظهر فِيك نور إلهي تكَاد تعلم بِهِ الْغَيْب الَّذِي لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى
١٥وَيُهِمُّ فيكَ إِذا نَطَقتَ فَصاحَةً
مِن كُلِّ عُضوٍ مِنكَ أَن يَتَكَلَّما
الواحدي: أي ويهم ذلك النور الآلهي لظهوره أن يتكلم وينطق من كل عضو من أعضائك بخلاف سائر الناس الذين لا ينطقون إلا من أفواههم جعل ظهوره في كل عضو منه نطقا والمعنى لفصاحتك يفعل النور ذلك فيك.
العكبري: الْإِعْرَاب فصاحة نصبها قَالَ أَبُو الْفَتْح على الْمصدر وَيجوز على التَّمْيِيز وَأَن يكون مَفْعُولا لقَوْله نطقت ومفعولا لَهُ ويهم فِيك أَي نورك فَالضَّمِير لَهُ الْمَعْنى يَقُول يهم هَذَا النُّور أَن يتَكَلَّم من كل عُضْو وَلَا يقْتَصر على اللِّسَان دون غَيره وَقَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْفَتْح يهم كل عُضْو من أعضائك أَن يتَكَلَّم بمدحك إِذا نطقت لفصاحتك وَهَذَا عِنْد من يجوز زِيَادَة من فِي الْإِثْبَات وفيك فِي أول الْبَيْت يتَعَلَّق بِأَن يتَكَلَّم فِي آخِره وفيك أَي فِي مدحك ووصفك وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا ذكره من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه جعل ظُهُور النُّور فِي كل عُضْو مِنْهُ نطقا وَاللَّفْظ لَا يشْعر بِهِ إِلَّا أَنه يُقَال هم بِهِ وَلم يَفْعَله وَالْآخر أَنه لَا يكون لقَوْله إِذا نطقت فصاحة فَائِدَة لِأَن قَوْله ويهم فِيك كل عُضْو مِنْك أَن يتَكَلَّم أَفَادَ الْمَعْنى المُرَاد فَيبقى ذَلِك الْبَاقِي لَغوا وَالْمعْنَى أَنه جعل النُّطْق عبارَة عَن الظُّهُور وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول هم بِأَن يظْهر وَلكنه لم يظْهر لَا أَنه ظهر النُّور من جَمِيع الْأَعْضَاء بِالْفِعْلِ وَقَالَ قوم لما كَانَ تكلم الْعُضْو بِالنورِ الإلهي أَعنِي بِهِ الْقُوَّة الناطقة وَكَانَ هُوَ الْمُوجب لنطق اللِّسَان وَغَيره أضَاف الْفِعْل إِلَيْهِ وَقَالَ يهم النُّور فِيك أَن يتَكَلَّم وينطق من كل عُضْو من أعضائك بِخِلَاف سَائِر النَّاس الَّذين لَا ينطقون إِلَّا من أَفْوَاههم جعل ظُهُوره فِي كل عُضْو مِنْهُ نطقا وَالْمعْنَى لفصاحتك يفعل النُّور ذَلِك
١٦أَنا مُبصِرٌ وَأَظُنُّ أَنِّيَ نائِمٌ
مَن كانَ يَحلُمُ بِالإِلَهِ فَأَحلُما
الواحدي: يقول أنا أبصرك وأظن أني أراك في النوم وإنما قال هذا استعظاما لرؤيته كما قال، أحلما نرى أم زمانا جديداً، وذلك أن الإنسان إذا رأى شيئاً يعجبه وأنكر رؤيته يقول أرى هذا حلما أي أن مثل هذا لا يرى في اليقظة وهذا كما قال الآخر، أبطحاء مكة هذا الذي، أراه عيانا وهذا أنا، استفهم متعجبا مما رأى ثم حقق أنه يراه يقظان لا نائما بباقي البيت والمعنى لايحلم أحد برؤية الله تعالى ولا يراه في النوم أحدق حتى أرى أنا أي كما لا يرى الله تعالى في النوم كذلك لا ترى أنت وهذه مبالغة مذمومة وافراط وتجاوز حد ثم هو غلط في انكار رؤية الله تعالى في النوم فإن الاخبار قد تواتر بذلك ونكر المعبرون حكم تلك الرؤيا في كتبهم وروى أن ملكامن الملوك رأى في نومه أن الله تعالى قد مات وقص رؤياه على المعبرين فلم ينطقوا فيها بشيء استعظاما لما رأى حتى قال من كان أعلمهم تأويل رؤياك أن الحق قد مات في بلدك لظلمك وجورك وذلك أن الله تعالى هو الحق فعلم الملك أنه كما قال فرجع عن ظلمه وتاب.
١٧كَبُرَ العِيانُ عَلَيَّ حَتّى إِنَّهُ
صارَ اليَقينُ مِنَ العِيانِ تَوَهُّما
الواحدي: هذا البيت تأكيد لما ذكرنا في البيت الأول يقول عظم على ما أعاينه من الممدوح وحاله حتى شككت فيما رأيت إذ لم أر مثله ولم اسمع به حتى صار المعاين كالمتوهم المظنون الذي لايرى والصحيح رواية من روى إنه بكسر الالف لأن ما بعد حتى جملة وهي لا تعمل في الجمل كما تقول خرج القوم حتى إن زيدا خارج ومن روى أنه بفتح الالف كان خطأَ.
العكبري: الْمَعْنى يُؤَكد مَا قَالَ فِي الْبَيْت الأول أَي عظم على مَا أعاينه من الممدوح وحاله حَتَّى شَككت فِيمَا رَأَيْت إِذْ لم أر مثله وَلم أسمع بِهِ حَتَّى صَار المعاين كالمتوهم المظنون الَّذِي لَا يرى قَالَ الواحدي وَالصَّحِيح رِوَايَة من روى إِنَّه بِالْكَسْرِ لِأَن مَا بعد حَتَّى جملَة وَهِي لَا تعْمل فِي الْجمل كَمَا تَقول خرج الْقَوْم حَتَّى إِن زيدا لخارج وَمن روى بِفَتْح الْألف فَهُوَ مخطىء
١٨يا مَن لِجودِ يَدَيهِ في أَموالِهِ
نِقَمٌ تَعودُ عَلى اليَتامى أَنعُما
الواحدي: يقول جودك يفرق مالك كأنه ينتقم منه كما ينتقم من العدو باهلاكه وتلك النقم في اموالك نعم على الأيتام لان التفريق فيهم ولو روى على البرايا كان أعم وأشمل لان الايتام مقصور على نوع من الناس.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول جودك ينْتَقم من مَالك فيفرقه كَمَا تنتقم أَنْت من الْعَدو بإهلاكه إِلَّا أَن تِلْكَ النقم عَائِدَة على الْيَتَامَى نعما لِأَنَّهَا مفرقة فيهم
١٩حَتّى يَقولَ الناسَ ماذا عاقِلاً
وَيَقولَ بَيتُ المالِ ماذا مُسلِما
الواحدي: يقول يفرط في جوده حتى ينسبه الناس إلى الجنون ويقول بيت المال ليس هذا مسلما لأنه فرق بيوت أموال المسلمين ولم يدع فيها شيئاً ومثله قول ابي نواس، جدت بالأموال حتى، قيل ما هذا صحيح، وقال ايضا، جاد بالأموال حتى، حسبوه الناس حمقاً، وقول الطائي، ما زال يهذي بالمكارم والندى، حتى ظننا أنه محموم، وهذا معنى باردٌ وقد زاده الطائي فسادا واصل هذا المعنى من قول عبيد بن أيوب العنبري، ما كان يعطي مثلها في مثله، إلا كريم الخيم أو المجنون.
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول هُوَ يفرط فِي جوده حَتَّى ينْسبهُ النَّاس إِلَى الْجُنُون وَيَقُول بَيت المَال مَا هَذَا مُسلما لِأَنَّهُ فرق بيُوت أَمْوَال الْمُسلمين وَلم يدع فِيهَا شَيْئا اهـ وَقَالَ الْخَطِيب عظم الممدوح تَعْظِيمًا وَجب مَعَه أَن لَا يكون خاطبه بِهَذَا الْخطاب وَإِنَّمَا تبع قَول أبي نواس (جُدْتَ بِالأمْوَالِ حَتى ... قِيلَ مَا هَذَا صَحِيحُ) وَلَعَلَّ أَبَا نواس أَرَادَ مَا هَذَا الْفِعْل صَحِيح انْتهى كَلَامه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو نواس مَا هَذَا صَحِيح الْعقل وَقد صرح بِهِ فِي مَوضِع آخر فَقَالَ (جادَ بالأمْوَالِ حَتَّى ... حَسِبُوه النَّاسُ حُمْقا) وَتَبعهُ أَبُو تَمام بقوله (مَا زَالَ يْهذي بالمكارِمِ وَالنَّدَى ... حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ مَحْمُومُ) وَالْأَصْل فِي هَذَا قَول عبيد بن أَيُّوب الْعَنْبَري ذكره الجاحظ فِي كتاب الْحَيَوَان (حَمْرَاءُ تامِكَةُ السَّنامِ كَأنَّها ... جَمَلٌ بِهَوْدَجِ أهْلِهِ مَظْعُونُ) (جادَتْ بهَا عِنْدَ الوَدَاعِ يَمينُه ... كِلْتا يَدَيْ عُمَرَ الغَداةَ يَمينُ) (مَا كانَ يُعْطى مِثلها فِي مِثْلِهِ ... إلَاّ كَرِيمُ الخِيمِ أوْ مَجْنُونُ)
٢٠إِذكارُ مِثلِكَ تَركُ إِذكاري لَهُ
إِذ لا تُريدُ لِما أُريدُ مُتَرجِما
الواحدي: يقال انكرته كذا بمنزلة ذكرته والمترجم المعبر عن الشيء مثل الترجمان يقول إذا تركت انكاري لك حاجتي فهو انكار مثلك لأنك تعلم ما أريد فلا تحتاج إلى من يترجم لك عما في ضميري والمعنى من قول أبي تمام، وإذا الجود كان عوني على المرء تقاضيته بترك التقاضي وقال أيضا في صباه.
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.