من «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)
الموازنة بين المعنى المتحد واللفظ المتعدد
واعلمْ أنه إنما أُتِيَ القومُ مِنْ قِلَّة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء اختلافِ العبارتَين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أَخْذ الشاعرِ مِنَ الشاعرِ، وفي أنْ يقولَ الشاعرانِ على الجملةِ في معنى واحدٍ، وفي الأَشعارِ التي دوَّنوها في هذا المعنى. ولو أنهم كانوا أخَذُوا أنفُسَهم بالنظرِ في تلك الكتبِ، وتدبَّروا ما فيها حقَّ التدَبُّر، لكان يكونُ ذلك قد أيقظَهم مِن غفْلَتهم، وكشف الغطاء عن أعينهم.
الشاعران يقولان في معنى واحد وهو قسمان:
وقد أردتُ أن أكتبَ جملةً من الشِّعْر الذي أنتَ ترى الشاعرَيْن فيه قدْ قالا في معنىً واحدٍ، وهو يَنقَسِمُ قسمين:
قَسمٌ أنتَ ترَى أحدَ الشاعرَين فيه قد أتى بالمعنى غُفْلاً ساذَجاً، وترى الآخَرَ قد أخرجَه في صورةٍ تَروقُ وتُعْجِبُ.
وقسمٌ أنتَ ترى كلَّ واحدٍ من الشاعرَين قد صَنعَ في المعنى وصور.
القسم الأول: أحدهما غفل، والآخر مصور
وأبدأُ بالقسمِ الأول الذي يكونُ المعنى في أحد البيتين غفلًا، وفي القسم الأول: الآخَرِ مصوَّراً مَصْنوعاً، ويكونُ ذلك إمَّا لأنَّ متأَخِّراً قصَّر عن مُتقدِّم، وإمَّا لأنْ هُدى متأخرٍ لشيءٍ لم يَهْتدِ إليه المتقدِّمُ.
ومثالُ ذلك قول المتنبي:
بسئ اللَّيالي سَهِدْتُ مِنْ طَرَبيشَوْقاً إِلى مَنْ يَبيتُ يَرْقُدُها
مع قول البحتري:
لَيلٌ يُصَادِفُنِي ومَرْهَفَةَ الحَشَاضِدَّيْنِ أَسْهَرُهُ لَهَا وتنامه
وقول البحتري:
وَلو ملَكتُ زَماعاً ظَلَّ يَجْذِبُنيقَوْداً لَكَانَ نَدَى كَفَّيكَ من عقلي
مع قول المتبني:
وقَيَّدتُ نَفْسي في ذَرَاك مَحَبةًومَنْ وَجَدَ الإحسان قيدًا تقيدا
وقول المتنبي:
إذا اعتل سيف الدولة اغتلت الأَرضُوَمَنْ فَوْقَهَا وَالْبَأسُ وَالْكَرَمُ الْمَحْضُ
مع قول البحتري:
ظَلِلْنا نَعودُ الجودَ من وَعْكِكَ الذيوجَدْتَ وقلنا اغتل عضو من المجد
وقول المتنبي:
يعطيك مبتدرًا فَإِنْ أَعْجَلْتَهُأَعْطَاكَ مُعْتَذِراً كَمَنْ قَدْ أَجْرَما
مع قول أبي تمام:
أخو عَزماتٍ فِعْلُهُ فِعلُ مُحْسِنٍإلَيْنَا وَلكنْ عذره عذر مذنب
وقول المتنبي:
كريم مني اسْتُوهِبْتَ ما أَنتَ رَاكِبٌوَقَدْ لقِحَتْ حَرْبٌ فإنك نازل
مع قول البحتري:
مَاضٍ عَلَى عَزْمِهِ في الْجُودِ لَوْ وَهَبَ الشــبَابَ يَوْمَ لِقَاءِ الْبِيضِ مَا نَدِمَا
وقولُ المتنبي:
وَالَّذِي يَشْهَدُ الوَغَى سَاكِنُ الْقَلْــبِ كَأَنَّ القتال فيها ذمام
مع قول البتحري:
لَقَدْ كَانَ ذَاكَ الجَأْشُ جَأْشَ مُسَالمٍعَلَى أَنَّ ذَاكَ الزّيَّ زِيُّ مُحَارِبِ
وقولُ أبي تمام:
الصُّبْحُ مَشْهُورٌ بِغَيْرِ دَلاَئِلِمِنْ غَيْرِهِ ابتْغِيَتْ ولا أعلام
مع قول المتبني:
وليس يصح في الأفهام شَيْءٌإذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ
وقولُ أبي تمام:
وَفِي شَرَفِ الْحَدِيثِ دَلِيلُ صِدْقلِمُخْتَبِرٍ عَلَى الشرف القديم
مع قول المتنبي:
أَفْعَالُه نَسَبٌ لوْ لمْ يقُلْ مَعَهَاجَدِّي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
وقول البحتري:
وأَحَبُّ آفاقِ البلادِ إِلى الفَتىأرضٌ يَنالُ بها كريم المطلب
مع قول المتنبي:
وكل امرئ يُولِي الْجَمِيلَ مُحَبَّبٌوَكلُّ مكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طيب
وقول المتنبي:
يُقِرُّ لَهُ بالْفَضْلِ مَنْ لاَ يَوَدُّهُوَيقْضِي لَهُ بِالسَّعْدِ مَنْ لاَ يُنَجِّمُ
مع قولِ البحتري:
لا أدَّعي لأبي العلاءِ فَضيلَةًحتَّى يُسَلِّمَها إليه عداه
وقول خالد الكاتب:
رَقَدْتَ وَلَمْ تَرْثِ للِسَّاهِرِوَلَيلُ الْمُحِبِّ بِلاَ آخر
مع قول بشار:
لخدك مِنْ كَفَّيكَ فِي كُلِّ لَيلةٍإِلى أنْ تَرَى ضَوْءَ الصبَّاحِ وِسادُ
تبِيتُ تُرَاعي اللَّيلَ تَرْجُو نفَادَهُوَليْسَ لِلَيلِ العَاشِقينَ نفَادُ
وقولُ أبي تمام:
ثوى بالمشرقين لها ضَجَاجٌأطارَ قُلوبَ أَهْلِ المَغْرِبَيْنِ
وقولُ البحتري:
تَناذَرَ أهلُ الشَّرقِ منه وقائعاًأطاعَ لها العاصفون في بلد العرب
مع قول مسلم:
لمَّا نزلتُ على أَدْنى ديارِهمأَلْقَى إليكَ الأقاصي بالمقاليد
وقول محمد بن بشير:
أُفْرُغْ لحاجَتِنا ما دمتَ مشغولاًفلو فَرَغْتَ لكنتَ الدهرَ مَبْذولا
مع قول أبي عليٍّ البصير:
فقُلْ لسعيدٍ أسعدَ اللهُ جَدَّهلقد رَثَّ حتى كادَ ينصرمُ الحبْلُ
فلا تعتذرْ بالشُّغْلِ عنا فإِنماتُناطُ بك الآمالُ ما اتَّصل الشغل
وقول البحتري:
مِنْ غادةٍ مُنِعَتْ وتَمْنَعُ وَصْلَهافَلَوَ أنْها بُذِلَتْ لنا لم تَبْذُلِ
مع قولِ ابنِ الرومي:
ومِنَ البَليَّة أَنَّنيعُلّقتُ ممنوعاً مَنوعا
وقولُ أبي تمام:
لئنْ كانَ ذنبي أنَّ أحْسَنَ مَطْلبيأساءَ ففي سوء القضاء لي العذر
مع قول البحتري:
إذا محاسني آلاتي أُدِلُّ بهاكانتْ ذُنوبي فقلْ لي كيف أعتذر
وقول أبي تمام:
قد يقدم العير من ذغر على الأسد
مع قول البحتري:
فجاءَ مجيءَ العَيْرِ قادتْه حَيْرةٌإِلى أهْرَتِ الشِّدْقَينِ تَدْمَى أظافِرُهُ
وقولُ معنِ بن أوس:
إِذا انصرَفَتْ نفسي عَنِ الشيءِ لم تَكَدْإليه بوجهِ آخِرَ الدهرِ تُقْبِلُ
مع قولِ العباس بن الأحنف:
نَقْلُ الجبالِ الرواسيِ مِنْ أَماكِنهاأَخَفُّ من ردِّ قلبٍ حينَ يَنْصرِفُ
وقولُ أمية بن أبي الصلت:
عطاؤك زين لامرئ إِنْ أصبتَهُبخيرٍ وما كلُّ العطاءِ يزينُ
مع قول أبي تمام:
تُدْعى عطاياه وَفراً وهْيَ إنْ شُهرتْكانتْ فخارا لمن يعفوه موتنفا
ما زلتُ منتظراً أعجوبة عَنَناًحَتى رأيتُ سؤالًا يجتنى شرفًا
وقول جرير:
بعَثْنَ الهوَى ثمَّ ارتَمَيْنَ قلوبنَابأَسْهُمِ أعداءِ وهن صديق
مع قول أبي نواس:
إِذا امتَحَنَ الدُّنيا لبيبٌ تكَشَّفَتْلهُ عنْ عدو في ثياب صديق
وقول كثير:
إِذا ما أرَادتْ خُلَّةٌ أنْ تُزيلَناأَبَيْنا وقُلْنا الحاجِبيَّةُ أَوَّلُ
مع قولِ أبي تمام:
نَقّلْ فؤادَك حيثُ شِئْتَ مِنَ الهوىما الحب إلا للحبيب الأول
وقول المتنبي:
وعندَ مَنِ اليومَ الوفاءُ لصاحبٍشَبيبٌ وأَوْفى مَنْ تَرى أخَوانِ
مع قولِ أَبي تمام:
فلا تَحْسبَا هِنداً لها الغَدْرُ وحدَهاسَجيَّةُ نفس كل غانية هند
وقول البحتري:
فلم أر في زنق الصَّرى ليَ مَوْرِداًفحاولتُ وِرْدَ النيلِ عندَ احتفاله
مع قول المتنبي:
قَواصِدُ كافورٍ تَوارِكُ غَيْرِهِومَنْ قَصَدَ البحرَ استقل السواقيا
وقول المتنبي:
كأنما يولد الندى معهملا عاذر ولا هرم
مع قول البحتري:
عريقون في الإفضال يونتف الندىلناشئهم من حيث يونتف العمر
وقول البحتري:
فلا تعلين بالسيفِ كلَّ غَلائِهِلِيمضي فإنَّ الكَفَّ لا السيف تقطع
مع قول المتنبي:
إذا الهند سوت بين سيفي كريهةفسيفكط في كف تزيل التساويا
وقول البحتري:
سامَوْكَ من حَسَدٍ فأفضلَ منهمُغيرُ الجَوادِ وجاد غير المفضل
فبذلك فينا ما بذَلْتَ سَماحةًوتَكَرُّماً وبذَلْتَ ما لم تبذل
مع قول أبي تمام:
أَرى الناسَ مِنهاجَ الندى بعدَ ما عَفَتْمهايعه المثلى ومحت لواجبه
ففي كلِّ نَجَدِ في البلادِ وغائرٍمواهبُ ليست منه وهي مواهبه
وقول المتنبي:
بيضاءُ تُطمِعُ فيما تَحْتَ حُلَّتِهاوعزَّ ذلكَ مطلوبًا إذا طلبا
مع قول البحتري:
تبدو بعطفة مطمع حتى إذاشغل الحلى ثنت بصدقة موبس
وقول المتنبي:
إذْكارُ مِثْلِكَ تَرْكُ إِذكاري لهُإذْ لا تُريدُ لِمَا أُريدُ مُتَرجِما
مع قولِ أبي تمام:
وإذا المَجْدُ كان عَوْني على المَرْءِ تقاضيته بترك التقاضي
وقول أبي تمام:
فنَعِمْتِ مِن شمسِ إِذا حُجبت بَدتْمِنْ خِدرِها فكأَنها لم تُحْجَبِ
مع قولِ قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها الــخالق أن لا يكنها سدف
وقول المتنبي:
رامياتٍ بأسْهُمِ ريشُها الهُدْبُ تشُقُّ القُلوبَ قبلَ الجلودِ
مع قولِ كُثيرِّ:
رمتني بسهمٍ ريشُهُ الكُحْلُ لم يجُزْظواهرَ جِلدي وهْوُ في القلبِ جارحُ
وقولُ بعضِ شعراء الجاهلية، ويُعْزَى إِلى لبيد:
ودَعوتُ رَبي بالسلامةِ جاهِداًليُصِحَّني فإِذا السَّلامةُ داء
مع قول أبي العتاهية:
أسرع في نقص امرئ تمامهتدبر في إقبالها أيامه
وقوله:
أقلل زيارتك الحبيــب تكون كالثوب استجده
إن الصديق بملهأنْ لا يزالَ يَراكَ عندَهْ
مع قولِ أبي تمام:
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلقٌلديباجَتيْهِ فاغترب تتجدد
وقول الحريمي:
زادَ مَعْروفَك عندي عِظَماأَنَّه عندَك محقورُ صَغيرُ
تَتناساهُ كأَنْ لم تَأتِهِوهُوَ عِنْدَ الناس مشهور كبير
مع قول المتبني:
تَظْنُّ مِن فقْدِكَ اعتدادَهَمُأَنَّهُم أَنْعَموا وما علموا
وقول البحتري:
ألمْ تَرَ للنوائبِ كيفَ تَسْمُوإِلى أهْلِ النوافل والفضول
مع قول المتنبي:
أَفاضلُ الناسِ أَغراضٌ لِذا الزَّمنِيخْلُو مِن الهم أخلاهم من الفطن
وقول المتنبي:
تَذَلَّلْ لها واخضَعْ على القربِ والنَّوَىفما عاشِقٌ مَنْ لا يَذِلُّ ويَخْضَعُ
مع قولِِ بعض المحدثين:
كنْ إِذا أحببتَ عَبْداًللذي تَهوى مُطِيعا
لن تَنالَ الوصْلَ حتىتُلْزِمَ النفسَ الخُضوعا
وقولُ مضرِّس بن ربعي:
لَعمرُكَ إِنِّي بالخليلِ الذي لَهُعليَّ دلالٌ واجبٌ لمُفَجَّعُ
وإنيَ بالمَولى الذي ليسَ نافعيولا ضَائري فُقدانُهُ لمُمَتَّعُ
مع قولِ المتنبي:
أَمَا تَغْلَطُ الأَيامُ فيَّ بأَنْ أَرىبَغيضاً ثنائي أو حبيبًا تقرب
وقول المتنبي:
مظلومةُ القَدّ في تشبيهِهِ غُصُناًمظلومةُ الريقِ في تشبيه ضربا
النص من طبعة مطبعة المدني بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع