من «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)
وصف الشعر والإدلال به
وممَّا هو في غاية النُّدرة من هذا الباب، ما صنعه الجاحظ بقول نصيب:
ولو سَكتوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ
حين نثرَه فقال، وكتبَ به إِلى ابن الزيات:
"نحنُ، أَعزك اللهُ، نَسْحَرُ بالبيان، ونُموِّه بالقول، والناسُ ينظرون إِلى الحالِ، ويقْضُونَ بالعِيان، فأَثِّرْ في أَمرنا أَثراً ينطِقُ إِذا سكَتْنا، فإنَّ المدَّعي بغير بينة متعرض للتكذيب".
قول الشعراء في وصف الشعر:
وهذه جملة منْ وَصْفهم الشعرَ وعملِه، وإدلالهِمْ به.
أبو حية النميري:
إنَّ القصائدَ قد عَلِمْنَ بأنَّنيصنَعُ اللسانِ بهنَّ، لا أَتَنحَّلُ
وإِذا ابتدأتُ عروضَ نَسْجٍ ربضجعلت تذل لما أريد وتسهل
حتى تُطاوِعَني، ولو يَرْتاضُهاغَيْري لحاوَلَ صَعْبةً لا تقبل
تميم بن مقبل:
إِذا مُتُّ عن ذكْر القوافي فلَنْ تَرىلها قائلاً بَعْدي أَطبَّ وأشْعَرا
وأكثرَ بَيْتاً سائراً ضُرِبَتْ لهحُزونُ جبالِ الشعرِ حتَّى تَيَسَّرا
أغرَّ غريباً يَمْسَحُ الناسُ وجْهَهُكما تمسح الأيدي الأغز المشهرا
عدى بن الرقاع:
وقصيدةِ قد بِتُّ أجْمَعُ بَينهاحَتَّى أُقوِّمَ ميلَها وسِنادَها
نظرَ المُثَقِّفُ في كعوبِ قنَاتِهِحتَّى يُقيمَ ثِقَافهُ مُنْآدَها
كَعْبُ بن زهير
فَمَنْ للقوافي، شَانَها مَن يَحُوكُهاإِذا ما توى كعب وفوز جزول
يُقَوِّمُها حَتَّى تَلِينَ مُتُونُهافَيقْصُرُ عَنْهَا كلُّ ما يتمثل
بشار
عَمِيتُ جَنِيناً، والذكاءُ مِنَ العَمَى،فجئتُ عجيبَ الظن للعلم موئلا
وغاص ضياءُ العينِ لِِلْعِلْم رافداًلِقَلْبٍ إِذا ما ضَيِّع الناسُ حَصِّلا
وشِعرٍ كنَورِ الروْضِ لاءمْتُ بَيْنَهُبقولٍ إِذا ما أحزنَ الشعرُ أَسْهَلا
وله
زَوْرُ ملوكٍ عليه أُبَّهةٌيُغرَفُ مِن شِعْره ومن خُطَبِهُ
للهِ ما راحَ في جوانحِهِمن لولؤ لا يُنَامُ عَنْ طَلَبهْ
يَخرجُ مِن فيهِ للندى، كمايخرج ضوء السراج من لهبه
أبو شريح العمير
فإنْ أَهلِكْ فقد أَبقَيْتُ بَعْديقوافيَ تُعْجِبُ المتمثِّلينا
لَذِيذاتِ المَقَاطعِ محْكَماتٍلوَ أنَّ الشِّعْرَ يلبس لارتدينا
الفرزدق
بلغنا لشمس حين تكونُ شَرْقاومسقَطَ قَرنِها من حيثُ غابا
بِكلِّ ثنِيَّةٍ وبكلِّ ثَغرٍغرائبهُنَّ تَنتَسِبُ انْتِسابا
ابن ميادة
فَجَرْنا ينابيعَ الكَلامِ وبَحْرَهُفأصْبَحَ فيهِ ذو الروايةِ يَسْبَحُ
وما الشعرُ إِلاّ شعرُ قيسٍ وخِنْدِفٍوشِعْرُ سواهُمْ كُلْفَةٌ وتَملُّحُ
وقال عقالُ بن هشام القيني يرد عليه:
ألا أبلغ الرَّمَّاحَ نقْضَ مقالةٍبها خَطِلَ الرَّمَّاحُ أو كان يَمزَحُ
لئن كان في قيسٍ وخِنْدِفَ ألسُنٌطِوالٌ، وشِعرٌ سائرٌ ليس يُقْدَحُ
لقد خَرَّقَ الحيُّ اليمانون قَبْلَهمبُحورَ الكلام تُسْتقَى وهْيَ طفَّحُ
وهُمْ عَلَّموا مَنْ بَعْدَهُمْ فتعلَّمواوهمْ أَعْرَبوا هذا الكَلامَ وأَوْضَحوا
فلِلسَّابقينَ الفَضْلُ لا يجحدونهوليس لمسبوق عليهم تبجح
أبو تمام
كَشَفْتُ قِناعَ الشّعرِ عن حُرِّ وجْهِهِوطيَّرتُه عن وكره وهو واقع
بغر يراها ن يراها بسمعهويدنوا إليها ذو الججى وهو شاسع
يَودُّ وِداداً أنَّ أَعضاءَ جِسْمِهِإِذا أُنشِدَتْ شوقًا إليها مسامع
وله
حذّاءَ تَملأُ كلَّ أُذْنٍ حكْمةًوبَلاغةً، وتُدِرُّ كل وريد
كالرد والمرجانِ أُلّف نَظْمُهُبالشَّذْر في عُنُقِ الفتاةِ الرُّودِ
كَشقيقةِ البُرْدِ المُنَمنَمِ وشيُهُفي أرضِ مَهرةَ أو بلادِ تَزِيد
يُعطَى بها البشرىالكريم ويَرْتديبردِائها في المحفِلِ المَشْهودِ
بُشْرَى الغَنيِّ أبي البنات تتابعتبشراوه بالفارس المولود
وله:
جاءتْكَ مِنْ نَظْمِ اللسانِ قِلاَدَةٌسِمْطانِ، فيها اللؤلؤُ المَكْنونُ
أحْذَاكَها صَنَعُ الضَّميرِ يَمُدُّهجَفْرٌ إِذا نَضَبَ الكلامُ مَعِين
أخذ لفْظَ "الصَّنَع" من قوله أبي حَيّة:
بأنني صنَعُ اللسانِ بهنَّ لا أتنحَّلُ
ونقله إِلى الضمير، وقد جعل حسَّانُ أيضاً اللسانَ "صنعًا"، وذلك في قوله:
أهدى لهم مدحًا قلب موازرهفيمنا أحب لسان حائك صنع
ولأبي تمام:
إليك أرحنا عازب الشعر بعد ماتمهَّل في روضِ المعاني العجَائِبِ
غرائبُ لاقتْ في فنائكَ أُنسَهامِن المَجْدِ فَهْيَ الآنَ غيرُ غَرائبِ
ولو كان يفنَى الشعرُ أفناهُ ما قَرَتْحياضُكَ منهُ في السنين الذَّواهِبِ
ولكنّهُ صَوْبُ العقولِ، إِذا انْجَلَتْسحائبُ منه أعقبت بسحائب
البحترى
ألستُ المُوالِي فيكَ نَظْمَ قصائدٍهي الأنجُم اقْتَادَتْ معَ الليلِ أَنْجُمَا
ثناءٌ كأَنَّ الروضَ منهُ مُنوِّراضُحَى، وكأَنَّ الوشْيَ منهُ منَمْنما
وله:
أحسن أبا حسن بالشعر، إذا جعلتعليك أنجمه بالمدح تنتثر
فقد أئتك القوافي غب فائدةكمكا تفتح غب الوابل الزهر
وله
إليك القوافي نازعات قواصدًايُسَيَّرُ ضاحِي وَشْيها ويُنَمْنَمُ
ومُشْرِقَةٌ في النظْمِ غر يزينهابهاء وحسنًا أنها فيك تنظم
وله
بمنقوشة نقش الدنانير ينتفيلها اللفظُ مُختاراً كما يُنْتقى التِّبْرُ
وله
أيذهَبُ هذا الدهرُ لم يُرَ مَوْضِعيولم يُدْرَ ما مِقدارُ حَلّي ولا عَقْدِي
ويَكْسِدُ مثلى وهو تاجر سودديَبيعُ ثميناتِ المكارِمِ والمَجْدِ
سوائرُ شِعرٍ جامعٍ بِدَدَ العُلىتعلَّقنَ مَنْ قَبلي وأتعبْنَ مَن بَعْدي
يقدِّرُ فيها صانعٌ مُتعمِّلٌ لأحكامِها تقديرَ داود في السرد
وله
تاله يَسهرُ في مديحِكَ ليلَهُمُتَمَلْمِلاً وتَنامُ دونَ ثوابه
يقظان ينتخل الكلامَ كأنهُجيشٌ لديهِ يُريدُ أَنْ يَلْقَى بِهِ
فأتَى بهِ كالسيفِ رَقَرَقَ صَيْقَلٌما بَيْنَ قائمٍ سِنْخِهِ وذُبابِهِ
ومن نادر وصفه للبلاغة قوله:
في نظام من البلاغة ما شكأمْرُؤٌ أنَّه نظامُ فَريدِ
وبَديعٍ كأنَّه الزَّهَرُ الضاحكفي رونق الربيع الجديد
النص من طبعة مطبعة المدني بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع