كم قتيل كما قتلت شهيد
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
سند النص: قوبِل ٣٠ بيتًا من هذا النصّ على روايته في ٤ من كتب التراث، منها «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» و«المنصف للسارق والمسروق منه» و«نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن» · آخر مراجعة ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
عن القصيدة
«كم قتيل كما قتلت شهيد» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٣٦ بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الدال.
بحر الخفيف: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن · قصائد أخرى رويّها الدال
من هذه القصيدة في كتب التراث
- «يتيمة الدهر»: الباب الخامس، في ذكر أبي الطيب المتنبي وما له وما عليه، الأبيات ٦ و١٨ و٢٦ و٣٥
- «جواهر البلاغة»: (٣-٥) كيف – وأين – وأنى – وكم – وأي، البيت ٢٦
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: تفاوت شعر أبي نواس، البيت ٦
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: شعر المتنبي، البيتين ٢٤ و٢٥
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: سرقات المتنبي، الأبيات ٢٣ و٢٩ و٣٠ و٣١
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: ما عاب العلماء على أبي الطيب، البيت ٢٤
- «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»: باب الغلو، البيت ٦
- «أسرار البلاغة»: فصل (٩)، البيت ٦
معنى قول المتنبي
كَم قَتيلٍ كَما قُتِلتُ شَهيدِ
بِبَياضِ الطُلى وَوَردِ الخُدودِ
قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول كم قتيل مثلي شهيد ببياض الاعناق وحمرة الخدود أي كان سبب قتله حب الاعناق البيض والخدود الحمر وجعل قتيل الحب شهيداً لما روى في الحديث أن من عشق فعفّ وكفّ وكتم فمات مات شهيداً ويروي لبياض الطلا على معنى كم قتيل له.
شرح القصيدة بيتًا بيتًا
- ١
كَم قَتيلٍ كَما قُتِلتُ شَهيدِ
بِبَياضِ الطُلى وَوَردِ الخُدودِ
الواحدي: يقول كم قتيل مثلي شهيد ببياض الاعناق وحمرة الخدود أي كان سبب قتله حب الاعناق البيض والخدود الحمر وجعل قتيل الحب شهيداً لما روى في الحديث أن من عشق فعفّ وكفّ وكتم فمات مات شهيداً ويروي لبياض الطلا على معنى كم قتيل له.
- ٢
وَعُيونِ المَها وَلا كَعُيونٍ
فَتَكَت بِالمُتَيَّمِ المَعمودِ
الواحدي: المها جمع مهاة وهي بقرة الوحش وتشبه عيون النساء بعيونها في حسنها وسعتها وفتكت قتلت بغتةً والمتيم الذي قد استبعده الحب والمعمود الذي قد هدّه الحب وكسره يقال عمده الحب يعمده يقول كم قتيلٍ قُتل بعيون أحبائه التي هي كعيون المها وليست تلك العيون التي هي قتلته كالعيون التي قتلتني وفتكت بي وعني بالمتيم المعمود نفسه.
- ٣
دَرَّ دَرُّ الصِبا أَأَيّامَ تَجريـ
ـرِ ذُيولي بِدارِ أَثلَةَ عودي
الواحدي: يقال لمن دعي له درّ درُّه أي كثر خيره ولا درّ درُّه لمن دُعي والدر اللبن الذي يجعل مثلا للخير لأن خصب العرب وسعة عيشهم فيه وهذا دعاءٌ للصبي وقال ابن جنى در درّه أي اتصل ما يعهد منه وهذا قولٌ فاسدٌ ليس بشيءٍ ثم خاطب أيام فقال أَأَيّام تجرير ذيولي أي يا أيام لهوى وجرُّ الذيول كنايةٌ عن النشاط واللهو لأن النشوان والنشيط يحمرّ ذيوله ولا يرفعها ودار الاثلة موضع بظهر الكوفة وعلى هذه الرواية تحذف الهمزة وتنقل حركتها إلى الساكن قبلها ومن روى بغير الألف واللام فهي كالأولى إلا أنها لم تعرف والأثلة شجرةٌ من جنس الطرفاء بتمنّى عود تلك الأيام.
- ٤
عَمرَكَ اللَهُ هَل رَأَيتَ بُدوراً
طَلَعَت في بَراقِعٍ وَعُقودِ
الواحدي: أي أسأل الله تعالى عمرك أي أن يعمرك يخاطب صاحبه هل رأيت بدورا تلبس البراقع والحلى يعني نساءً جعلهنَ بدورا في الحسن ويروي بدورا قبلها أي قبل تلك الأيام التي كنّا بدار الأثلة.
العكبري: الْإِعْرَاب عمرك الله مصدر يُقَال أَطَالَ الله عمرك وعمرك بِالضَّمِّ وَالْفَتْح وهما وَإِن كَانَا مصدرين بِمَعْنى إِلَّا أَنه اسْتعْمل أَحدهمَا فى الْقسم وَهُوَ المفتوح فَإِذا أدخلت عَلَيْهِ اللَّام رفعته بِالِابْتِدَاءِ قلت لعمر الله والام لتوكيد الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير لعمر الله قسمى فَإِن لم تأت بِاللَّامِ نصبته نصب المصادر وَقلت عمر الله مَا فعلت كَذَا وعمرك الله مَا فعلت كَذَا وَمعنى لعمر الله وَعمر الله أَحْلف بِبَقَاء الله ودوامه وَإِذا قلت عمرك الله فكأنك قلت بتعميرك أى بإقرارك لَهُ بِالْبَقَاءِ وَقَول عمر بن أَبى ربيعَة (أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلاً ... عَمْرَكَ اللهُ كيفَ يَلْتَقِيانِ) يُرِيد سَأَلت الله أَن يُطِيل عمرك لِأَنَّهُ لم يرد الْقسم بذلك وَسُهيْل تورية وَكَذَلِكَ الثريا وهما رجل وَامْرَأَة وَلم يرد النجمين وَهُوَ فى قَول أَبى الطّيب مصدر مَعْنَاهُ سَأَلت الله أَن يعمرك تعميرا الْغَرِيب البراقع شَيْء تَجْعَلهُ نسَاء الْعَرَب على وجوههن شَبيه بالنقاب إِلَّا أَنه يغطى الْوَجْه وَيفتح فِيهِ موضعان على قدر الْعَينَيْنِ والعقود وَاحِدهَا عقد وَهُوَ الْجَوْهَر الْمَعْنى يُخَاطب صَاحبه وَيَقُول سَأَلت الله أَن يعمرك هَل رَأَيْت بدورا تلبس البراقع طلعت عَلَيْهَا وَمن روى قبلهَا أى قبل تِلْكَ الْأَيَّام الَّتِى كُنَّا فِيهَا بدار الأثلة
- ٥
رامِياتٍ بِأَسهُمٍ ريشُها الهُد
بُ تَشُقُّ القُلوبُ قَبلَ الجُلودِ
الواحدي: يريد بالاسهم لحظاتهن ولمّا سمّاها اسهما جعل الاهداب ريشا لأن بالريش تقوى السهام كذلك لحظاتهن إنما تنفذ إلى القلوب بحسن اشفارهن وأهدابهن أي أنّها تصل إلى القلوب قبل أن تصل إلى الجلود وهذا من قول كثير، رمتني بسهمٍ ريشهُ اللحل لم يصب، ظواهر جلدي وهو في القلب جارح، ومثله قول جميل، بأوشك قتلاً منك يوم رميتني، نوافذَ لم يعلمْ لهن خروقُ.
العكبري: الْإِعْرَاب راميات صفة لبدور وَالْجَار مُتَعَلق بهَا الْغَرِيب الهدب هُوَ الشّعْر الذى على الأجفان الْمَعْنى يُرِيد بالأسهم الْأَعْين وَلما سَمَّاهَا أسهما جعل ريشا لِأَن الريش يقوى السِّهَام كَذَلِك لحظاتهن إِنَّمَا تصل إِلَى الْقُلُوب بِحسن أشفارهن وأهدابهن وتنفذ إِلَى الْقُلُوب أى تصل إِلَى الْقُلُوب فتنفذ فِيهَا قبل الْجُلُود وَالْبَيْت مَنْقُول من قَول كثير (وَما صائبٌ مِن نابلٍ قَذَفَتْ بِهِ ... يَدٌ ومُمَرُّ العُقْدتين وَثيقُ) (بأوشكَ قتلا منكِ يومَ رَميتنى ... نوافِذَ لم يُعلم لهنّ خُرُوقُ)
- ٦
يَتَرَشَّفنَ مِن فَمي رَشَفاتٍ
هُنَّ فيهِ أَحلى مِنَ التَوحيدِ
الواحدي: ويروى أحلى من التأييد يقال رشفت الريق وترشفته إذا مصصته يقول كن يمصصن ريقي لحبهن أياي كانت تلك الرشفات أحلى في فمي من كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله وهذا افراطٌ وتجاوز حدٍّ.
العكبري: الْغَرِيب رشفت الرِّيق وترشفته إِذا مصصته الْمَعْنى قَالَ الواحدى كن يمصصن ريقى لحبهن إياى فَكَانَت الرشفات فى فمى أحلى من كلمة التَّوْحِيد وهى لَا إِلَه إِلَّا الله وَهَذَا إفراط وَتجَاوز حد انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن القطاع ذهب كثير من النَّاس إِلَى أَن لَفْظَة أفعل من كَذَا توجب تَفْضِيل الأول على الثانى فى جَمِيع الْمَوَاضِع وَذَلِكَ غلط وَالصَّحِيح أَن أفعل يجِئ فى كَلَام الْعَرَب على خَمْسَة أوجه أَحدهَا أَن يكون الأول من جنس الثانى وَلم يظْهر لأَحَدهمَا حكم يزِيد على الأول بِهِ زِيَادَة يقوم عَلَيْهَا دَلِيل من قبل التَّفْضِيل فَهَذَا يكون حَقِيقَة فى الْفضل لَا مجَازًا وَذَلِكَ كَقَوْلِك زيد أفضل من عَمْرو وَهَذَا السَّيْف أَصْرَم من هَذَا والثانى أَن يكون الأول من جنس الثانى ومحتملا للحاق بِهِ وَقد سبق للثانى حكم أوجب لَهُ الزِّيَادَة بِالدَّلِيلِ الْوَاضِح فَهَذَا يكون على المقاربة فى التَّشْبِيه لَا التَّفْضِيل نَحْو قَوْلك الْأَمِير أكْرم من حَاتِم وَأَشْجَع من عَمْرو وَبَيت المتنبى من هَذَا الْقَبِيل أى يترشفن من فمى رشفات هن قريب من التَّوْحِيد وَالثَّالِث أَن يكون الأول من جنس الثانى أَو قَرِيبا مِنْهُ والثانى دون الأول فَهَذَا يكون على الْإِخْبَار الْمَحْض نَحْو قَوْلك الشَّمْس أَضْوَأ من الْقَمَر والأسد أجرأ من النمر وَالرَّابِع أَن يكون الأول من غير جنس الثانى وَقد سبق للثانى حكم أوجد لَهُ الزِّيَادَة واشتهر للْأولِ من جنسه بالفضيلة فَيكون هَذَا على سَبِيل التَّشْبِيه الْمَحْض وَالْغَرَض أَن يحصل للْأولِ بعض مَا يحصل للثانى نَحْو قَوْلك زيد أَشْجَع من الْأسد وأمضى من السَّيْف وَالْخَامِس أَن يكون الأول من غير جنس الثانى وَالْأول دون الثانى فى الصّفة جدا فَيكون هَذَا على الْمُبَالغَة الْمَحْضَة نَحْو قامته أتم من الرمْح وَوَجهه أَضْوَأ من الشَّمْس وَجَاء فى الحَدِيث " مَا أقلت الغبراء وَلَا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أَبى ذَر " ذهب من لَا يعرف معانى الْكَلَام إِلَى أَن أَبَا ذَر أصدق الْعَالم أجمع وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَإِنَّمَا نفى ﵊ أَن يكون أحد أَعلَى مِنْهُ رُتْبَة فى الصدْق وَلم ينف أَن يكون فى النَّاس مثله فى الصدْق وَلَو أَرَادَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لقَالَ أَبُو ذَر أصدق من كل من أظلت وأقلت وروى الْأَكْثَر أحلى من التَّوْحِيد وَمن روى حلاوة التَّوْحِيد أَرَادَ هى عندى مثل حلاوة التَّوْحِيد فَحذف الْمُضَاف وَرفع قَالَ أَبُو الْفَتْح يرْوى أَنه أنْشدهُ حلاوة التَّوْحِيد
- ٧
كُلُّ خَمصانَةٍ أَرَقُّ مِنَ الخَمـ
ـرِ بِقَلبٍ أَقسى مِنَ الجَلمودِ
الواحدي: الخمصانة الضامرة البطن وعنى برقتها نعومتها وصفاء لونها وقوله بقلب أي مع قلب أصلب من الحجر يقول اجسامهن ناعمة وقلوبهن قاسية.
العكبري: الْإِعْرَاب كل يجوز فِيهِ الرّفْع على الْبَدَل من الضَّمِير فى يترشفن وعَلى هَذَا يرفع أرق حملا على كل وَيجوز نَصبه وَهُوَ فى مَوضِع خفض نعتا الخمصانة وَيجوز نصب كل حملا على النَّعْت لبدورا فَيكون بدل تَبْيِين الْغَرِيب الخمصانة الضامرة وَيُقَال للذّكر خمصان بِضَم الْخَاء وَيجوز بِفَتْحِهَا والجلمود الْحِجَارَة وَيُقَال الجلمد والجلمود وهى الصخر والجلمد الْإِبِل الْكَثِيرَة وَذَات الجلاميد مَوضِع الْمَعْنى يَقُول كل خمصانة أى ضامرة الْبَطن وعنى برقتها نعومتها وصفاء لَوْنهَا وَقَوله بقلب أى هى مَعَ رقتها ونعومتها متلبسة بقلب أى مَعَ قلب أَصْلَب من الصخر وتلخيص الْمَعْنى هن ناعمات الْأَجْسَام قاسيات الْقُلُوب
- ٨
ذاتِ فَرعٍ كَأَنَّما ضُرِبَ العَنـ
ـبَرُ فيهِ بِماءِ وَردٍ وَعودِ
الواحدي: الفرع شعر الرأس يريد أن شعرها طيب الرائحة فكأنه خلط بهذه الأنواع من الطيب ويقال أن العود إنما تفوح رائحته عند الاحتراق ولا تطيب الشعر إذا خلط بالعود قيل أراد ضرب العنبر فيه بماء الورد ودخن بعود وحذف الفعل الثاني كقوله، علفتها تبنا وماءً بارداً، وكقول الآخر، ورأيتُ بعلك في الوغى، متقلداً سيفاً ورمحا، ومثله كثير.
العكبري: الْغَرِيب الْفَرْع شعر الرَّأْس والعنبر طيب مَعْرُوف الْمَعْنى قَالَ الواحدى يُرِيد أَن شعرهَا طيب الرَّائِحَة فَكَأَنَّهُ خلط بِهَذِهِ الْأَنْوَاع من الطّيب وَيُقَال إِن الْعود إِنَّمَا تفوح رَائِحَته عِنْد الاحتراق وَلَا يطيب رَائِحَة الشّعْر إِذا خلط بِالْعودِ قيل أَرَادَ ضرب العنبر فِيهِ بِمَاء ورد ودخن بِعُود وَحذف الْفِعْل الثانى كَقَوْلِه (عَلَفْتُها تِبْنا وَماءً بارِداً ... ) وكقول الآخر (ورأيتِ بعلَكِ فى الوَغَى ... متقَلِّداً سيْفًا وَرُمْحاً) انْتهى كَلَامه وَقَالَ الشريف بن الشجرى فى أَمَالِيهِ يُرِيد ودخان عود لِأَن الْعود لَا مَاء لَهُ وَكَذَلِكَ قَوْله (أُحادث مِنْهَا بدرَها فالكواكبا ... ) فَإِن جعل الْكَوَاكِب خصالها فلابد من فعل ينصب الْكَوَاكِب لِأَن الْخِصَال لَا تُوصَف بالمحادثة وَتَقْدِيره واستضئ وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين تبوء وَالدَّار وَالْإِيمَان﴾ أى وأحبوا الْإِيمَان
- ٩
حالِكٍ كَالغُدافِ جَثلٍ دَجوجِيـ
ـيٍ أَثيثٍ جَعدٍ بِلا تَجعيدِ
الواحدي: الحالك الشديد السواد والغداف الغراب الأسود والجثل الكثير النبات ويقال جثل بين الجثولة ومثله الأثيث والدجوجي كالحالك وليس من لفظ الدجى لأنه مضاعف يقول هو جعد من غير ان جعد.
العكبري: الْإِعْرَاب حالك صفة لفرع الْغَرِيب الحالك الشَّديد السوَاد والغداف هُوَ الْغُرَاب الْأسود والجثل الْكثير النَّبَات يُقَال هُوَ جثل بَين الجثولة والأثيث مثل الجثل والدجوجى مثل الحالك الْمَعْنى يَقُول ذَات فرع حالك كثير النَّبَات جعد خلق جَعدًا من غير أَن يجعد
- ١٠
تَحمِلُ المِسكَ عَن غَدائِرِها الرِّيـ
ـحُ وَتَفتَرُّ عَن شَنيبٍ بَرودِ
الواحدي: الغدائر جمع غديرة وهي الذؤابة وتفتر تضحك وتكشف بابتسامها عن ثغر شتيت أي متفرق على استواء نبته كما قال الأعشى، وشتيتٍ كالأقحوان جلاه الطلُّ فيه عذوبةٌ واتساقُ، والبرود البارد الريق ومن روى غدائره أراد غدائر الفرع.
العكبري: الْغَرِيب الغدائر وَاحِدهَا غديرة وهى الذؤابة والشتيت الثغر المتفرق على اسْتِوَاء قَالَ الشَّاعِر (وشَتِيتٍ كالأُقْحوان جلاه الطَّلْلُ ... فيهِ عُذوبةٌ واتِّساقُ) والبرود الْبَارِد الْمَعْنى يرْوى غدائره يُرِيد غدائر الْفَرْع الْمَعْنى أَنَّهَا طيبَة الرّيح فَكَأَن الرّيح إِذا مرت بهَا تحمل الْمسك من غدائرها وتفتر تضحك عَن ثغر شتيت متفرق فى اسْتِوَاء
- ١١
جَمَعَت بَينَ جِسمِ أَحمَدَ وَالسُقـ
ـمِ وَبَينَ الجُفونِ وَالتَسهيدِ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول قد جمعت بَين جسمى والسقام وَأحمد هُوَ أَبُو الطّيب وَبَين جفونى والسهاد
- ١٢
هَذِهِ مُهجَتي لَدَيكِ لِحيني
فَاِنقُصي مِن عَذابِها أَو فَزيدي
الواحدي: سلم لها الأمر وقال لها بيدك روحي وإنما ذلك لهلاكي فإن شئت فانقصي من عذابها بالوصل وأن سئت زيديها عذابا بالهجر والمهجة دم القلب ويوضع موضع الروح لأن النفس لا ترقى دونها.
العكبري: الْإِعْرَاب إِن جعل هَذِه إِشَارَة فلديك يتَعَلَّق بِمَعْنى الْإِشَارَة وَإِن جعلهَا نِدَاء بِحَذْف النداء كَانَ مُتَعَلقا بالاستقرار الْغَرِيب الْحِين بِفَتْح الْحَاء الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول سلمت الْأَمر إِلَيْهَا وَبِذَلِك روحى لَهَا لهلاكى وَقلت إِن شِئْت فانقصى من عَذَابهَا بوصل وَإِن شِئْت زيديها عذَابا بهجر والمهجة دم الْقلب وَمَوْضِع الرّوح لِأَن النَّفس لَا تبقى دونهَا
- ١٣
أَهلُ ما بي مِنَ الضَنى بَطَلٌ صيـ
ـدَ بِتَصفيفِ طُرَّةٍ وَبِجيدِ
الواحدي: أهل ابتداءٌ وبطل خبره والبطل الشجاع الذي يبطل عنده دماء الأقران والطرة شعر الجبهة وتصفيفها تسويتها من الصف وهذا البيت علة لِما ذكره في البيت الذي قبله يقول افعلي بي ما شئت فإن أهل لذلك ومستحقّ له لأن الرجل الشجاع إذا صادته المرأة بتصفيف شعرها وحسن عنقها فهو أهل لما حلَّ به من ذلك ويحتمل أنه إنما قال هذا المتشفي من نفسه بهذا الكلام والعذل لها على العشق يقول أنا أهل لِما بي من الضني لأني بطل صيد بِما ذكر وقال ابن جنى أي أنا أهل ذلك وحقيق بذلك لحسن ما رأيت وأنا بطلٌ صيد بتصفيف طرة وبجيد هذا كلامه وهو على بعده محتمل.
العكبري: الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع مَعْنَاهُ أَنا أهل مابى وحقيق بِهِ وَأَنا بَطل صيد الْغَرِيب الطرة تصفيف الشّعْر والبطل الشجاع والجيد الْعُنُق الْإِعْرَاب قَالَ الواحدى أهل ابْتِدَاء وَخَبره بَطل وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَنا أهل ذَلِك وحقيق بِحسن مَا رَأَيْت أَو أَنا بَطل صيد بتصفيف طرة وجيد هَذَا كَلَامه وَهُوَ على بعده مُحْتَمل انْتهى يَقُول فى الْبَيْت الذى قبله هَذِه مهجتى افعلى فِيهَا مَا شِئْت فَأَنا أهل لذَلِك ومستحق لَهُ لِأَن البطل إِذا صادته امْرَأَة بطرة مصفوفة وجيد وَهُوَ مقدم عُنُقهَا فَهُوَ أهل لما حل بِهِ وَيجوز أَن يكون إِنَّمَا قَالَ هَذَا كالمتشفى من نَفسه والعاذل لَهَا على الْعِشْق يَقُول أَنا أهل لما بى من الضنى
- ١٤
كُلُّ شَيءٍ مِنَ الدِماءِ حَرامٌ
شُربُهُ ما خَلا دَمَ العُنقودِ
الواحدي: يريد بدم العنقود الخمر لأنها تخلّب منه كما يسيل الدم من المقتول وليس الأمر على ما قال فإن شرب الخمر لا يحل إلا أن يريد بدم العنقود العصير أو ما لا يسكر من المطبوخ.
العكبري: الْإِعْرَاب إِذا قلت جَاءَ الْقَوْم مَا خلا زيدا فَلَيْسَ إِلَّا النصب وَإِذا قلت جَاءَ الْقَوْم خلا زيد كَانَ الْجَرّ لَا غير وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا أسقطت مَا جررت وَكَانَ أقوى من النصب لاحْتِمَاله إِيَّاه الْمَعْنى يُرِيد بِدَم العنقود الْخمر وَهَذَا حرَام بِلَا خلاف لِأَنَّهَا لَا تحل إِلَّا أَن يكون أَرَادَ دم العنقود وعنى الْمَطْبُوخ الذى لَا يسكر وسماها دَمًا لِأَنَّهَا تسيل من العنقود كَمَا يسيل دم الْمَقْتُول
- ١٥
فَاِسقِنيها فِدىً لِعَينَيكِ نَفسي
مِن غَزالٍ وَطارِفي وَتَليدي
الواحدي: أنت الكناية لأنه أراد بالدم الخمر والطارف والمطرفِ والطريف والمستطرف كله ما استحدث من الأموال والتليد والتالد والتلاد والمتلد ما كان دقيما عند صاحبه وقوله من غزال تخصيصٌ له بالفداء من جملة الغزلان ومثله افديك من رجل.
العكبري: الْإِعْرَاب أنث الضَّمِير فى اسقنيها لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالدَّمِ الْخمر وَذكر ضمير عَيْنَيْك وَالْأَفْعَال بعد لقَوْله من غزال على لَفظه لَا مَعْنَاهُ لِأَن المُرَاد بالغزال المعشوقة وَتَقْدِير الْكَلَام فدى لعينيك من غزال نفسى وطارفى وتليدى الْغَرِيب الطريف والطارف والمطرف والمستطرف مَا استحدث عنْدك من مَال والتليد والتالد والمتلد والتلاد مَا كَانَ عَن إِرْث من الْآبَاء وَقَوله من غزال تَخْصِيص لَهُ بِالْفِدَاءِ من جملَة الغزلان الْمَعْنى يَقُول اسقنى الْخمْرَة فَأَنا أفديك بنفسى وَمَا أملك
- ١٦
شَيبُ رَأسي وَذِلَّتي وَنُحولي
وَدُموعي عَلى هَواكَ شُهودي
العكبري: الْإِعْرَاب شيب رأسى مُبْتَدأ وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ وَخَبره شهودى وَالْجَار وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بالْخبر الْمَعْنى روى هَوَاك بِالْفَتْح على خطاب فاسقنيها فَذكر الضَّمِير وَالْمعْنَى لَا أقدر أَن أكتم هَوَاك فَإِذا كتمته شهد على ذلى ونحول جسدى وفيض دموعى وشيب رأسى قبل أَوَانه وكل هَذَا يكون من الْفِكر والهم بالمحبوب وَهَذَا مَنْقُول من قَول الآخر (أَوَمَا كَفاكِ تغَيُّرِى ... ونحولُ جسْمى شَاهدا)
- ١٧
أَيَّ يَومٍ سَرَرتَني بِوِصالٍ
لَم تَرُعني ثَلاثَةً بِصُدودِ
الواحدي: الصحيح رواية من روى هواك بفتح الكاف لأن الخطاب للمذكر في قوله فاسقنيها يريد في أي يوم نصبه على الظرف يقول لم تصلني يوما إلا واعرضت عني ثلاثةَ أيامٍ
العكبري: الْإِعْرَاب أى نصب وَهُوَ اسْتِفْهَام خرج مخرج النفى كَمَا تَقول لمن يدعى أَنه أكرمك أى يَوْم أكرمتنى قطّ كَمَا قَالَ الهذلى (اذهبْ فأىّ فَتىً فى الناسِ أَحرزَهُ ... من حَتْفهِ ظُلَمٌ دُعْجٌ وَلَا جَبَلُ) وَلَا يجوز أَن تكون أى شَرْطِيَّة تتَعَلَّق الْجُمْلَة بِالْجُمْلَةِ تعلق الْجَزَاء بِالشّرطِ وَإِذا حَملته على الشَّرْط كَانَ ذَلِك مناقضا للمعنى الذى أَرَادَهُ فَكَأَنَّهُ يَقُول إِن سررتى يَوْمًا بوصالك فقد أمنتنى ثَلَاثَة أَيَّام من صدودك وَهَذَا عكس مُرَاده الْغَرِيب رعت فلَانا وروعته فارتاع أى أفزعته فَفَزعَ وتروع تفزع وَقَوْلهمْ لَا ترع مَعْنَاهُ لَا تخف قَالَ أَبُو خرَاش (رَفَوْنى وَقَالُوا يَا خُوَيلدُ لَا تُرَعْ ... فَقلت وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ) الْمَعْنى يَقُول أى يَوْم سررتنى بوصال لم يفزعنى بِثَلَاثَة أَيَّام صدودك
- ١٨
ما مُقامي بِأَرضِ نَخلَةَ إِلّا
كَمُقامِ المَسيحِ بَينَ اليَهودِ
الواحدي: نخلة قورية لبني كلب على ثلاثة أميال عن بعلبك من أرض الشام والمقام بمعنى الاقامة يقول ليست اقامتي ببلدهم إلا كإقامة عيسى عليه السلام بين اليهود أي أن أهل هذه القرية أعداءٌ لي كما كانت اليهود أعداءً لعيسى وبهذا البيت لقب بالمتنبي لتشبيه نفسه بعيسى عليه السلام في هذا البيت وبصالح فيما بعده.
العكبري: الْغَرِيب دَار نَخْلَة على ثَلَاثَة أَمْيَال من بعلبك وهى قَرْيَة لبنى كلب ١ وَالْمقَام بِمَعْنى الْإِقَامَة الْمَعْنى يَقُول إقامتى فى هَذِه الْقرْيَة كإقامة عِيسَى ﵊ بَين الْيَهُود يعْنى أَن أهل هَذِه الْقرْيَة أَعدَاء لَهُ كَمَا كَانَت الْيَهُود أَعدَاء عِيسَى ﵇ قَالَ الواحدى فى تَفْسِيره وَبِهَذَا الْبَيْت لقب بالمتنبى لتشبيهه نَفسه بِعِيسَى فى هَذَا الْبَيْت وَفِيمَا بعده بِصَالح
- ١٩
مَفرَشي صَهوَةُ الحِصانِ وَلَكِن
نَ قَميصي مَسرودَةٌ مِن حَديدِ
الواحدي: المفرش موضع الفراش والصهوة مقعد الفارس من ظهر الفرس والحصان الفرس الفحل والمسرودة المنسوجة من الحديد وهي الدرع يقول أنا شجاع مكاني ظهر الفرس وملبوسي الدرع وقال ابن جنى أي أنا أبدا بهذه القرية على هذه الحالة تيقظا وتأهبا
العكبري: الْإِعْرَاب مفرشى إِلَى آخِره فى مَوضِع الْحَال الْغَرِيب المفرش مَوضِع الْفراش والصهوة مقْعد الْفَارِس من ظهر الْفرس والحصان الْفرس الْفَحْل والمسرودة المنسوجة من الْحَدِيد وهى الدروع الْمَعْنى يَقُول أَنا بِهَذِهِ الْقرْيَة على هَذِه الْحَال لَا أُفَارِق ظهر فرسى يُرِيد أَنى شُجَاع لَا أُفَارِق ظهر الْفرس وملبوسى الدروع وَقَالَ ابْن جنى أَنا بِهَذِهِ الْقرْيَة على هَذِه الْحَال تأهبا وتيقظا
- ٢٠
لَأمَةٌ فاضَةٌ أَضاةٌ دِلاصٌ
أَحكَمَت نَسجَها يَدا داوُّدِ
الواحدي: لأمةٌ ملتئمة الصنعة فاضة سابقة يقال درع فاضة وفيوض ومفاضة وهي التي تفيض على بدن لابسها فتعمهُ والاضاة التي تشبه بالغدير لبياضها وصفائها والدلاص البراقة.
العكبري: الْإِعْرَاب لأمة بُد ل من قَوْله مسرودة الْغَرِيب اللأمة المتئلمة الصَّنْعَة والفاضة السابغة وأضاة صَافِيَة شبهها بالغدير لبياضها وصفائها والدلاص البراقة والدليص أَيْضا الْبراق اللين وَدرع دلاص وأدرع دلاص الْوَاحِد وَالْجمع على لفظ وَاحِد وَقد دلصت الدرْع بِالْفَتْح تدلص ودلصتها أَنا تدليصا والدلاص الْبراق الْمَعْنى يَقُول قميصى لأمة محكمَة النسج من صنع دَاوُد ﵊ وَهُوَ أول من عمل الدروع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وألنا لَهُ الْحَدِيد﴾
- ٢١
أَينَ فَضلي إِذا قَنِعتُ مِنَ الدَهـ
ـرِ بِعَيشٍ مُعَجَّلِ التَنكيدِ
الواحدي: يقول إذا قنعت بعيش قليل قد عجل لي نكده وأخر عني خيره فإين فضلي أي مكان فضلي قد خفى فليس يرى
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِذا قنعت من الدَّهْر بعيش قد عجل لى نكده وَأخر عَنى خَيره فَأَيْنَ فضلى فَإِذا لَا فضل لى فَكَأَن فضلى قد خفى فَلَيْسَ يرى
- ٢٢
ضاقَ صَدري وَطالَ في طَلَبِ الرِز
قِ قِيامي وَقَلَّ عَنهُ قُعودي
الواحدي: يقول ضقت صدرا لكثرة ما قمت في طلب الرزق وسعيت وتعبت فيه
العكبري: الْمَعْنى يَقُول تعبت فى طلب الرزق وسعيت فِيهِ وَلم يحصل فقد ضقت صَدرا لِكَثْرَة مَا قُمْت فى طلبه وسعيت ونصبت وَطَالَ فِيهِ سفرى وَقل عَنهُ قعودى عَن السّفر
- ٢٣
أَبَداً أَقطَعُ البِلادَ وَنَجمي
في نُحوسٍ وَهِمَّتي في سُعودِ
الواحدي: يقول اسافر أبداً في طلب الرزق وحظي منحوس وهمتي عالية كما قال الطاءي، همةٌ تنطحُ النجومَ وجدٌّ، الفٌ للحضيضِ فهو حضيضُ، وكما قال بعضهم، ولي همةٌ فوق نجمِ السما، ولكن حالي تحت الثرى، فلو ساعدت همتي حالتي، لكمتَ ترَى غير ما قد ترى،
- ٢٤
وَلَعَلّي مُؤَمِّلٌ بَعضَ ما أَب
لُغُ بِاللُطفِ مِن عَزيزٍ حَميدِ
الواحدي: يقول لعلي راحٍ بعض ما ابلغه بلطف الله تعالى العزيز الحميد أي الذي أرجوه لعله بعض ما ابلغه بلطف الله تعالى وفيه وجه آخر وهو أن المرجو ما هو محبوبٌ وما كان مكروها لا يكون مرجوا بل يكون محذورا فهو يقول لعلي راجس بعض ما ابلغه وادركه من فضل الله تعالى أي ليس جميع ما ابلغه مكروها بل بعضه مرجو محبوبٌ وقيل أن هذا على القلب تقديره لعلي بالغ بلطف الله تعالى بعض ما اؤمله
- ٢٥
لِسَرِيٍّ لِباسُهُ خَشِنُ القُط
نِ وَمَروِيُّ مَروَ لِبسُ القُرودِ
الواحدي: السريّ الماجد الشريف يقال سرو يسرو سروا فهو سريّ يقول ابلغه بسريّ يلبس ما ينسج من القطن الخشن ومرويّ مرواي أن الثوب المرويّ الذي نُسج بها لباس اللئام والعرب تتمدح بخشونة الملبس والمطعم وتعيب الترفه والنعمة ويروي لسري باللام اراد به نفسه وهذه الرواية إنما تصح إذا كان البيت الذي قبله على القلب يقول لعلي بالغ بعض ما اؤمله لسري يتقشف في لبسه واللبس مصدرُ لبست الثوب واللبس بكسر اللام ما يلبس.
العكبري: الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح اللَّام تحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون التَّقْدِير اعجبوا لسرى وَالْآخر أَن تكون مُتَعَلقَة باللطف أى باللطف من الله سُبْحَانَهُ لسرى هَذِه صفته الْغَرِيب مروى مرو هى ثِيَاب رقاق تنسج بمرو الْمَعْنى يَقُول اعجبوا لسرى أَو لعلى أُؤَمِّل باللطف لسرى لِبَاسه ردئ وَالْعرب تتمدح بخشونة الملبس وتعيب النِّعْمَة والترفه أى لبسى خشن الْقطن ومروى مرو وهى الثِّيَاب الرقيقة لبس اللئام قَالَ ابْن القطاع أَخذ عَلَيْهِ قَوْله ﴿فلعلى مُؤَمل ... الخ﴾ وَقَالَ كَيفَ يؤمل بعض مَا يبلغ وَإِنَّمَا وَجه الْكَلَام أَن يَقُول ولعلى أبلغ بعض مَا أومل وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْمَعْنى ولعلى أبلغ آمالى وأزيد عَلَيْهَا حَتَّى يكون مَا أؤمله بعض مَا أبلغه وَقيل مَعْنَاهُ أَنا أُؤَمِّل أَكثر مَا أطلب فلعلى بَالغ بعض مَا أؤمله لِأَن مَا أؤمله بعض مَا أبلغه أَو لِأَن مَا أؤمله لَا يبلغ إِلَيْهِ أحد
- ٢٦
عِش عَزيزاً أَو مُت وَأَنتَ كَريمٌ
بَينَ طَعنِ القَنا وَخَفقِ البُنودِ
الواحدي: البنود جمع البند وهو العلم الكبير يقول إما أن تعيش عزيزاً ممتنعا من الاعداء أو تموت في الحرب موت الكرام لأن القتل في الحرب يدل على شجاعة الرجل وكرم خلقه وهو خيرٌ من العيش في الذل.
العكبري: الْغَرِيب البنود جمع بند وهى الْأَعْلَام الْكِبَار وخفق البنود اضطرابها الْمَعْنى يُرِيد إِمَّا أَن تعيش عَزِيزًا مُمْتَنعا من الْأَعْدَاء أَو تَمُوت موت الْكِرَام فى الْحَرْب لِأَن الْقَتْل فى الْحَرْب يدل على شجاعة الْمَقْتُول وَالْقَتْل خير من الْعَيْش فى الذل
- ٢٧
فَرُؤوسُ الرِماحِ أَذهَبُ لِلغَيـ
ـظِ وَأَشفى لِغِلِّ صَدرِ الحَقودِ
الواحدي: أراد برؤوس الرماح الأسنة وقوله اذهب للغيظ كان حقه أن يقول اشد اذهابا ولا يبني افعل من الافعال إلا في ضرورة الشعر ولو قال اذهب بالغيظ لم يكن ضرورةً يقول ذهاب الغيظ برؤس الرماح أكبر من ذعابه بالسلم واشفى لغلّ الحقود على اعدائه ومن روى الحسود إراد الكثير الحسد الذي لا يذعب حسده إلا بأن يطعن المحسود فيقتله والحقود احسن في المعنى.
العكبري: الْإِعْرَاب تَقول ذهبت بالغيظ وَلَا تَقول ذهبته بل أذهبته وَالْوَجْه أَن يَقُول أَشد إذهاب للغيظ لِأَن أفعل لَا يبْنى من الإفعال إِلَّا فى ضَرُورَة الشّعْر وَلكنه جَاءَ على حذف الزَّوَائِد وَلَو قَالَ بالغيظ لاستغنى الْمَعْنى يُرِيد أَن إذهاب الغيظ بِالرِّمَاحِ أَكثر من إذهابه بالسلم وأشفى لغل صدر الحقود من أعدائه ويروى صدر الحسود والحقود أحسن فى الْمَعْنى
- ٢٨
لا كَما قَد حَيّتَ غَيرَ حَميدٍ
وَإِذا مُتَّ مُتَّ غَيرَ فَقيدِ
الواحدي: يقال حيى يحيى ويقال أيضا حيّ بالادغام في الماضي ولا يقال في المستقبل بالادغام وذلك أن حيى عين الفعل منه ياء مكسورة ولامه أيضا ياءٌ والياء أخت الكسرة فكأنه اجتمع ثلاث كسرات فحذفت كسرة العين وأدغمت في اللام ولم يعرض لي المستقبل شيءٌ من هذا وإنما يخاطب نفسه فيقول عش عزيزا أو مت في الحرب حميداً ولا تكن كما قد عشت إلى هذا الوقت غير محمود فيما بين الناس وإذا متّ على فراشك في هذا الوقت متّ غير مفقود لأن الناس يجدون ملك كثيرا فيستغنون عنك ولا يبالون بموتك فلا يذكرونك بعد موتك.
- ٢٩
فَاِطلُبِ العِزَّ في لَظى وَذَرِ الذُلـ
ـلَ وَلَو كانَ في جِنانِ الخُلودِ
الواحدي: لظى من أسماء جهنم يقول اطلب العزّ وإن كان في جهنّم ودع الذلّ وإن كان في الجنّة وهذا مثلٌ ومبالغةٌ في طلب العزّ والتجافي من الذل وإلا فلا عزَّ في جهنم ولا ذلَّ في الجنة.
العكبري: الْغَرِيب يُقَال حيى يحيا حَيَاة وَيُقَال حى بِالْإِدْغَامِ فى الماضى وَلَا يدغم فى الْمُسْتَقْبل وحيى عين الْفِعْل مِنْهُ يَاء مَكْسُورَة وَكَذَلِكَ لامه يَاء وَالْيَاء أُخْت الكسرة فَكَأَنَّهُ اجْتمع ثَلَاث كسرات فحذفت كسرة الْعين وأدغمت فى اللَّام وَقَرَأَ بِالْإِدْغَامِ أَكثر الْقُرَّاء ابْن كثير وَابْن عَام وَحَفْص وَحَمْزَة والكسائى وقنبل وَقَرَأَ بالإظهار نَافِع وَأَبُو بكر والبزى وَابْن كثير الْمَعْنى إِنَّه يُخَاطب نَفسه يَقُول عش عَزِيزًا أومت فى الْحَرْب حميدا وَلَا تكن كَمَا قد عِشْت إِلَى هَذَا الْوَقْت غير مَحْمُودًا فِيمَا بَين النَّاس وَإِذا مت على فراشك مت غير مَفْقُود لِأَن النَّاس يَجدونَ مثلك كثيرا فيستغنون عَنْك وَلَا يبالون بموتك وَلَا يذكرونك بعد موتك وَإِنَّمَا يذكر من لَهُ إقدام وشجاعة وفعلات يذكر بهَا الْغَرِيب لظى من أَسمَاء جَهَنَّم وهى معرفَة لَا تَنْصَرِف والتظاء النَّار التهابها وَكَذَلِكَ تلظيها الْمَعْنى يُرِيد أَن الْعِزّ مَطْلُوب فاطلبه وَإِن كَانَ فى جَهَنَّم وَلَا تطلب الذى وَلَو أَنه فى جنان الخلود وَهَذَا كُله من الْمُبَالغَة فى طلب الْعِزّ والبعد من الذل قَالَ الواحدى وَهَذَا كُله مُبَالغَة وَإِلَّا فَلَا عز فى جَهَنَّم وَلَا ذل فى الْجنَّة
- ٣٠
يُقتَلُ العاجِزُ الجَبانُ وَقَد يَعـ
ـجِزُ عَن قَطعِ بُخنُقِ المَولودِ
الواحدي: البخنق خرقة تقنع بها الامرأة رأسها يقول العاجز الجبان قد يقتل يعني أن العجز والجبن ليسا من أسباب البقاء فلا تعجز ولا تجبن حبذا للبقاء
العكبري: الْغَرِيب البخنق مَا يَجْعَل على رَأس الصبى وتلبسه الْمَرْأَة أَيْضا عِنْد ادهان رَأسهَا الْمَعْنى يَقُول لَا تجبن وتحرص على الْحَيَاة يَقُول الجبان الْعَاجِز قد يقتل عَاجِزا وَالْعجز والجبن لم يَكُونَا من سَبَب الْبَقَاء ولاهما منجيان من كَانَا فِيهِ من الْمَوْت وَغَيره وَقد كرر هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ معنى // حسن // كَقَوْلِه (فمِنَ العجْزِ أَن تكونَ جَبانا) وَقد بَين فِيمَا بعده تَمام الْغَرَض وَأَن الْعَاجِز يقتل وَيسلم الشجاع الْمِقْدَام بقوله (ويوفى ... الخ ... )
- ٣١
وَيُوَقّى الفَتى المِخَشُّ وَقَد خَو
وَضَ في ماءِ لَبَّةِ الصِنديدِ
الواحدي: يقال وقاه الله السوءَ ووقاه فهو موقَّى والمخشّ الدخّال في الأمور والحروب وخوض أكثر الخوض واللبة أعلى الصدر عند الحلق وماءها الدم والصنديد الشجاع الشديد يقول قد يسلم من يدخل الحروب في أشد الأحوال واكثرها خوفا وهذا حثٌّ على الأقدام
العكبري: الْغَرِيب المخش الرجل الجرئ على اللَّيْل والصنديد السَّيِّد الْكَرِيم وَقيل المخش الرجل الدخال فى الْأُمُور وَالْحَرب ويوقى يُقَال وَقَاه الله السوء ووقاه فَهُوَ مرقى وخوض أَكثر فى الْخَوْض الْمَعْنى يَقُول قد يسلم الشجاع وَيهْلك الجبان والشجاع قد دخل فى أَشد الْأَحْوَال وأخوفها وكل هَذَا حث على الشجَاعَة والإقدام
- ٣٢
لا بِقَومي شَرُفتُ بَل شَرُفوا بي
وَبِنَفسي فَخَرتُ لا بِجُدودي
الواحدي: هذا كقوله، نفس عصامٍ سودت عصاما، وعلمته الله والإقداما، وصيرته ملكاً هماما، حتى عدا وجاوز الأقواما، ونحوه قول عامر بن الطفيل، فما سودتني عامرٌ عن وراثةٍ، أبى الله أن أسمو بأمٍ ولا أبٍ، ولكنني أحمى حِماها وأتقى، أذاها وأرمى من رماها بمقنبِ، قالت الرواةُ لو اقتصر على هذا البيت كان الم الناس نسبا لكنه قال
العكبري: الْمَعْنى يَقُول شرفت بنفسى لَا بقومى وَهَذَا كَقَوْل الشَّاعِر (نفْسُ عِصامٍ سوّدَتْ عِصامًا ... وعَلَّمَتْهُ الكَرَّ والإقْدَاماَ) وأصل هَذَا كَقَوْل عَامر بن الطُّفَيْل (فمَا سَوَّدَتْنِى عامِرٌ عَنْ وَرِثَةٍ ... أَبى اللهُ أنْ أسْمُو بِأُمّ وَلا أبِ) (وَلكِنَّنِى أحْمِى حِماها وأتَّقِى ... أذَاها وأرْمى مَن رَماها بِمقْنَبِ) وَقَالَ الآخر (قد قالَ قوْمٌ أعْطِهِ لقديمه ... جهلوا ولكنْ أعْطِنى لِتَقَدُّمى) (فَأَنا ابنُ نفسى لَا بعرضى أحْتَذى ... بالسَّيف لَا بِتُرَاب تِلْكَ الْأَعْظَم) قَالَ الواحدى لَو اقْتصر أَبُو الطّيب على هَذَا الْبَيْت لَكَانَ ألأم النَّاس نسبا لكنه قَالَ (وبهم ... الخ ... )
- ٣٣
وَبِهِم فَخرُ كُلِّ مَن نَطَقَ الضا
دَ وَعَوذُ الجاني وَعَوثُ الطَريدِ
الواحدي: الضاد للعرب خاصةً يقول فخر العرب كلهم وبهم عوذ الجاني يعني أن من جنى جناية وخاف على نفسه عاذ بقويم ليأمن على نفسه وبهم غوث الطريد وهو الذي نفى وطرد أي أنه يستغيث بهم ويلجأ إليه فيعز بمنعتهم
العكبري: الْغَرِيب عوذ الجانى أى يعوذون بهم وغوث الطريد أى المطرود يستغيثهم وَهُوَ الذى يطرد وينفى فإليهم يلجأ الْمَعْنى يَقُول هم أفْصح الْعَرَب لِأَن الضَّاد لم ينْطَلق بهَا إِلَّا الْعَرَب أى هم فَخر لكل الْعَرَب وَإِذا جنى جَان وَخَافَ على نَفسه عاذ بهم ولاذ بهم ليأمن على نَفسه والمطرود إِذا طرد وَنفى اسْتَغَاثَ بهم ولجأ إِلَيْهِم فيمنعونه
- ٣٤
إِن أَكُن مُعجَباً فَعُجبُ عَجيبٍ
لَم يَجِد فَوقَ نَفسِهِ مِن مَزيدِ
الواحدي: المعجب الذي يعجب بنفسه والعجيب الذي يعجب غيره وهو بمنعى المعجب أيضا كالبديع بمعنى المبدع يقول أن أعجبت بنفسي فإن عجبي عجبُ معجبٍ لا يرى فوق نفسه مزيداً في الشرف أي ليس عجبي بمنكر
العكبري: الْغَرِيب المعجب الذى يعجب بِنَفسِهِ والعجيب الذى يعجب غَيره وَقيل هما بِمَعْنى كالمبدع والبديع الْمَعْنى يَقُول إِذا عجبت بنفسى فَإِن عجبى عَجِيب لِأَن امْرُؤ لَا يرى فَوق نَفسه من مزِيد فى الشّرف فَلَيْسَ عجبى بمنكر بل هُوَ ظَاهر لَا يُنكره أحد
- ٣٥
أَنا تِربُ النَدى وَرَبُّ القَوافي
وَسِمامُ العِدا وَغَيظُ الحَسودِ
الواحدي: يقول أنا أخو الجود ولدنا معا وأنا صاحب القوافي ومنشئها لأني لم أسبق إلى مثلها وإنا قتل اعدائي كما يقتل السم وأنا سبب غيظ الحساد لأنهم يتمنون مكاني فلا يدركونه فيغتاظون
العكبري: الْغَرِيب الترب ترب الْإِنْسَان وَهُوَ الذى ولد مَعَه فى وَقت وربيا والقوافى جمع قافية وَتسَمى القصيدة أَيْضا قافية وسمام جمع سم الْمَعْنى يَقُول أَنا أَخُو الْجُود وَأَنا صَاحب القصائد ومنشئ القوافى لأنى لم أسبق إِلَى مثلهَا وَأَنا أقتل الْأَعْدَاء فكأنى لَهُم سم فأقتلهم كَمَا يقتل السم فَأَنا سَبَب غيظ الحساد فهم يتمنون موضعى فَلَا يدركونه فَلهَذَا يغتاظون فَأَنا سَبَب غيظهم
- ٣٦
أَنا في أُمَّةٍ تَدارَكَها اللَـ
ـهُ غَريبٌ كَصالِحٍ في ثَمودِ
الواحدي: تداركها الله دعاءٌ لها أي ادركها الله ونجاهم من لومهم ويجوز أن يكون دعاءً عليهم أي أدركهم الله بالاهلاك لأنجو منهم قال ابن جنى انه بهذا البيت سمي المتنبي. وقال في صباه ارتجالا وقد أهدى إليه عبيد الله بين خُراسان هدية فيها سمك من سكر ولوز في عسل.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَنا غَرِيب فى هَذِه الْأمة لَا يعْرفُونَ قدرى قَالَ أَبُو الْفَتْح بِهَذَا الْبَيْت سمى المتنبى وَأما قَوْله ﴿تداركها الله﴾ فَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الدُّعَاء عَلَيْهِم أى تداركهم بالانتقام أَو الاستئصال حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُم أحد وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الدُّعَاء لَهُم أى تداركهم الله بالإصلاح ونجاهم من لؤمهم وشحهم وجهلهم وَهَذَا من قَول حبيب (كانَ الخليفةُ يومَ ذَلِك صَالحا ... فيهم وَكَانَ المُشركونَ ثمودا) وَثَمُود اسْم من الْقُرَّاء من صرفه وَمِنْهُم من لم يصرفهُ فَمن صرفه مِنْهُم صرفه فى حَال النصب وَمِنْهُم من صرفه وَهُوَ الكسائى فى حَال الْجَرّ فى قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا بعد الثمود﴾ وَترك صرفه نصبا وجرا حَمْزَة وَحَفْص عَن عَاصِم وَوَافَقَهُمَا أَبُو بكر فى قَوْله تَعَالَى ﴿وَثَمُود فَمَا أبقى﴾ فى ﴿النَّجْم﴾
هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري
أبيات مشهورة منها(٦)
- يَتَرَشَّفنَ مِن فَمي رَشَفاتٍ ... هُنَّ فيهِ أَحلى مِنَ التَوحيدِ
- لا بِقَومي شَرُفتُ بَل شَرُفوا بي ... وَبِنَفسي فَخَرتُ لا بِجُدودي
- عِش عَزيزاً أَو مُت وَأَنتَ كَريمٌ ... بَينَ طَعنِ القَنا وَخَفقِ البُنودِ
- أَنا تِربُ النَدى وَرَبُّ القَوافي ... وَسِمامُ العِدا وَغَيظُ الحَسودِ
- رامِياتٍ بِأَسهُمٍ ريشُها الهُد ... بُ تَشُقُّ القُلوبُ قَبلَ الجُلودِ
- لِسَرِيٍّ لِباسُهُ خَشِنُ القُط ... نِ وَمَروِيُّ مَروَ لِبسُ القُرودِ
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.