تجاوز إلى المحتوى

من «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)

فصل (٩)

" هذا فنٌّ غير ما تقدَّم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل ". اعلم أنّي قد عرّفتك أن كل تمثيل تشبيهٌ، وليس كل تشبيه تمثيلاً، وثبَّتُّ وجهَ الفرق بينهما، وهذا أصلٌ إذا اعتبرتَه وعرَضت كلَّ واحدٍ منهما عليه فوجدته يجيء في التشبيه مجيئاً حسناً، وينقاد القياس فيه انقياداً لا تَعسُّف فيه، ثم صادفته لا يطاوعك في التمثيل تلك المطاوعة، ولا يجري في عِنَان مرادك ذلك الجري ظهر لك نوعٌ من الفرق والفصل بينهما غير ما عرفتَ، وانفتح منه بابٌ إلى دقائق وحقائق، وذلك جَعْلُ الفرعِ أصلاً والأصل فرعاً، وهو إذا استقريت التشبيهات الصريحة وجدته يكثُر فيها، وذلك نحوُ أنهم يشبّهون الشيء فيها بالشيء في حال، ثم يعطفون على الثاني فيشبّهونه بالأول، فترى الشيء مُشبَّهَاً مرّةً، ومشبَّهاً به أخرى، فمن أظهر ذلك أنك تقول في النجوم كأنها مصابيح، ثم تقول في حالة الأخرى في المصابيح كأنها نجوم ومثلُه في الظهور والكثرة تشبيهُ الخدّ بالورد، والورد بالخدّ وتشبيه الرَّوض المنوَّر بالوَشْي المُنَمْنَم ونحو ذلك، ثم يُشبَّه النقش والوَشْيُ في الحُلَل بأنوار الرياض وتُشبَّه العيون بالنرجس، ثم يُشبَّه النرجس بالعيون، كقول أبي نواس:

لَدَى نَرْجِسٍ عَضِّ القِطَافِ كأنّهإذَا مَا مَنَحْنَاهُ العُيونَ عُيونُ

وكذلك تشبيه الثَّغر بالأقاحي، ثم تشبيهُها بالثعر، كقول ابن المعتز:

والأُقحوانُ كالثَّنايا الغُرّقد صُقِلتْ أنوارُه بالقَطْرِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لي صاحب قد لامني وزادا»

وقول التَّنوخي:

أقْحوانٌ مُعانقٌ لشقيقٍكثُغُورٍ تَعَضُّ وردَ الخدودِ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وبعدهُ، وهو تشبيه النرجس بالعيون:

وعُيونٌ من نَرْجِس تَتَراءَىكعُيونٍ مَوْصُولةِ التَّسهيدِ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وكما يشبّهون السيوف عند الانتضاء بعقائق البُرُوق، كما قال:

وسَيْفِي كَالعَقِيقة وهو كِمْعِيسِلاَحِي لا أفلَّ ولاَ فُطَارَا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «حولي تنفض اِستُكَ مذرويه»

ثم يعودون فيشبّهون البَرْق بالسيوف المُنْتضَاة، كما قال ابن المعتزّ يصف سحابة:

وساريةٍ لا تَمَلُّ البكاجَرَى دَمْعها في خُدُود الثَّرَى
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وسارية لا تمل البكا»
سَرَت تقدَحُ الصُّبْحَ في ليلهاببرْقٍ كَهِنْدِيةٍ تُنضَى
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وسارية لا تمل البكا»

وكقول الآخر يصف نار السَّذَق:

ومازال يعلوعَجاجُ الدُّخانإلى أن تَلوَّنَ منه زُحَلْ
وكنّا نرى الموجَ من فِضّةٍفذَّهبهُ النُّورُ حتى اشتعلْ
شَراراً يُحاكى انقضاضَ النجومِوبَرْقاً كإيماض بِيضِ تُسَلّ
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة

ومن لطيفه قول علي بن محمد بن جعفر:

دِمَنٌ كأنَّ رِياضَهايُكْسَيْنَ أعلاَمَ المَطَارِفْ
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
وكأنَّما غُدْرَانُهافيها عُشورٌ من مَصَاحِفْ
وكأنّما أنوارُهاتهتزُّ في نَكْبَاء عاصفْ
طُرَرُ الوَصَائف يَلْتَقين بها إلى طُرَر الوَصَائفْ
وكأنّ لَمْعَ بُروقِهافي الجوّ أسيافُ المُثَاقِفْ
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

المقصود البيت الأخير، ولكن البيت إذا قُطع عن القطعة كان كالكعاب تُفرَد عن الأتراب، فيظهر فيها ذُلُّ الاغتراب، والجوهرة الثمينة مع أخواتها في العقد أبهى في العين، وأملأُ بالزين، منها إذا أفردتْ عن النظائر، وبَدَت فَذَّةً للناظر،

يشبّهون الجواشن والدروع بالغدير يضرب الريح متنَه فيتكسَّر، ويقع فيه ذلك الشَنَج المعلوم كقوله:

بيضاءَ زَغْفٍ نَثْلةٍ سُلَمِيَّةٍلها رَفْرَفٌ فوق الأَنَامِل من عَلُ
أَشْبَرَنيها الهالكيّ كأنهاغَدِيرٌ جَرَت في متنه الرِّيحُ سَلسَلُ

وقال:

سابغةً من جياد الدُّروعتَسْمَعُ للسيف فيها صَلِيلاَ
َمتْنِ الغَدِير زَفَتْهُ الدَّبورُيجرُّ المُدَجَّجُ منها فُضُولاَ

وقال البحتري:

َمْشُون في زَغْفٍ كأنّ مُتونَهافي كل مَعْرَكةٍ مُتونُ نِهَاءِ

وهو من الشهرة بحيث لا يخفى، ثم إنهم يعكسون هذا التشبيه فيشبّهون الغُدران والبِرَك بالدروع والجواشن، كقول البحتري يصف البِرْكة:

ذا عَلَتْها الصَّبا أبدت لها حُبُكاًمِثْل الجَواشِنِ مصقولاً حواشيها

ومن فاتن ذلك وفاخره، لاستواء أوّله في الحسن وآخره، قول أبي فراس الحمداني:

نظُر إلى زَهْرِ الربيعِوالماءِ في بِرَك البديع
إذا الرياحُ جرَتْ عليهِ في الذَّهابِ وفي الرجوعِ
نثَرَتْ على بِيض الصَّفَائح بيننا حَلَق الدروعِ

وتُشبَّه أنوارُ الرياض بالنجوم، كقوله:

َكَتِ السماءُ بها رَذَاذَ دُموعِهافغَدت تَبسَّمُ عن نجومِ سماءِ

ثم تُشبَّه النجوم بالنَّوْر كقوله:

قد أقذِفُ العيسَ في ليلٍ كأنّ بهوَشياً من النَّوْرِ أو رَوْضَاً من العُشُبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «إليك ما أنا من لهو ولا طرب»

وكقول ابن المعتز:

كأنّ الثُّريَّا في أواخرِ ليلهاتَفَتُّحُ نَوْرٍ أو لجامٌ مُفَضَّضُ

وقال:

وتَوقَّد المِرِّيخُ بين نُجومهاكبَهارَةٍ في رَوْضَةٍ من نرجسِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «كم ليلة محمودة أحييتها»

وكذلك تُشبَّه غُرّة الفرس الأدهم بالنَّجم أو الصبح، ويجعل جسمه كالليل، كما قال ابن المعتزّ:

جاء سَليلاً من أبٍ وأمّأدهمَ مصقولَ ظَلامِ الجِسْمِ

قد سُمِّرت جَبْهَتُه بنجْمِ

وكما قال كاتب المأمون يصف فرساً:

قَدْ بَعثْنَا بجَوَادٍمِثْلَه لَيْس يُرامُ
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة
فَرسٌ يُزهَى به للحُسْنِ سَرْجٌ ولِجامٌ
وَجْهُه صبحٌ ولكنسائر الجِسْم ظلامُ
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة
وَالذي يصلح للمَوْلَى على العبدِ حَرَامُ
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة

وقال ابن نُباتة:

وأَدْهَمَ يستمد الليلُ منهوتطلُع بين عَيْنَيه الثُّرَيَّا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

ثم يُعكَس فيشبَّه النجمُ أو الصبح بالغرّة في الفرس، كقول ابن المعتزّ:

والصُّبح في طُرّة ليلٍ مُسْفِرِكأنه غُرّةُ مُهرٍ أشقرِ

وتُشبَّهُ الجواري في قدودهن بالسَّرْوِ تشبيهاً عامّيّاً مُبْتذَلاً، ثم إنهم قد جعلوا فيه الفَرْعَ أصلاً، فشبّهوا السَّرْوَ بهنّ، كقوله:

حُفَّتْ بسَرْوٍ كالقِيانِ تَلَحفّتْخُضْرَ الحريرِ على قَوَامٍ مُعْتَدِلْ
للشاعر ابن وهب، اقرأ القصيدة
فكأنّها والرِّيحَ حين تُمِيلُهاتَبْغِي التعانُق ثم يَمْنَعُها الخَجَلْ
للشاعر ابن وهب، اقرأ القصيدة

والمقصود من البيت الأول ظاهرٌ، وفي البيت الثاني تشبيه من جِنس الهيئة المجرَّدة من هيئات الحركة، وفيه تفصيل طريفٌ فاتنٌ، فقد رَاعَى الحركتين حركة التهيُّؤ للدنوّ والعناق، وحركة الرُّجوع إلى أصل الافتراق، وأدَّى ما يكون في الحركة الثانية من سرعةِ زائدةٍ تأديةً تحْسبَ معها السّمعَ بصراً، تبييناً للتشبيه كما هو وتصوُّراً، لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى اعتدالها أسرعُ لا محالة من حركتها في حال خروجها عن مكانها من الاعتدال، وكذلك حركةُ من يُدركه الخجَلُ فيرتدع، أسرعُ أبداً من حركته إذا همَّ بالدنوّ، فإزعاج الخوف والوَجَل أبداً أقوى من إزعاج الرجاء والأمل، فمع الأوّل تمهُّل الاختبار، وسعة الحِوار، ومع الثاني حَفْزُ الاضطرار وسلطان الوُجوب، وأعود إلى الغَرض، ومن تشبيه السَّرو بالنساء قولُ ابن المعتزّ:

ظلِلتُ بمَلْهَى خَيْرِ يومٍ وليلةٍتَدُور علينا الكأسُ في فِتيةٍ زُهْرِ
بكَفِّ غزالٍ ذي عِذارٍ وطُرّةٍوصُدْغَين كالقَافَيْن في طَرَفَيْ سَطْرِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ظللت بنعمى خير يوم وليلة»
لَدَى نرجسٍ غَضٍّ وسَرْوٍ كأنهقُدودُ جَوارٍ مِلْنَ في أُزُرٍ خُضْرِ

وتُشَبَّهُ ثُدِيُّ الكواعب بالرُمّان كقوله:

وَبِمَا تَبِيتُ أَنَاملييَجْنِينَ رُمّانَ النُّحورِ

وقولِ المتنبي:

وقابَلني رُمَّانتا غُصنِ بانةٍيَمِيل به بدرٌ ويُمسكه حِقْفُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لجنية أم غادة رفع السجف»

وقوله:

يخطّن بِالعيدان في كُلِّ منزلٍوَيَخْبَأْنَ رُمَّان الثُّدِيِّ النواهِد

ثم يُقلَب فيُشبَّه الرّمان بالثُدِيّ، كقول:

ورُمّانةٍ شَبَّهتُها إذ رأيتُهابثَدْيِ كَعابٍ أو بحُقّةِ مَرْمرِ
للشاعر ابن شاه، اقرأ القصيدة

مُنمنَمةٍ صفراءَ نُضِّد حولها يواقيتُ حُمْرٌ في مُلاءٍ مُعصْفَرِ

وتُشبَّه الجداول والأنهار بالسيوف، يراد بياض الماء الصَّافي وبصيصُه، مع شكل الاستطالة الذي هو شكل السيف، كقول ابن المعتز:

أعددتُ للجارِ وللعُفاةكُومَ الأعالي مُتَسامياتِ

رَوازِقاً في المَحْلِ مُطعِمَاتِ

يعني نخلاً، ثم قال بعد أبيات:

تُسقَى بأنْهارٍ مُفَجَّراتِعلى حَصَى الكافورِ فَائضاتِ
بَرِيئَةِ الصَّفْوِ من القَذَاةِمثلِ السُّيوفِ المتعرِّياتِ

ابن بابك:

فما سَيلٌ تُخلّصهُ المَحَانيكما سُلَّت من الخِلَلِ المناصِلْ

أبو فراس:

والماءُ يفصِل بين زَهْرِ الرَّوْض في الشَطَّين فَصْلاَ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «قف في رسوم المستجا»
كَبِساطِ وَشْي جَرَّدتأيدي القُيُونِ عليه نَصْلاَ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «قف في رسوم المستجا»

كشاجم:

وتَرَى الجداوِل كالسُّيوفِ لَها سَوَاقٍ كالمباردْ
للشاعر كشاجم، من قصيدة «عادات طيفك أن يعاود»

آخر:

وفي الجداول أسيافٌ مُحَادَثَةٌوالطير تَسْجع أهْزاجاً وأرمالاَ

وقال ذو الرمّة:

فما انشقَّ ضَوْءُ الصبح حتى تَبيَّنتجَداولُ أمثالُ السُّيُوف القواطِعِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا عوجة»

ابن الرومي:

عَلى حِفافَيْ جَدْولٍ مَسجورِأبيضَ مثلِ المُهْرَقِ المنشورِ

أو مثلِ متن الصارم المشهور

ثم يَقْلبونَ أحدَ طرفي التشبيه على الآخر، فيشبّهون السيوفَ بالجداول، كقوله:

وتخالُ ما ضربوا بهنّ جداولاًوتَخَال ما طَعَنُوا به أَشْطَانَا

ابن بابك:

وأُهدِي إلى الغارات عَزْماً مشيَّعاًوبأساً وباعاً في اللِّقاءِ ومِقْصَلا
سَفِيهَ مَقَطِّ الطُرَّتين أَشيمهُفيُوحي إلى الأعضاء أن تَتَزيَّلاَ
أغَرَّ كأني حين أَخْضِبُ حَدَّهخرقتُ به في مُلْتَقَى الرَّوض جَدْوَل

اَ

السرّى:

وكم خَرَقَ الحجابَ إلى مَقَامٍتَوارَى الشمسُ فيه بالحجابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «تناهى فاطمأن إلى العتاب»
كأنّ سُيوفَه بين العَواليجَداولُ يطَّرِدْنَ خِلالَ غابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «تناهى فاطمأن إلى العتاب»

وله أيضاً:

كأنّ سيوف الهِندِ بين رِماحهجداولُ في غابٍ سَمَا فتأشَّبا

وتُشبَّه الأسنّة، كما لا يخفى، بالنجوم، كما قال:

وأَسِنَّةً زُرقاً تُخالُ نجومَا

وقال البحتري:

وتراه في ظُلَم الوَغَى فتخالُهقَمراً يكُرُّ على الرِّجال بكَوْكَبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «رحلوا فأية عبرة لم تسكب»

يعني السنان، وقال ابن المُعتزّ:

وَتَراه يُصغِي في القناة بكَفِّهنَجْماً ونجماً في القناة يَجُرُّه
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «طال الفراق فبان عنه صبره»

ومثله سواءً قوله:

كأنما الحرْبةُ في كفِّهنجمُ دُجَى شيَّعه البَدْرُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لا تَلْحَني، إنْ عَزّني الصّبْرُ»

ثم قد شبّهوا الكواكب بالسِّنان، كقول الصنوبري:

بشَّر بالصُّبح كوكبُ الصُّبحِفاضَ وجِنْحُ الدُّجَى كَلا جِنْحِ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
فَهْوَ على الفَجْرِ كالسِّنان هَوَىللعين لمَّا هَوَى على رُمْحِ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

ابن المعتزّ:

شرِبتُها والديكُ لم يَنْتَبِهْسَكْرَانُ مِن نَوْمَتِهِ طافحُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «شربتها والديك لم ينتبه»
ولاَحت الشِّعرى وجَوْزَاؤهاكمثل زُجٍّ جَرَّهُ رامحُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «شربتها والديك لم ينتبه»

وهذه إن أردت الحقَّ، قضيّةٌ قد سبقت وقَدُمت، فقد قالوا: المسك الرامح، على معنى أن كوكباً يتقدّمه وهو رمحه، ولا شكّْ أن جُلّ الغرض في جعل ذلك الكوكب رمحاً أن يقدّروه سناناً، فالرمح رُمْحٌ بالسنان، وإذا لم يكن السنان فهو قناة، ولذلك قال:

ورمحاً طويلَ القَناةِ عَسُولاً

ومن ذلك أن الدموع تُشبَّه إذا قَطَرت على خدود النساء

بالطَّلّ والقَطْر على ما يُشْبِهُ الخدودَ من الرياحين، كقول الناشئ:

بَكَتْ للفراق وقَد رَاعَهابُكَاءُ الحبيب لبُعْدِ الدِّيارِ
كأنَّ الدُّموعَ على خدّهابقيّةُ طَلٍّ على جُلّنارِ
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

وشبيه به قول ابن الرومي:

لو كنتَ يوم الوَداع حاضرَناوهُنَّ يُطِفئْن غُلّةَ الوجدِ
لم ترَ إلا الدموعَ ساكبةًتَقْطُر من مُقْلةٍ على خدِّ
كأنَّ تلك الدموعَ قَطْرُ نَدًىيقطُر من نَرْجِس على وَرْدِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما يوم بين الحبيب بالسعد»

ثم يُعكَس، كقول البحتري:

شقائقُ يَحْمِلن النَدَى فكأنَّهدُمُوع التصابي في خُدود الخَرائِد
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»

وشبيهٌ به قولُ ابن المعتزّ، وبعد قوله في النرجس:

كأن عيون النرجس الغضِّ حولهامداهنُ دُرٍّ حشْوُهنّ عقيقُ
إذا بلَّهُنّ القَطْرُ خِلْتُ دُمُوعَهابُكاءَ عُيونٍ كُحْلُهنَّ خَلُوقُ

وفي فنّ آخر منه خارجٍ عن جنس ما مضى، يُشِّبه الشيخ إذا أفناه الهَرَم، وحناه القِدَم، حتى يدخل رأسه في منكبيه بالفرخ كما قال:

ثلاثُ مِئِينَ قَدْ مَضَيْنَ كواملاًوَهَا أنَا هذا أَرتجي مرَّ أربعِ
فأصبحتُ مِثْلَ الفَرْخِ في العُشِّ ثاوياًإذا رَام تَطْيَاراً يقالُ له قَعِ

وهو كثير، ثم يُعكس فيُشبَّه بالشيخ، كما قال أبو نواس يرثى خَلَفاً الأحمر:

لو كان حَيٌّ وَائلاً من التَّلَفْلَوألَتْ شَغْوَاءُ في أَعلَى شَعَفْ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لو كان حي وائلا من التلف»
أمُّ فُرَيخٍ أَحرزَتْه في لَجَفْمُزَغَّبِ الأَلغادِ لم يأكُل بكَفّ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لو كان حي وائلا من التلف»

كأنه مُسْتَقْعَدٌ من الخَرَفْ

وأعاده في قصيدة أخرى في مرثيته أيضاً:

لاَ تَئِلُ العُصْمُ في الهِضابِ ولاشَغْواءُ تَغْذُو فَرْخَينِ في لَجَفِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لا تئل العصم في الهضاب ولا»
تَحْنُو بجُؤْشُوشها على ضَرِمٍكقِعدة المُنْحَنى من الخَرفِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لا تئل العصم في الهضاب ولا»

ويُشبَّه الظَّليم في حركة جناحيه، مع إرسالٍ لهما، بالخِباء المُقوَّض، أنشد أبو العباس لعلقمة:

صَعْلٌ كأنّ جناحَيه وجُؤجُؤَهبيتٌ أطافت به خَرْقاءُ مهجومُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

اشترط أن تتعاطى تقويضَه خَرْقاءُ، ليكون أشدَّ لتفاوت حركاته، وخروجِ اضطرابه عن الوزن، وقال ذو الرمة:

وبَيْضٍ رفعنا بالضُّحَى عَنْ مُتُونهاسَماوةَ جَوْنٍ كالخِبَاء المُقوَّضِ
هَجُومٍ عَلَيها نفسَهُ غَيْرَ أَنّهمتى يُرْمَ فِي عينيه بالشَّبْحِ يَنْهَضِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وبيض رفعنا عن متونها»

قالوا في تفسيره: يعني بالبيض بَيضَ النعام، ورَفَعنا، أي: أثرنا عن ظهورها، وسَمَاوة جون أي: شخص نَعام جون، وسماوة الشيء، شخصه، والجون الأسود هاهنا، لأنه قابل بين البياض والسواد، ثم شبّه النَّعام في حال إثارته عن البَيض بالخباء المقوَّض، وهو الذي نُزعت أطنابه للتحويل، والبيت الثاني من أبيات الكِتاب، أنشده شاهداً على إعمال فَعول عملَ الفعل، وذلك قوله هَجومٍ عليها نَفْسَهُ، فنفسُه منصوب بهَجوم، على أنه من هَجم متعدّياً نحو هجم عليها نفسه، أي طرحها عليها، كأنه أراد أن يصف الظَّليمَ في خوفه بأمرين متضادّين، بأن يبالغ في الانكباب على البَيض

فِعْلَ مَن شأنُهُ اللزوم والثبات وأن يُثيره عنها الشيءَ اليسير، نحوُ أن يقع بصرُه على الشخص من بُعدٍ، فِعْلَ مَنْ كان مستوفِزاً في مكانه غير مطمئنّ ولا موطِّن نفْسَهُ على السُّكون، وقوله: يُرْمَ في عينيه بالشَّبْحِ، كلام ليس لحسنه نهاية. وقد قال ابن المعتزّ فعكس هذا التشبيه، فشبّه حَرَكة الخباء بالطائر، إلا أنه رَاعَى أن يكون هناك صفةٌ مخصوصةٌ، فشَرَطَ في الطائر أن يكون مقصوصاً، وذلك قوله:

ورفعنا خباءَنا تَضْربُ الريحُ حَشَاهُ كالجادِفِ المَقْصُوصِ

وأخرجه إلى هذا الشرط أنه أراد حَركة خِباءٍ ثابتٍ غير مُقوَّض، إلا أن الريحَ تقع في جوفه فيتحرك جانباه على تَوَالٍ، كما يفعل المقصوص إذا جدف، وذلك أن يردّ جناحيه إلى خلفه، فحصل له أمران أحدهما أن الموفور الجناح يَبْسُط جناحيه في الأكثر، وذلك إذا صفَّ في طيرانه، فلا يدومُ ضربه بجناحيه، والمقصوص لقصوره عن البسط يُديم ضَرْبهما والثاني تحريكُ الجناحين إلى خلفٍ. وهذا كثير جدّاً، وَتَتَبُّعُه في كل باب ونوعٍ من التشبيه يَشْغَل عن الغرض من هذه الموازنة، وإنما يمتنع هذا القلبُ في طرفي التشبيه، لسبب يعرض في

البين فَيَمْنَعُ منه، ولا يكون من صميم الوصف المشترك بين الشيئين المشبَّهِ أحدُهما بالآخر، فمن ذلك، وهو أقواه فيما أظنُّ، أن يكون بين الشيئين تفاوتٌ شديد في الوصف الذي لأجله تُشبِّه، ثم قصدتَ أن تُلحق الناقصَ منهما بالزائد، مبالغةً ودلالةً على أنه يفضُل أمثاله فيه، بيانُ هذا: أن هاهنا أشياءَ هي أصولٌ في شدة السَّواد كخافية الغراب، والقارِ، ونحو ذلك، فإذا شبّهتَ شيئاً بها كان طلبُ العكس في ذاك عكساً لما يُوجبه العقل ونقضاً للعادة، لأن الواجب أن يُثَبت المشكوك فيه بالقياس على المعروف، لا أن يُتَكلَّف في المعروف تعريفٌ بقياسه على المجهولِ وما ليس بموجود على الحقيقة، فأنت إذا قلت في شيء: هو كخَافِية الغراب، فقد أردت أن تُثبت له سواداً زائداً على ما يُعهَد في جنسه، وأن تصحِّح زيادةً هي مجهولة له، وإذا لم يكن هاهنا ما يزيد على خافية الغراب في السواد، فليت شعري ما الذي تريد من قياسه على غيره فيه، ولهذا المعنى ضَعُف بيت البحتري:

على باب قِنَّسرينَ والليلُ لاطخٌجَوَانبَه من ظُلمةٍ بمدادِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «عذيرك من نأي غدا وبعاد»

وذاك أن المداد ليس من الأشياء التي لا مزيد عليها في السواد، كيف ورُبَّ مِدَادٍ فاقد اللون، والليلُ بالسواد وشدّته أحقّ وأحرى أن يكون مثلاً، ألا ترى إلى ابن الرومي حيث قال السريع:

حِبْرُ أبي حفصٍ لُعَابُ الليلِيَسيلُ للإخوان أيَّ سَيْلِ

فبالغ في وصف الحبر بالسواد حين شبّهه بالليل، وكأن البحتري نظر إلى قول العامّة في الشيء الأسود هو كالنِّقسِ، ثم تركه للقافية إلى المداد، فإن قلت فينبغي على هذا أن لا يجوز تشبيه الصُّبح بغرّة الفرس لأجل أنّ الصبح بالوصف الذي لأجله شُبّه الغرة به أخصُّ، وهو فيه أظهر وأبلغ، والتفاوت بينهما كالتفاوت بين خافية الغراب والقار وبين ما يشبَّه بهما، فالجواب أن الأَمر، وإن كان كذلك، فإنّ تشبيه غُرّةِ الفرس بالصبح حيث ذُكرتْ، لم يقع من جهة المبالغة في وَصفها بالضياء والانبساط وفرط التلألؤ، وإنما قُصد أمرٌ آخر وهو وقوعُ مُنيرٍ في مُظلمٍ، وحصولُ بياضٍ في سوادٍ، ثم البياضُ صغيرٌ قليل بالإضافة إلى السواد، وأنت تجد هذا الشَّبه على هذا الحدّ في الأصل، فإذا عكستَ فقلت كأنّ الصُّبح عند ظهور أوَّله في الليل غُرَّةٌ في فرس أدهم، لم تقع في مناقضة كما أنك لو شبّهت الصُّبْح في الظلام بقَلَم بياضٍ على ديباج أسود لم تخرج عن الصواب وعلى نحو من ذلك قول ابن المعتز:

فخلتُ الدُّجَى والفَجْرُ قد مدَّ خَيْطَهُرِداءً مُوشّىً بالكواكب مُعْلَمَا

فالعلم في هذا الرداء هو الفجر بلا شبهة، وله، وهو صريح ما أردتُ:

والليلُ كالحُلّة السَّوداءِ لاح بهمن الصَّباح طِرازٌ غيرُ مرقُومِ

وإن كان التفاوت في المقدار بين الصُّبح والطِّراز في الامتداد والانبساط شديداً، وكذلك تشبيه الشَّمس بالمرآة المجلوَّة، وبالدينار الخارج من السِّكّة، كما قال ابن المعتزّ:

وكأنّ الشَّمسَ المُنيرةَ دِينارٌ جَلَته حَدَائدٌ الضُّرَّابِ

حَسَنٌ مقبول، وإن عظُم التفاوتُ بين نُورِ الشمس ونور المرآة والدِّينارِ أو الجِرْم والجرم، لأنك لم تضع التشبيه على مجرَّد النُّور والائتلاق، وإنما قصدت إلى مستديرٍ يتلألأ ويلمع، ثم خصوصٍ في جنس اللون يوجد في المرآة المجلوَّة والدينار المُتَخلِّص من حَمْيِ السِّكّة، كما يوجد في الشمس، فأما مقدار النور، وأنه زائد أو ناقص ومتناهٍ، أو متقاصر، والجِرمُ أعظِيمٌ هو أم صغير؛ فلم تتعَرَّض له، ويستقيم لك العكس في هذا كله، نحوُ أن تشبّه المرآة بالشمس، وكذلك لو قلت في الدينار كأنه شمس، أو قلت كأن الدنانير المنثورة شموسٌ صغار لم تتعدَّ، وجملةُ القول أنه متى لم يُقصَد ضَرْبٌ من المبالغة في إثبات الصفة للشيء، والقصدِ إلى إيهامٍ في الناقص أنه كالزائد، واقتُصِر على الجمع بين الشيئين في مطلق الصورة والشكل واللون، أو جمعِ وصفين على وجهٍ يوجد في الفَرْع على حدّه أو قريبٍ منه في الأصل، فإنّ العكسَ يستقيم في التشبيه، ومتى أُرِيد شيء من ذلك لم يستقم،.

وقد يَقصِدُ الشاعر، على عادة التخييل، أنْ يُوهِم في الشيء هو قاصرٌ عن نظيره في الصفة أنه زائد عليه في استحقاقها، واستيجابِ أن يُجعَل أصلاً فيها، فيصحُّ على موجَب دعواه وسَرَفه أن يجعل الفرعَ أصلاً، وإن كُنّا إذا رجعنا إلى التحقيق، لم نجد الأمرَ يستقيم على ظاهر ما يضع اللفظ عليه، ومثاله قول محمد بن وُهيب:

وبَدَا الصَّباحُ كأنّ غُرَّتَهُوَجْهُ الخليفةِ حِين يُمتدَحُ
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

فهذا على أنه جعل وَجْه الخليفة كأنه أعرفُ وأشهرُ وأتمُّ وأكملُ في النور والضياء من الصَّباح، فاستقام له بحكم هذه النِّيَّة أن يجعل الصباحَ فرعاً، ووجهَ الخليفة أصلاَ. واعلم أن هذه الدعوى وإن كنت تراها تُشبه قولَهم لا يُدرَى أوَجْهُه أَنورُ أم الصُّبح، وغُرَّته أضوأُ أم البدر، وقولَهم إذا أفرطوا نور الصباح يَخْفَى في ضوء وجهه، أو نور الشمس مسروقٌ من جبينه، وما جرى في هذا الأسلوب من وُجوه الإغراق والمبالغة فإن في الطريقةِ الأولى خِلاَبةً وشيئاً من السحر، وهو أنه كأنه يستكثِر للصَّباح أن يُشَبَّه بوجه الخليفة، ويوهم أنه قد احتشَد له، واجتهد في طلب تشبيه يُفخِّمُ به أمره، وجِهَتُه الساحرة أنه يُوقع المبالغةَ في نفسك من حيث لا تشعر، ويُفيدُكَهَا من غير أن يظهر ادِّعاؤه لها، لأنه وضع كلامَه وَضْعَ مَنْ يقيس على أصل متَّفَقٍ عليه، ويُزَجِّي الخبر عن أمرٍ مسلَّم لا حاجة فيه إلى دعوى ولا إشفاقَ من خلاف مخالفٍ وإنكار منكرٍ، وتجهُّمِ معترضٍ، وتهكُّم قائِلٍ: لِمَ؟، ومن أين لك ذلك؟، والمعاني إذا

وردت على النَّفس هذا الموردَ، كان لها ضربٌ من السُّرور خاصٌّ وحَدَث بها من الفَرح عجيبٌ، فكانت كالنعمةِ لم تُكدرها المِنَّة، والصَّنيعةِ لم يُنَغِّصها اعتداد المُصْطَنِع لها، وفي هذا الموضع شبيهٌ بالنكتة التي ذكرتها في التجنيس، لأنك في الموضعين تنال الربحَ في صورة رأس المال، وترى الفائدة قد ملأت يدك من حيث حَسِبْتَها قد جازتْك وأخلَتْك، وتَجِد على الجملة الوجودَ من حيث توهمَّت العدمَ، ولطيفةٌ أخرى، وهو أن من شأن المدح إذا ورد على العاقل أن يَقِفَه بين أمرين يصعب الجمع بينهما وتوفية حقَّهما: معرفةِ حقّ المادحِ على ما احتشد له من تزيينه، وقصِده من تفخيم شأنه في عيون الناس بالإصغاء إليه والارتياح له، والدِّلالة بالبشر والطلاقة على حُسن موقعه عنده ومَلْكِ النفس حتى لا يغلبها السرور عليه، ويخرج بها إلى العُجْب المذموم وإلى أن يقول: أنا، فيقعَ في ضَعَة الكِبْر من حيث لا يشعُر، ويَظهر عليه من أَمارته ما يُذَمُّ لأجله ويُحَقَّر، فما كُبر أحد في نفسه إلاّ غان الكِبْرُ عَلى عقله، وفَسخَ عُقْدةً من حلمه، وهذا موقفٌ تزلُّ فيه الأقدام، بل تخِفَّ عندهُ الحلوم، حتى لا يسلم من خُدَع النفس هناك إلا أَفرادُ الرجال، وإلا مَنْ أدام التوفيقُ صُحْبتَه، ومن أين

ذلك وأنَّى فإذا كان المدح على صورة قوله وجه الخليفة حين يمتدح، خَفَّ عنه الشطرُ من تكاليف هذه الخصلة، وإذ قد تبيّن كيف يكون جعلُ الَفرْع أصلاً، والأصْلِ فرعاً فالتشبيه الصريح، فارجعْ إلى التمثيل، وانظر هل تجيء فيه هذه الطريقة على هذه السَّعة والقوة؟ ثم تأمَّل ما حُمل من التمثيل عليها كيف حكمه وهل هو مُسَاوٍ لما رأيتَ في التشبيه الصريح، وحاذٍ حَذوَه على التحقيق، أم الحال على خلاف ذلك، والمثال فيما جاد من التمثيل مردوداً فيه الفرعُ إلى موضع الأصل، والأصل إلى محلِّ الفرع، قوله:

وكأنّ النُّجومَ بين دُجَاهسُنَنٌ لاحَ بَيْنَهنَّ ابتداعُ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وذلك أن تشبيه السُّنن بالنجوم، تمثيلٌ، والشبه عقليٌّ، وكذلك تشبيه خِلافِها من البِدْعة والضلالةِ بالظُّلمة، ثم إنه عكس فشبّه النجم بالسُّنن، كما يُفعَل فيما مضى من المشاهدات، إلا أنَّا نعلم أنه لا يجري مَجْرَى قولنا كأن النجوم مصابيح تارةً وكأن المصابيح نجوم أخرى، ولا مجرى قولك: كأنّ السيوف بُروق تَنْعَقّ، وكأنّ البروق سيوف تُسلُّ من أغمادها فَتَبْرُق، ونظائر ذلك مما مضى، وذلك أن الوصف هناك لا يختلف من حيث الجنس والحقيقة، وتجدُه العينُ في الموضعين، وليس هو في هذا مشاهداً محسوساً، وفي الآخر معقولاً متصوَّراً بالقلب ممتنعاً فيه الإحساس، فأنت تجد

في السيوف لَمَعَاناً على هيئة مخصوصة من الاستطالة وسرعة الحركة، تجده بعينه أو قريباً منه في البُروق، وكذلك تجد في المَدَاهن من الدُرّ حَشْوُهن عَقيقُ، من الشكل واللون والصورة ما تجده في النرجس، حتى يُتصوَّر أن يشتبه الحال في الشيء من ذلك، فيُظَنّ أن أحدَهما الآخرُ فلو أن رجلاً رأى من بعيد بريقَ سيوف تُنْتضَى من الغُمود، لم يَبْعُد أن يغلَطَ فيحسب أن بروقاً انعقَّت، وما لم يقع فيه الغلط كان حاله قريباً مما يجوز وقوع الغلط فيه، ومحالٌ أن يكون الأمر كذلك في التمثيل، لأن السُنَن ليست بشيء يتراءَى في العين فيشتبهَ بالنجوم، ولا ههنا وصفٌ من الأوْصاف المشاهَدة يجمع السنن والنجوم، وإنّما يُقصد بالتشبيه في هذا الضرب ما تقدّم من الأحكام المتأوَّلة من طريق المقتضَى، فلمَّا كانت الضلالة والبدعة وكل ما هو جهلٌ، تجعل صاحبَها في حكم من يمشي في الظُّلمة فلا يهتدي إلى الطريق، ولا يفصل الشيءَ من غيره حتى يتردَّى في مَهْواةٍ، ويعثُرَ على عدوّ قاتلٍ وآفةٍ مهلكة، لَزِم من ذلك أن تُشبَّه بالظلمة، ولزم على عكس ذلك أن تشبَّه السُّنَّةُ والهُدَى والشريعةُ وكلُّ ما هو عِلْمٌ بالنُّور. وإذا كان الأمر كذلك، علمتَ أن طريقة العكس لا تجيء في التمثيل على حدّها في التشبيه الصريح، وأنها إذا سُلِكَت فيه كان مبنيّاً على ضرب من التأوّل والتخيُّل يخرج عن الظاهر خروجاً ظاهراً، ويبعُدُ عنه بُعداً شديداً. فالتأويل في البيت أنه لما شاع وتُعُورف وشُهِر وصفُ السُنّة

ونحوها بالبياض والإشراق، والبِدعة بخلاف ذلك، كما قال النبي ﷺ: " أتيتكم بالحنيفيّة البَيْضَاء ليلُها كنهارِها "، وقيل هذه حُجَّة بيضاء، وقيل للشبهة وكل ما ليس بحق إنه مُظْلم، وقيل سواد الكفر، ووظلمة الجهل، يُخيَّل أن السنن كلها جنسٌ من الأجناس التي لها إشراقٌ ونورٌ وابْيِضاض في العين، وأن البدعة نوع من الأنواع التي لها فَضْلُ اختصاصٍ بسواد اللون، فصار تشبيهه النُّجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، على قياس تشبيههم النجوم في الظلام ببياض الشيب في سواد الشباب، أو بالأنوار وائتلاقها بين النَّبات الشديد الخضرة، فهذا كلَّه هاهنا، كأنه ينظر إلى طريقة قوله: " وبَدا الصباح كأنّ غُرّته " في بناء التشبيه على تأويل هو غير الظاهر، إلا أنّ التأويل هناك أنه جعل في وجه الخليفة زيادةً من النور والضياء يبلغُ بها حالَ الصباح أو يزيد والتأويل هاهنا أنه خَيَّل ما ليس بمتلوِّن كأنه متلوِّن، ثم بنى على ذلك. ومن هذا الباب قول الآخر:

ولقد ذكرتُكِ والظَّلامُ كأنهيَومُ النَّوَى وفُؤَادُ من لم يعشَقِ

لما كانت الأوقات التي تحدث فيها المكارهُ توصف بالسواد فيقال اسوَدَّ النهار في عيني، وأظْلمت الدنيَا عليَّ، جعل يوم النوى كأنه أعرفُ وأشهر بالسواد من الظلام، فشبَّه به، ثم عطف عليه فؤاد من لم يعشق،

تظرُّفاً وإتماماً للصنعة، وذلك أن الغَزِل يدَّعي القَسْوة على من لم يعرف العشقَ، والقلبُ القاسي يُوصف بشدّةِ السواد، فصار هذا القلب عنده أصلاً في الكُدرة والسواد فقاس عليه، وعلى ذلك قول العامّة ليلٌ كقلب المنافق أو الكافر، إلا أنّ في هذا شَوْباً من الحقيقة، من حيث يُتصوَّر في القلب أصل السواد، ثم يُدَّعَى الإفراط، ولا يُدَّعى في البدعة نفسُ السواد، لأنها ليس مما يتلوّن، لأن اللون من صفات الجسم، فالذي يساويه في الشبه المساواةَ التامّة قولهم أظلمُ من الكفر، كما قال ابن العميد في كتاب يُدَاعبُ فيه، ويُظهر التظلّم من هلال الصوم ويدعو على القمر فقال " وأرغب إلى اللهَ تعالى في أن يقرِّب على القمر دَوْرَه، وينقص مسافة فَلَكه "، ثم قال بعد فصل " ويُسمعني النُّعرة في قَفَا شهر رمضان، ويعرض عليَّ هلاله أخفى من السحر وأظلم من الكفر ".

وإن تأوّلت في قوله: " سُنَنٌ لاح بينهنَّ ابتداعُ " أنه أراد معنى قولهم إن سوادَ الظلام يزيد النجوم حُسناً وبهاءً، كان له مذهبٌ، وذلك أنه لما كان وقوفُ العاقل على بطلان الباطل، واطّلاعُه على عَوَار البدعة، وخَرْقُه الستر عن فضيحة الشُّبهة، يزيد الحق نُبلاً في نفسه، وحُسناً في مرآة عقله، جعل هذا الأصل من المعقول مثالاً للمُشاهدَ المُبصَرِ هناك، إلا أنه على ذلك لا يخرج من أن يكون خارجاً عن الظاهر، لأن الظاهر أَن يُمثَّل المعقولُ في ذلك بالمحسوس، كما فعل البحتري في قوله:

وقد زَادَها إِفراطُ حُسنٍ جِوارُهاخلائقَ أصْفارٍ من المجد خُيَّبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بنا أنت من مفجوة لم تعتب»
وحُسْنُ دراريّ النجوم بأن تُرَىطوالعَ في داجٍ من اللَّيل غَيْهَبِ

فبكَ مع هذا الوجه حاجةٌ إلى مثل مَا مَضى من تنزيل السُّنّة والبدعة منزلَة ما يَقْبَل اللون، ويكون له في رَأْيِ العين مَنظرُ المُشرِق المتبسّم، والأسْودِ الأَقتم، حتى يُرَاد أنّ لَوْنَ هذا يزيد في بريق ذاك وبهائه وحسنه وجماله، وفي القطعة التي هذا البيت منها غيرُها مما مَذْهبُه المذهب الأول، وهو:

رُبَّ لَيْلٍ قَطعتُه كصُدُودٍأو فراقٍ مَا كَان فيه وَداعُ
مُوحشٍ كالثَّقيل تقذَى به العينُ وتَأبَى حَدِيثَهُ الأسماعُ

وكأنّ النجومَ البيت، وبعده:

مُشرِقاتٌ كأنَّهنَّ حِجاجٌيَقْطَع الخَصْمَ والظَّلامَ انقطاعُ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

ومما حقُّه أن يُعَدَّ في هذا الباب قولُ القائل:

كأنَّ انتضاءَ البَدْرِ من تحت غَيْمةٍنَجَاءٌ من البأساءِ بعد وُقوعِ

وذلك أن العادة أن يُشبَّه المتخلص من البأساء بالبدرِ الذي ينحسر عنه الغمام، والشَّبه بين البأساء والغمام والظلماء من طريق العقل، لا من طريق الحسّ. وأوضح منه في هذا قول ابن طباطبا:

صَحوٌ وغَيْمٌ وضِياءٌ وظُلَمْمثل سُرورٍ شابَه عارضُ غَمّ

ومن جيّد ما يقَع في هذا الباب قولُ التنوخيّ في قطعة، وهي قوله:

أما ترى البردَ قد وَافَت عساكرُهوعسكرُ الحرِّ كيف انصاعَ مُنْطلقَا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فالأرضُ تحت ضَرِيب الثلج تَحْسِبُهاقد أُلبست حُبُكاً أو غُشِّيت وَرِقَا
فانهضْ بنارٍ إلى فحْمٍ كأنهمافي العين ظُلْمٌ وإنصافٌ قد اتَّفقَا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
جاءت ونحن كقلب الصَّبِّ حين سلابرداً فصِرْنَا كقلب الصبّ إذْ عَشِقَا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

المقصود فانهض بنار إلى فحم، فإنه لما كان في الحق: إنّه منير واضح لائح، فتستعار له أوصاف الأجسام المنيرة، وفي الظلم خلافُ ذلك، تخيّلَهُما شيئين لهما ابيضاضٌ واسودادٌ، ووإنارةٌ وإظلامٌ، فشبّه النَّارَ والفحم بهما. ومن الباب قول ابن بابك:

وأرضٍ كأَخلاق الكريم قَطَعْتُهاوقد كَحَلَ الليلُ السِّماكَ فأَبصَرا

لما كانت الأخلاق توصف بالسعة والضيق، وكثر ذلك واستمرّ، تَوهَّمه حقيقةً، فقابَلَ بين سعة الأرض التي هي سعة حقيقية وأخلاق الكريم.

ومثله قول أبي طالب المأموني:

وفَلا كآمالٍ يَضِيقُ بها الفَتَىلاَ تصْدُقُ الأوهامُ فيها قِيلا
أَقريتُها بشِمِلَّةٍ تَقْرِى الفلاعَنَقاً وتَقْرِيها الفلاةُ نُحولاَ

قاسَ الفلا في السعة وهي حقيقة فيها، على الآمال، وهي إذا وُصفت بالسعة كان مجازاً بلا شبهة، ولكن لما كان يقال آمالٌ طِوالٍ ووآمالٌ لا نهاية لها وواتسعت آماله، وأشباه ذلك، صارت هذه الأوصاف كأنها موجودةٌ فيها من طريق الحسّ والعيان. وعلى ذكر الأمل، فمن لطيف ما جاء في التشبيه به على هذا الحدّ، إن لم يكن في معنى السعة والامتداد، ولكن في الظُّلمة والاسوداد، قول ابن طباطبا:

رُبّ ليلٍ كَأنَّه أَمَلي فِيكَ وقد رُحْتُ عنك بالحِرمانِ
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
جُبْتُه والنُّجوم تَنْعسُ في الأُفْقِ ويَطرِفْنَ كالعيون الرَّواني
هارباً من ظلام فِعلك بي نحوَضياءِ الفَتَى الأغرّ الهِجانِ

لما كان يقال في الأمر لا يُرجَى له نجاح قد أظلم علينا هذا الأمر، وهذا أمر فيه ظلمة، ثم أراد أن يبالغ في التباس وجه النُّجح عليه في أمله، تخيَّل كأنّ أمله شخصٌ شديد السواد فقاس ليله به، كأنه يقول تفكّرتُ فيما أعلمه من الأشياء السود، فرأيتُ صورةَ أَمَلي فيك زائدةً على جميعها في شدّة السَّواد، فجعلته قياساً في ظلمة ليلي الذي جُبْته. ومن الباب وهو حَسَنٌ، قولُ ابن المعتز:

لاَ تَخْلِطوا الدُّوشابَ في قَدَحٍبصَفَاءِ ماءٍ طيّبِ البَرْدِ
لا تجمعُوا بِاللَّه ويَحْكُمغِلَظَ الوَعيدِ ورِقّةَ الوَعْدِ

لما كان يقال أغلظ له القول، ويوصف الجافي وكل من أَساء وقال ما يُكْرَهُ بالغِلَظ، ويوصَف كلامُ المحسن ومن يَعْمِد إلى الجميل باللطافة، جَعَل الوَعيد والوعد أصلاً في الصفتين، وقاس عليهما. فأما قول الآخر:

شَرِبْتُ على سَلامةِ أفْتكينِشَراباً صَفْوُه صَفْوُ اليقينِ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «شربت على سلامة أفتكين»

فهو على الحقيقة لا يدخل في تشبيه الحقيقة بالمجاز، لأن الصفاء خُلوص الشيء وخلوّه من شيء يغيّره عن صفته، إلا أنه من حيث يقع في الأكثر لِمَا له بَرِيقٌ وبَصِيصٌ، كان كأنه حقيقةٌ في المحسوسات، ومجازٌ في المعقولات. وأما قولهم هواءٌ أرقُّ من تشاكي الأحباب، فمن

الباب، لأن الرقّة في الهواء حقيقة وفي التشاكي مجاز، وهكذا قول أبي نواس في خلاعته: " حَتَّى هِيَ في رِقّة دِينِي " لأن الرقَّة من صفات الأجسام، فهي في الدِّين مجاز: ومما كأنه يدخل في هذا الجنس قولُ المتنبي:

يترشَّفْنَ من فَمِي رَشَفاتٍهُنَّ فيهِ أَحْلَى من التَّوحيدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

والنفس تنبو عن زيادة القولِ عليه، وقد اقتدى به بعض المتأخرين في هذه الإساءة فقال:

سواد صُدْغَين من كفرٍ يُقابلهبياض خدَّين من عَدْلٍ وتوحيدِ

وأبعدُ ما يكون الشاعر من التوفيق، إذا دعته شهوة الإغراب إلى أن يستعير للهزل والعَبث من الجِدِّ، ويتغزل بهذا الجنس. ومما هو حسنٌ جميل من هذا الباب، قول الصاحب كَتَبَ به إلى القاضي أبي الحسن رُوي عن القاضي أنه قال انصرفت عن دار الصاحب قُبيل العيد، فجاءني رسوله بعطر الفطر، ومعه رُقْعة فيها هذان البيتان:

يَا أيُّها القاضي الذي نفسى لَهُمَعَ قُرْب عهد لِقائه مُشتاقَهْ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يا أيها القاضي الذي نفسي له»
أهديتُ عِطراً مثلَ طِيب ثَنائهفكأنما أُهدِي له أَخلاقَهْ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يا أيها القاضي الذي نفسي له»

وكَوْنُ هذا التشبيه مما نحن فيه من أوضح ما يكون، فليس بخافٍ أنَّ العادة أن يشبَّه الثَّناء بالعطر ونحوه ويُشتقّ منه، وقد عَكَس كما ترى، وذلك على ادِّعاء أن ثناءه أحقُّ بصفة العطر وطيبه من العطر وأخصُّ به، وأنه قد صار أصلاً حتى إذا قيس نوعٌ من العطر عليه، فقد بُولغ في صفته بالطيب، وجُعِل له في الشرف والفضل على جنسه أوفرُ نصيب، إذ قد عرفتَ الطريقة في جعل الرفع أصلاً في التمثيل فارجع وقابلْ بينه وبين التشبيه الظاهر، تَعْلَمْ أن حاله في الحقيقة مخالفةٌ للحال ثَمَّ، وذلك أنك لا تحتاج في تشبيه البرق بالسيوف والسيوف بالبرق إلى تأويل أكثر من أنَّ العين تؤدّي إليك من حيث الشكل واللون وكيفية اللمعان، صورةً خاصّةً تجدها في كل واحد من الشيئين على الحقيقة، ولا يُمكننا أن نقول إن الثريا شُبّهت باللجام المفضَّض، وبعنقود الكرم المنوّر، وبالوشاح المفصَّل، لتأويل كذا، بل ليس بأكثر من أنّ أَنْجُم الثريا لونها لون الفِضَّة، ثم إن أجْرَامها في الصِغَر قريبة من تلك الأطراف المركَّبة على سُيُور اللِّجام، ثم إنها في الاجتماع والافتراق، على مقدارٍ قريبٍ من مواقع تلك الأطراف وكذا القول في: العنقود، فإن تلك الأنوار مشاكلةٌ لها في البياض، وفي أنها ليست متضامّة تضامَّ التلاصق، ولا هي شديدة التباين، حتى يبعد الفصل بين بعضها وبعض بل مقاديرها في القرب والبعد على صفةٍ قريبةٍ مما يتراءى في العين من مواقع تلك الأنجم.

وإذا كان مَدارُ الأمر على أن العين تصف من هذا ما تصف من ذاك، لم يكن تشبيه اللجام المفضّض بالثريا إلا كتشبيه الثريا به، والحكم على أحدهما بأنه فرغٌ أو أصلٌ، يتعلق بقصد المتكلم، فما بدأ به في الذكر فقد جعله فرعاً وجعل الآخر أصلاً، وليس كذلك قولنا له خُلق كالمسك، وهو في دُنوّه بعطائه، وبُعده بعزّه وعلائه، كالبدر في ارتفاعه، مع نزول شُعاعه، لأن كون الخُلق فرعاً والمِسك أصلاً، أمرٌ واجب من حيث كان المعلوم من طريق الإحساس والعيان متقدماً على المعلوم من طريق الروِيَّة وهاجس الفكر. وحُكْم هذا في أنّ الفرع لا يخرج عن كونه فَرْعاً على الحقيقة، حكمُ ما طريق التشبيه فيه المبالغةُ من المشاهدات والمحسوسات، كقولك هو كحنك الغراب في السواد، لما هو دونه فيه، وقولك في الشيء من الفواكه مثلاً هو كالعسل، فكما لا يصحّ أن يُعْكَس فيُشبَّه حَنَك الغراب بما هودونه في السواد، والعسلُ بما لا يساويه في صِدق الحلاوة، كذلك لا يصحّ أن تقول هذا مسك كخُلق فلان، إلاّ على ما قدّمت من التخييل، ألا ترى أنه كلامٌ لا يقوله إلاّ مَن يُريد مَدْحَ المذكور؛ فأمَّا أن يكون القصدُ بيان حال المِسْك، على حدِّ قَصْدِك أن تبيّن حالَ الشيء المشبَّه بحنك الغراب

في السواد والمشبَّهِ بالعسل في الحلاوة، فما لا يكون، كيف ولولا سَبْقُ المعرفة من طريق الحسّ بحال المسك، ثم جريان العُرف بما جرى من تشبيه الأخلاق به، واستعارةِ الطِّيب لها منه، لم يُتصوَّر هذا الذي تريد تخييله من أنّا نبالغ في وصف المسك بالطيب بتشبيهنا له بخُلق الممدوح، وعلى ذلك قولهم كأنما سرق المسكُ عَرْفَهُ من خلُقك، والعسلُ حلاوتَه من لفظك، هو مبنيٌّ على العُرف السابق، من تشبيه الخُلق بالمسك واللفظ بالعسل، ولو لم يتقدم ذلك ولم يُتعارف ولم يستقرّ في العادات، لم يُعقَل لهذا النحو من الكلام معنًى، لأنّ كل مبالغة ومجاز فلا بدّ من أن يكون له استنادٌ إلى حقيقة. وإذا ثبتت هذه الفروق والمقابلات بين التشبيه الصريح الواقع في العيان وما يُدركه الحسّ، وبين التمثيل الذي هو تشبيهٌ من طريق العقل والمقاييسِ التي تجمع بين الشيئين في حكمٍ تقتضيه الصِّفةُ المحسوسة لا في نفس الصفة كما بيّنتُ لك في أول قولٍ ابتدأتُه في الفرق بين التشبيه الصريح وبين التمثيل، من أنك تشبّه اللَّفظ بالعَسل على أنك تجمع بينهما في حكمٍ توجبه الحلاوةُ دون الحلاوة نفسها. فهاهنا لطيفةٌ أخرى تعطيك للتمثيل مَثَلاً من طريق المشاهدة، وذلك أنك بالتمثيل في حكم مَن يرى صورةً واحدةً، إلاّ أنه يراها تارة في المرآة، وتارة على ظاهر الأمر، وأما في التشبيه الصريح، فإنك ترى صورتين على الحقيقة، يبيّن ذلك أنّا لو فرضنا أن تزول عن أوهامنا ونفوسنا صُوَرُ الأجسام

من القرب والبعد وغيرهما من الأوصاف الخاصة

بالأشياءِ المحسوسة، لم يمكنّا تخيّلُ شيءٍ من تلك الأوصاف في الأشياء المعقولة، فلا يُتصوَّر مَعنَى كونِ الرجل بعيداً من حيث العزّة والسلطان، قريباً من حيث الجُود والإحسان، حتى يخطر ببالك وتطمح بفكرك إلى صورة البدر وبُعد جِرْمه عنك، وقُرب نوره منك، وليس كذلك الحال في الشيئين يُشبه أحدهما الآخر من جهة اللون والصورة والقدر، فإنك لا تفتقر في معرفة كونِ النَّرجس وخَرْطه واستدارته وتوسُّط أحمره لأبيضه إلى تشبيهه بمَدَاهن عقيق، كيف وهو شيء تعرضه عليك العينُ، وتضعه في قلبك المشاهدة، وإنما يزيدك التشبيهُ صورةً ثانيةً مثل هذه التي معك، ويجتلبها لك من مكان بعيد حتى تراهما معاً وتجدهما جميعاً، وأما في الأول، فإنك لا تجد في الفَرْع نفس ما في الأصل من الصفة وجنسه وحقيقته، ولا يُحضِرك التمثيلُ أوصافَ الأصل على التعيين والتحقيق، وإنما يُخيّل إليك أنه يحضرك ذلك، فإنه يُعطيك من الممدوح بدراً ثانياً، فصار وِزانُ ذلك وزانَ أن المرآة تُخيّل إليك أنّ فيها شخصاً ثانياً صورتُه صورة ما هي مقابِلةٌ له، ومتى ارتفعت المقابلة، ذهب عنك ما كنت تتخيّله، فلا تجد إلى وجوده سبيلاً، ولا تستطيع له تحصيلاً، لا جملةً ولا تفصيلاً. اءِ المحسوسة، لم يمكنّا تخيّلُ شيءٍ من تلك الأوصاف في الأشياء المعقولة، فلا يُتصوَّر مَعنَى كونِ الرجل بعيداً من حيث العزّة والسلطان، قريباً من حيث الجُود والإحسان، حتى يخطر ببالك وتطمح بفكرك إلى صورة البدر وبُعد جِرْمه عنك، وقُرب نوره منك، وليس كذلك الحال في الشيئين يُشبه أحدهما الآخر من جهة اللون والصورة والقدر، فإنك لا تفتقر في معرفة كونِ النَّرجس وخَرْطه واستدارته وتوسُّط أحمره لأبيضه إلى تشبيهه بمَدَاهن عقيق، كيف وهو شيء تعرضه عليك العينُ، وتضعه في قلبك المشاهدة، وإنما يزيدك التشبيهُ صورةً ثانيةً مثل هذه التي معك، ويجتلبها لك من مكان بعيد حتى تراهما معاً وتجدهما جميعاً، وأما في الأول، فإنك لا تجد في الفَرْع نفس ما في الأصل من الصفة وجنسه وحقيقته، ولا يُحضِرك التمثيلُ أوصافَ الأصل على التعيين والتحقيق، وإنما يُخيّل إليك أنه يحضرك ذلك، فإنه يُعطيك من الممدوح بدراً ثانياً، فصار وِزانُ ذلك وزانَ أن المرآة تُخيّل إليك أنّ فيها شخصاً ثانياً صورتُه صورة ما هي مقابِلةٌ له، ومتى ارتفعت المقابلة، ذهب عنك ما كنت تتخيّله، فلا تجد إلى وجوده سبيلاً، ولا تستطيع له تحصيلاً، لا جملةً ولا تفصيلاً.

فصل في

النص من طبعة مطبعة المدني بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف تعليقات المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من التشبيه والتمثيل

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.