تجاوز إلى المحتوى

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)

تفاوت شعر أبي نواس

ولو تأملت شعر أبي نواس حقّ التأمل، ثم وازنت بين انحطاطه وارتفاعه، وعددتَ منفيّه ومختاره، لعظّمتَ من قدْر صاحبنا ما صغّرت، ولأكبرت من شأنه ما استحقرت، ولعلمت أنك لا ترى لقديم ولا محدَث شعراً أعم اختلالاً، وأقبح تفاوتاً، وأبين اضطراباً، وأكثر سفسفة، وأشد سقوطاً من شعره هذا؛ وهو الشيخ المقدّم والإمام المفضّل الذي شهد له خلَف وأبو عبيدة والأصمعي، وفسر ديوانه ابنُ السكيت؛ فهل طمست معايبه محاسنَه؟ وهل نقص رديُّه من قدر جيده؟ وهل ضرّ قوله:

يحميك مما يستسر بفعلهضحكاتُ وجه لا يَريبُك مشرقِ
حتى إذا أمضى عزيمة أمرهأخذت بسَمْعِ عدوِّه والمنطقِ

وقوله:

يا ناقُ لا تسأمي أو تبلُغي ملكاتقبيلُ راحته والركن سيّانِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»
متى تحطّي إليه الرّحْل سالمةًتستجمعي الخلْق في تمثال إنسانِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»

وقوله:

لعمرك ما غاب الأمينُ محمدٌعن الشيء يعْنيه إذا حضر الفضلُ
ولولا مواريثُ الخلافة أنهاله دونه ما كان بينهما فضْلُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لعمرك ما غاب الأمين محمد»
فإن كانت الأحساب فيها تباينٌفقولُهما قولٌ وفعلُهما فعلُ
أرى الفضْل للدنيا وللدين جامعاًكما السهمُ فيه الفوقُ والرّيشُ والنّصْل

وقوله:

إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍفأنتَ كما نُثني وفوق الذي نُثني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ملكت على طير السعادة واليمن»
وإن جرتِ الألفاظُ منّا بمدحةلغيرك إنساناً فأنتَ الذي نعْني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ملكت على طير السعادة واليمن»

وقوله:

لا أذودُ الطّيرَ عن شجَرٍقد بلوت المُرَّ من ثمَرِه
خِفْتُ مأثورَ الحديث غداًوغدٌ دانٍ لمُنتظره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»
خاب مَن أسْرى الى ملِكٍغير معلوم مدَى سفَرِه
فامْضِ لا تمْنُن عليّ يدامنُّكَ المعروف من كدره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»
رُبّ فتيان ربَأتهمُمسقطَ العيّوق من سحَرِه
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»
فاتّقوْا بي ما يَريبهمُإنّ تقوى الشرِّ من حذَره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»

وقوله:

قالوا كبرت فقلت ما كبِرت يديعن أن تخبّ الى فمي بالكاس
وإذا عددت سنيّ كم هي لم أجدْللشيب عذراً في النزول براسي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «كيف النزوع عن الصبا والكاس»

وقوله:

بانوا وفيهم شموسُ دُجنٍتُنعِلُ أقدامَها القرونُ
تعومُ أعجازُهنّ عوْماًوتنثني فوقها المُتونُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خف من المربد القطين»

وقوله:

وكأسٍ كمصباح السماء شربتُهاعلى قُبلة أو موعد بلقاءِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وكأس كمصباح السماء شربتها»
أتت دونها الأيام حتى كأنهاتساقُطُ نورٍ من فُتوق سماءِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وكأس كمصباح السماء شربتها»

وقوله:

قامت تريك وأمرُ الليل مجتمعصبحاً تولّد بين الماء والعنب
كأن صُغرى وكُبرى من فواقِعهاحصْباءُ دُرٍّ على أرضٍ من الذهب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ساع بكأس إلى ناش على طربي»
كأن تُرْكاً قياماً في جوانِبهاتواتَروا الرمي بالنشّاب من كثَب

وإن كان النحويون ينكرون صغرى وكبرى بغير ألف ولام.

وقوله:

فإذا علاها الماء ألبَسَهازبَداً شبيهَ جلاجل الحِجْل
حتى إذا سكنت جوامحهاكتبت بمثل أكارِع النمل
خطّين من شتى ومُجتَمعغُفْل من الإعجام والشّكْل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «كان الشباب مطية الجهل»

وقوله:

فتمشّتْ في مفاصلهمكتمشي البُرْءِ في السّقم
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا شقيق النفس من حكم»

ومن سلك هذا المسلك من شعره فقد صافح السماء وتناول النجوم.

هل ضرّ قولَه هذا غَثاثةُ قوله يمتدح الأمين:

فعصا نداه براحتيأعلو بها الإفلاسَ قرْعا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ما ارتد طرف محمد»
وعليّ سورٌ مانعٌمن جوده إن خفتُ كسْعا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ما ارتد طرف محمد»
فلو أنّ دهْراً رابنيلصفعتُه بالكفّ صَفْعا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ما ارتد طرف محمد»

وقوله:

ما لرِجْلِ المالِ أضحَتْتشتكي منك الكَلالا
ما لأمْوالِك منْ جاءَ احتَثى منها وَكالا

وقوله:

أيا مَنْ وجهه الداحيومن منزله الماحي
أماليَ منك يا ظالم إلا اللاهي واللاحي

وضعفُ قوله:

ألا يا قمرَ الدّارويا مِسكة عطّار
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ألا يا قمر الدار»
ويا نفْحة نسرينٍويا وردةَ أسحار
ويا جدول بُستانعلى شاطئ أنهار
ويا كعبَيْن من عاجويا غرّةَ دينار
ويا نرْداً لفِتْيانويا لُعْبة أبكار
ويا مسواك جمّاشويا طنبور شطّار

وقوله:

قد غَنينا عن الشِّتاوعن اللّبْس للفِرا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد غنينا عن الشتاء»
وعن الحشو للعِمامة والكنِّ والصِّلا
وعن الفرْش والوِطاببيوت بلا كرا
قدم الصيف بالولابةِ قدّامه اللِّوا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد غنينا عن الشتاء»
بالمناديل والغلالة والنّعل والرِّدا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد غنينا عن الشتاء»
والطنابير والطبول وبالرقص والغِنا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد غنينا عن الشتاء»
يُحشَرُ الناس في القيامة مُرْداً بلا لِحى
أنا مالي وللرباط وللغَزْوِ والفِدا
لستُ ممن يطوف فيعرفات ولا مِنى
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد غنينا عن الشتاء»
أركبُ المرد في الديار وفي المدن والقُرى
فإذا ما تمنعواوعصوا أبذلُ الرِّشا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد غنينا عن الشتاء»

وهو كما تراه في سُخْف اللفظ، وسوء النظم، وسقط المعنى، وقوله:

حمْدان ما لك تغضبْعليّ من غير مُغضبْ
فقد حلفتُ يميناًمبرورة ليس تُكذبْ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حمدان مالك تغضب»
فثق بذلك منييا بنَ الكريم المَرْكَبْ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حمدان مالك تغضب»
فالبحر أصبح شانيوالبحر أشهى وأطيبْ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حمدان مالك تغضب»
وقد تآليتُ ألاّفي البر ما عشتُ أركَبْ

وقوله:

ذاك الذي من يد اللهـ حار فيه القبولُ
فكلّ جانب قلبيشوقاً إليه يميلُ
ويلي! وليس يرى ليحقَّ الهوى فيميلُ
ويلي! وما هكذا إخوتي يكونُ الخليلُ
لم يختَرِقْ بيتناحسناً بودّ رسولُ
حتى بَدا منه ما لميَفعَله قطّ مَلولُ
ولا اهتَدى باحتيالٍإليه قطّ بخيلُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من جداه قليل»
ما أفصَح الطّرْفَ حداللودِّ حين يجولُ

وقوله:

ونائح هبّ في الغصون ضُحاًكمُنْتَشٍ موْهِناً إذا انْقَلبا
يدعو بذكر على اسمه لهوًىيذكرنا في أوانه الرّطبا

وقوله:

فاردُدْ عليّ حياتيعضّاً بفيك ولَحْسا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أفناني الدهر نهسا»

وقوله:

قد حكى البدرُ بَهاكافرآه مَنْ رآكا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد حكى البدر بهاكا»
وازدَهى بالحُسْنِ لمّاصار في الحسنِ حَكاكا

وقوله:

عليو يا ريمودهأصبحْت لي مستعدّه
وقد علِمت لعَمْر الْإله أنك جَلده
بالاستلاب إذا مامشيت لي مشي نجده
ورجرجت من وَراهاأردافَ إيزارِ بنده

وقوله:

قد صبَغتْ بنتُ المدينيهللفطر يا عباس فوهيّه
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد صبغت بنت المدينيه»
وسلّفَتْ ماشِطَها أجرةواشترطت في المَشْط رازيّه
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد صبغت بنت المدينيه»
فاسلفوا يا قوم في... من نقْدِ بيتِ المالِ بخيّه
فإنها أعشق بغّايةٍلهذه المعصوبة النيه
يا عمْرو ما بالُ المدينيهلا تأكل العصبان مشْوِيه
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد صبغت بنت المدينيه»

ونحو هذا مما يملّ الناظر، ويضيع وقْت الكاتب. ولو وُجد لأبي الطيب بيت مثله، وحرفٌ يقاربه لعُصِب بعارِه، ولا انطلقت الألسن بعيبه، وصُدِّر به ديوان مثالبه وصحيفة مساويه.

فإن طلبَ اللحنَ والغلط أخذ عليه مثل قوله:

وضيْف كأس محدثهْ ملكتِيهُ مُغنٍّ وظَرْفُ زِنديقِ

فسكن الهاء، وقوله: يا ربيَ الجبار. فرفع الجبار.

وقوله:

يا خيْرَ من كان ومَنْ يكونُإلا النبيّ الطاهرُ الميمونُ

وقوله:

فلما خشي الإيباء من صحْبٍ وجلاّسِ

وإنما هو الإباء.

وقوله:

وإذا نزعتَ الى الغواية فليكُنلله ذاك النزعُ لا للناس

وإنما هو نزع عن الشيء نزوعاً، وأبيات كثيرة يضعفُ عذة في معظمها، وإن كان باب التأويل يتسع، ومذاهب الاحتيال في النحو لا تضيق.

ووجد له في الإحالة مثل قوله:

وأخَفْتَ أهْلَ الشِّرْكِ حتى إنّهلتَخافُك النُّطَفُ التي لم تُخْلَقِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلق الشباب وشرتي لم تخلق»

وقوله:

حتى الذي في الرحم لم يك نطفةلفؤاده من خوفه خفَقان

وقوله يصف الباري، جلّ أن يوصَف:

إن الذي لا يخيّب سائلهجوهره غير جوهر البشر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا سائل الله فزت بالظفر»

وقوله:

كانت ذخيرة صانع متنوَّق

يعنيه - جل وعز.

ومن الخطأ في الوزن قوله:

رأيت كل من كان أحمقاً معتوها
في ذا الزمانصار المقدم الوجيها
يا رب نذل وضيعنوهته تنويها
هجوته لكيماأزيده تشويها

فبعضه مستفعلن مفعول وفعول، وبعضه مستفعلن فاعلاتن.

والعَجَب ممن ينقص أبا الطيب، ويغضّ من شعره لأبيات وجدها تدل على ضعف العقيدة وفساد المذهب في الديانة كقوله:

يترَشفْن من فمي رشَفاتٍهنّ فيهِ أحلى من التوحيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

وقوله:

وأبهَرُ آيات التِّهاميّ أنّهُأبوكم وإحدى ما لكُم من مَناقب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهو يحتمل لأبي نواس قوله:

قلت والكاس على كفَّيّ تهوي لالتثامي
أنا لا أعرف ذاك اليوم في ذاك الزحام

وقوله:

يا عاذلي في الدهر ذا هجْرُلا قَدرٌ صحّ ولا جبْرُ
ما صح عندي من جميع الذييُذكر إلا الموتُ والقبرُ
فاشرب على الدهر وأيامهفإنما يهلكنا الدهرُ

وقوله:

عاذلتي بالسّفاه والزجراستمعي ما أبثّ من أمري
باح لساني بمضمر السرِّوذاك أني أقول بالدهرِ
بين رياض السرور لي شيعكافرة بالحساب والحشرِ
موقنة بالممات جاحدةلما رووه من ضغطة القبرِ
وليس بعد الممات منقلبوإنما الموت بيضة العَقْرِ

وقوله:

أأترك لذة الصهباء نقداًلما وعدوه من لبن وخمر
حياة ثم موت ثم بعْثحديث خرافة يا أمَّ عَمرو
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «أأترك لذة الصهباء عمدا»

وقد رُوي أنهما لديك الجن.

وقوله:

فدع الملامَ فقد أطعتُ غَوايتيونبذتُ موعظتي وراء جداري
ورأيت إيثارَ اللذاذة والهوىوتمتعاً من طيب هذي الديارِ
أحرى وأحزمُ من تنظّر آجلظنّي به رجْمٌ من الأخبارِ
إني بعاجل ما ترين موكلوسواه إرجافٌ من الآثارِ
ما جاءنا أحدٌ يخبر أنهفي جنة مذ مات أو في النار

فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسمُ أبي نواس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولَكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزِّبَعري وأضرابُهما من تناول رسولَ الله ﷺ وعاب من أصحابه بُكْماً خرساً، وبِكاء مفحمين؛ ولكنّ الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر.

النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.