تجاوز إلى المحتوى

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)

أغاليط الشعراء

ودونك هذه الدواوين الجاهلية والإسلامية فانظر هل تجد فيها قصيدة تسلم من بيت أو أكثر لا يمكن لعائب القدْح فيه؛ إما في لفظه ونظمه، أو ترتيبه وتقسيمه، أو معناه، أو إعرابه؟ ولولا أن أهلَ الجاهلية جُدّوا بالتقدم، واعتقد الناس فيهم أنهم القدوة، والأعلام والحجة، لوجدتَ كثيراً من أشعارهم معيبة مسترذَلة، ومردودة منفية، لكن هذا الظنّ الجميل والاعتقاد الحسن ستر عليهم، ونفى الظِّنة عنهم، فذهبت الخواطر في الذبّ عنهم كلّ مذهب، وقامت في الاحتجاج لهم كل مقام،

وما أراك - أدام الله توفيقك - إذا سمعتَ قول امرئ القيس:

أيا راكباً بلّغَ إخواننامَن كان من كِندَة أو وائل

فنصب بلغ، وقوله:

فاليوْم أشْرَبْ غيرَ مُستَحقِبٍإثْماً من الله ولا واغِلِ

فسكن أشرب، وقوله:

لَها مَتْنَتان خَظاتا كماًأكبّ على ساعدَيْه النّمِرْ
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

فأسقط النون من خَظاتَا لغير إضافة ظاهرة.

وقول لبيد:

تَرّاكَ أمكنة إذا لم أرْضَهاأو يرتَبطْ بعض النّفوسِ حِمامُها

فسكن يرتبطْ ولا عمل فيها للَم. وقول طرفة:

قد رُفِع الفَخّ فماذا تحذَري

فحذف النون. وقول الأسدي:

كنا نرقّعها وقد مُزِّقتواتسع الخرْق على الراقع

فسكن نرقّعها. وقال الآخر:

تأبى قُضاعة أن تعْرِفْ لكمْ نسَباًوابْنا نِزار وأنتُم بيضَةُ البَلَدِ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «يا من توعدني جهلا بكثرته»

فسكن تعرف، وقول الآخر:

يا عَجَباً والدهر جمٌ عجبُهْمن عَنْزيٍّ سبّني لم أضرِبُهْ

فرفع أضربه. وقول الفرزدق:

وعضُّ زمانٍ يا بْنَ مرْوانَ لم يدَعْمن المالِ إلا مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ

فضم مجلَّفاً. وقول ذي الخِرَق الطُّهَوي:

يقول الخَنى وأبغَضُ العُجْم ناطِقاًالى ربنا صُوْتُ الحمار اليُجَدَّعُ

فأدخل الألف واللام على الفعل. وقول رؤبة:

أقْفرَتِ الوعْثاء والعُثاعثُمن بعْدهم والبُرَق البَرارِثُ

وإنما هي البِراث جمع برَث؛ وهي الأماكن السهلة من الأرض، وروى البَوارث وكأنه جمع بارثة.

وقول بعض الرّجّاز؛ أنشده المفضّل:

كانت عجوزاً عُمِّرتْ زماناوهي ترى سَيْئَها إحسانا
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

تعرفُ منها الأنفَ والعَينانا

ففتح النون من العينانا. وقول آخر منهم - أنشده أبو زيد:

طاروا عليهنّ فطِرْ عَلاهاواشدُدْ بمَثنى حَقَب حَقواها

ناجيةً وناجياً أباها

فرفع حَقواها، وحقّه النصب، كما قد نصب أباها، وحقّه الرفع. وقول الأقيشر:

وقد بَدا هَنْك من المئْزرِ

وقول نقيع بن جُرموز:

أطوّفُ ما أطوفُ ثم آويالى أمَّى ويرويني النقيعُ

فأدخل الألف في أمّى لغير نداء ولا ضرورة.

وغيرُ هذا مما هو أسهلُ منه قول امرئ القيس:

كأن ثَبيراً من عَرانين وبْلهِكبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مزمَّلِ

فخفض مُزَمّلا، وهو وصفُ كبير. وقول الفرزدق:

بخيْرِ يَدَيْ منْ كان بعد محمّدٍوجارَيْه والمقتولِ للهِ صائمِ

فخفض صائم. وقول رؤبة:

قد شفّها النوح بمأزولٍ ضيَقْ

ففتح الياء. ومثال ذلك مما يُخرِج الكتاب عن غرضه.

ثم اسعرضتَ إنْكارَ الأصمعي وأبي زيد وغيرهما هذه الأبيات وأشباهها، وما جرى بين عبد الله بن أبي إسحاق الحضرَمي والفرزدق في أقواله ولحنه في قوله:

فلوْ كانَ عبدُ اللهِ موْلًى هجوتُهُولكنّ عبدَ الله موْلى مَوالِيا

ففتح الياء من موالي في حال الجر، وما جرى له مع عنْبَسَة الفيل النحوي حتى قال فيه:

لقد كان في معْدان والفيل شاغللعنبَسَة الرّاوي عليّ القصائدا

وما كان القدماء يتّبعونه في أشعار الأوائل من لحن وغلط وإحالة وفساد معنى؛ حتى قال البرْدَخْت لبعض النحويين:

لقد كان في عينيك يا حفصُ شاغلوأنف كمثلِ العودِ مما تتبَّعُ
للشاعر يزيد بن حرب الضبي، اقرأ القصيدة
تتبّع لحناً في كلام مرقّشٍوخلْقُك مبنيٌّ على اللحن أجمع
للشاعر يزيد بن حرب الضبي، اقرأ القصيدة
فعيناك إقواء وأنفك مكْفأووجهُك إيطاء فأنت المرقّع
للشاعر يزيد بن حرب الضبي، اقرأ القصيدة

وقول الأصمعي في الكميت: جُرمُقانيّ من جَراميق الشام لا يُحتجّ بشعره، وما أنكره من شعر الطّرمّاح، ولحّن فيه ذا الرُمّة.

ثم تصفحتَ مع ذلك ما تكلّفه النحويون لهم من الاحتجاج إذا أمكن: تارة بطلب التخفيف عند توالي الحركات، ومرة بالإتباع والمجاورة؛ وما شاكلَ ذلك من المعاذير المتمحَّلة، وتغيير الرواية إذا ضاقت الحجّة؛ وتبيّنتَ ما راموه في ذلك من المَرامي البعيدة، وارتكبوا لأجله من المراكب الصّعبة، التي يشهد القلب أن المحرّك لها، والباعث عليها شدةُ إعظام المتقدم، والكلَفُ بنُصرة ما سبق إليه الاعتقاد، وألِفته النفس.

النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.