تجاوز إلى المحتوى

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)

الحشو في الشعر

وقد علمت أن الشعراء قد تداولوا ذكر عيون الجآذر ونواظر الغزلان؛ حتى إنك لا تكاد تجد قصيدة ذات نسيب تخلو منه إلا في النادر الفذّ؛ ومتى جمعت ذلك ثم قرنت إليه قول امرئ القيس:

تصُدّ وتُبدي عن أسيلٍ وتتّقيبناظِرةٍ من وحْش وَجْرة مُطفِلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

أو قابلته بقول عديّ بن الرِّقاع:

وكأنّه بين النساءِ أعارَهاعينيهِ أحْوَرُ من جآذرِ جاسِمِ

رأيت إسراع القلب الى هذين البيتين، وتبيّنت قربهما منه؛ والمعنى واحد، وكلاهما خالٍ من الصنعة، بعيدٌ عن البديع؛ إلا ما حسُن به من الاستعارة اللطيفة، التي كسته هذه البهجة. هذا وقد تخلل كلّ واحد منهما من حشو الكلام ما لو حُذف لاستغني عنه وما لا فائدة في ذكره؛ لأن امرأ القيس قال: من وَحْش وَجرة، وعديّاً قال: من جآذر جاسم، ولم يذكُرا هذين الموضعين إلا استعانة بهما في إتمام النظم، وإقامة الوزن، ولا تلتفتنّ الى ما يقوله المعنويون في وجْرة وجاسم، فإنما يطْلُب به بعضهم الإغرابَ على بعض؛ وقد رأيتُ ظِباءَ جاسم فلم أرها إلا كغيرها من الظباء. وسألت من لا أُحصي من الأعراب عن وحش وجْرة فلم يرَوا لها فضلاً على وحش ضريّة وغزلان بُسَيطة، وقد يختلف خلْق الظِباء وألوانها باختلاف المنشأ والمرتع؛ وأما العيون فقلّ أن تختلف لذلك؛ وأما ما تمم به عدي الوصف، وأضافه الى المعنى المبتذَل بقوله على إثر هذا البيت:

وسْنان أيقَظهُ النُعاسُ فرنّقتْفي عينِه سنَةٌ وليسَ بنائِمِ

فقد زاد به على كلّ منْ تقدم، وسبق بفضله جميعَ من تأخر، ولو قلت: اقتطعَ هذا المعنى فصار له، وحظَر على الشعراء ادّعاء الشرك فيه لم أرني بعُدت عن الحق، ولا جانبْتُ الصدق. وقد تغزل أبو تمام فقال:

دعْني وشُربَ الهوى يا شارب الكاسِفإنني للذي حسيته حاسي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دعني وشرب الهوى يا شارب الكاس»
لا يوحِشنّك ما استعجمتَ من سَقميفإنّ منزلَه من أحسن الناس
من قطْع ألفاظِه توصيلُ مَهلكَتيووصْل ألْحاظه تقطيعُ أنفاسي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دعني وشرب الهوى يا شارب الكاس»
متى أعيش بتأميلِ الرّجاء إذاما كان قطعُ رجائي في يديْ ياسي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دعني وشرب الهوى يا شارب الكاس»

فلم يخْل بيت منها من معنى بديع وصنعة لطيفة؛ طابق وجانس، واستعار فأحسن، وهي معدودة في المختار من غزَله. وحقّ لها؛ فقد جمعت على قصرِها فنوناً من الحُسن، وأصنافاً من البديع، ثم فيها من الإحكام والمتانة والقوة ما تراه؛ ولكنّني ما أظنك تجدُ له من سَورة الطرب، وارتياحِ النفس ما تجده لقول بعض الأعراب:

أقول لصاحبي والعيسُ تهويبنا بين المُنيفة فالضِّمار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»
تمتّعْ من شَميم عَرارٍ نجْدٍفما بعْد العشيّة من عَرارِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»
ألا يا حبّذا نفَحاتُ نجْدٍوريّا روضهِ غِبَّ القِطارِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»
وعيشك إذ يحُلّ القوم نجْداًوأنتَ على زمانِك غيرُ زارِ
شُهورٌ ينقضين وما شعرْنابأنْصافٍ لهنّ ولا سِرارِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»
فأما ليلُهنّ فخيرُ ليلٍوأقصر ما يكون من النهار
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة

فهو كما تراه بعيد عن الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المأخذ، قريب التناول.

وكانت العرب إنما تُفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحّته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلّم السّبْق فيه لمَنْ وصف فأصاب، وشبّه فقارب، وبدَهَ فأغزَر، ولمَن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته؛ ولم تكن تعبأ بالتجنيس

والمطابقة، ولا تحفِل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض.

وقد كان يقع ذلك في خلال قصائدها، ويتّفق لها في البيت بعد البيت على غير تعمد وقصْد، فلما أفْضى الشعر الى المحْدَثين، ورأوْا مواقعَ تلك الأبيات من الغرابة والحسن، وتميّزَها عن أخواتها في الرشاقة واللطف، تكلّفوا الاحتذاء عليها فسمّوْه البَديع؛ فمن محسن ومسيء، ومحمود ومذموم، ومقتصد ومُفرط.

فإذا جاءتك الاستعارة كقول زهير:

وعُرّيَ أفراس الصِّبا ورواحله

وقول لبيد:

إذ أصبحتْ بيد الشَّمال زِمامها

وقول ابن الطّثريّة:

أخذنا بأطرافِ الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطيّ الأباطِحُ

وقول الحارث بن حِلِّزة:

حتى إذا الْتَفَع الظِّباءُ بأطْرافِ الظِّلال وقِلْنَ في الكُنُسِ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «لمن الديار عفون بالحبس»

وقول أبي نُواس:

أعطتك ريحانها العُقار

وقوله:

بصحن خدٍّ لم يغِضْ ماؤهولم تخضه أعْينُ الناس
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

وقوله:

جريْت مع الصِّبا طلْق الجُموحوهان عليّ مأثور القبيح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «جريت مع الصبا طلق الجموح»

وقوله:

مباحة ساحة القلوبِ لهيرتع فيها أطايب الثمر

وقوله:

وإذا بَدا اقْتادَتْ محاسنهُقسْراً إليه أعنّةَ الحدَقِ

وقوله يصف الكأس:

بنينا على كِسرى سماءَ مُدامةمكلّلة حافاتُها بنجومِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لمن دمن تزداد حسن رسوم»

وقول مسلم:

ولما تلاقينا قضى الليلُ نحبَهُ

وقوله:

ظلمتُك إن لم أجزِل الشكر إنّماجعلتَ الى شكري نوالَك سُلَّما

فانظر كم بين استعارته السُّلّم، واستعارة أبي تمام له في قوله:

ما ضرّ أروعَ يرتَقي في همةروعاء أن لا يرتقي في سُلّم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نثرت فريد مدامع لم ينظم»

وأول من علمناه افتتح هذه اللفظة الحُصين بن الحُمام المُرِّي في قوله:

فلستُ بمبتاع الحياة بذلةولا مُرتَقٍ من خشيةِ الموت سُلّما
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «تخيلت ان الشعر في الحب شافعي»

وهذا قريب من الحقيقة، وإن كان فيه شُعبة من ضرب المثل.

وقول أبي تمام:

أدنَت نقاباً على الخدّين وانتقبَتْللناظرين بقدٍّ ليس ينتقبُ

وقوله:

وقد علّم الأفشَين وهو الذي بهيُصانُ رداء الملك عن كل جاذب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

وقوله:

رقّت حواشي الدهر فهي تمرْمَرُوغدا الثّرى في حَلْيه يتكسّرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»

على أن لفظة يتكسر حضَريّة مولدة.

وقوله:

وكم سرق الدُجى من حُسنِ صبروغطى من جِلادِ فتى جليد

وقوله:

ويضحكُ الدهر منهم عن غطارِفَةٍكأنّ أيامَهم من حُسنِها جُمعُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي القلوب عليكم ليس ينصدع»

وقول البحتري:

يذكِّرنا ريّا الأحبّة كلّماتنفّس في هم في جنحٍ من الليل باردِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»

وقوله يصف الخيال:

إذا نزعَتْه من يديّ انتباهةٌعددت حبيباً راح مني أو غَدا

وقوله:

وإذا دجَتْ أقلامُه ثم انتحَتْبرَقت مصابيح الدجى في كُتْبِه
للشاعر البحتري، من قصيدة «من سائل لمعذر عن خطبه»

وقوله:

وكُنتُ إذا استبطأْتُ ودّك زُرْتُهبتفويف شِعْرٍ كالرِّداء المُحبَّر
للشاعر البحتري، من قصيدة «فداؤك نفسي دون رهطي ومعشري»

وقول ابن المعتز:

أقول ودمع العين تسرقه يديحذار لدمع الشامت المتودّد

وقوله:

ساروا وقد خضعت شمسُ الأصيل لهمحتى توقّد في ذيل الدُجى الشّفقُ

وقوله:

لو ترانا إذا انتبهنا قعوداًنستشف القرى عن الأحلام

وقوله:

ما زال يلطِم خدّ الأرض وابلُهاحتى وقَتْ خدّها الغُدْرانُ والخضرُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ومزنة جاد من أجفانها المطر»

وشتان ما بين هذا اللطم ولطْم أبي تمام في قوله:

ملْطومة بالورد أطلق دونهفي الخَلْق فهو مع المَنون مُحكَّمُ

وإنما نازع أبا نُواس قولَه:

تبكي فتُذْري الدرَّ من نرْجسوتلطِم الورْدَ بعُنّابِ

فسبق أبو نواس بفضل التقدم والإحسان، وحصل هو على نقْص السَّرَقِ والتقصير؛ لكنه أحسن في بقية البيت فجبر بعض ذلك النقص.

وقول كُشاجم يصف السحاب:

مُقبلةٌ والخِصْبُ في إقبالهاوالرعدُ يحدو الوُرْقَ من جِمالها
للشاعر كشاجم، من قصيدة «مُقْبِلة ٌ والخَصْبُ في إقَبالِهَا»
بخطبة أبدع في ارتجالهاكأنها من ثقل انتقالها
للشاعر كشاجم، من قصيدة «مُقْبِلة ٌ والخَصْبُ في إقَبالِهَا»
تجلّها الريحُ عن استعجالهاإلا بما تجذبُ من أذيالها
للشاعر كشاجم، من قصيدة «مُقْبِلة ٌ والخَصْبُ في إقَبالِهَا»
فحين ضاق الجوّ عن مجالِهاوراحت الرياحُ من كلالِها
جَنوبُها تشكو الى شَمالهادَنت من الأرض على أذْلالها
كأنما تسألُها عن حالِهاوالزّهرُ قد أصغى الى مقالِها
وكاد أن ينهضَ لاستِقبالهاتسمّحت بالريّ من زُلالها
للشاعر كشاجم، من قصيدة «مُقْبِلة ٌ والخَصْبُ في إقَبالِهَا»
حتى لقال التُّرب من تهطالهاإن سجلاً أتى على سجالها

ثم انثنى يُثني على فِعالِها

وقول السري الموصلي:

أقول لحنان العشيّ المغرديهزّ صفيحَ البارقِ المتوقّد
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «أقول لحنان العشي المغرد»
تبسّم عن ري البلاد صَبيبُهولم يبتسم إلا لإنجازِ موْعِد
ويا دَيرَها الشرقيّ لا زال رائحيحل عقود المُزْن فيك ومُغْتد
عَليلة أنفاس الرياح كأنّمايُعَلّ بماء الورْد نرْجسها النّدي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «أقول لحنان العشي المغرد»
يشُقّ جيوبَ الورْد في جنباتهنسيمٌ متى ينظر الى الماء يبرد

فقد جاءك الحسنُ والإحسان، وقد أصبتَ ما أردت من إحكام الصنعة وعذوبة اللفظ.

فإذا سمعت بقول أبي تمام:

باشرت أسباب الغِنى بمدائحضربت بأبواب الملوكِ طُبولا

وبقوله:

لها بين أبوابِ الملوكِ مَزامرٌمن الذكْر لم تنفخ ولا هي تزمرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شجا في الحشى ترداده ليس يفتر»

وبقوله:

إذا ما الدّهْر جرّ جرَت أيادييديه فغشّتِ الدُنيا ظلالا

وبقوله:

يا دهر قوِّمْ من أخدَعَيك فقدأضجَجْتَ هذا الأنام من خرَقك
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كانت صروف الزمان من فرقك»

وبقوله:

الى ملك في أيكة المجد لم يزَلْعلى كَبد المعروف من نيله برْد

وبقوله:

كأنني حينَ جرّدْتُ الرّجاء لهعضب صببتَ به ماءً على الزمنِ

وقول أبي نواس:

يا عمْرو أضحتْ مبيضةً كبديفاصبغْ بياضاً بعصفُر العنبِ

فاسدد مسامعك، واستغش ثيابك، وإياك والإصغاء إليه، واحذر الالتفاتَ نحوه؛ فإنه مما يُصدئ القلب ويُعميه، ويطمس البصيرة، ويكدّ القريحة.

وربما جاءَ من هذا الباب ما يظنّه الناس استعارةً وهو تشبيه أو مثَل؛ فقد رأيت بعض أهل الأدب ذكر أنواعاً من الاستعارة عدّ فيها قول أبي نواس:

والحبُّ ظهْرٌ أنت راكبُهفإذا صرفتَ عِنانه انصرفا

ولست أرى هذا وما أشبهَه استعارة، وإنما معنى البيت أن الحب مثل ظهْر، أو الحب كظهْر تُديره كيف شئتَ إذا ملكتَ عِنانه؛ فهو إمّا ضرب مثَل أو تشبيه شيء بشيء؛ وإنما الاستعارةُ ما اكتُفِي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها. وملاكُها تقريب الشَّبَه، ومناسبةُ المستعار له للمستعار منه، وامتزاجُ اللفظ بالمعنى؛ حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر.

فأما التجنيس؛ فقد يكون منه المطلَق، وهو أشهر أوصافه، كقول النابغة:

وأقطَعُ الخرْق بالخَرْقاء قد جعلتبعد الكَلال تشكّى الأيْنَ والسّأما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»

وقول الشّنْفَرى:

فبِتْنا كأن البيت حُجِّرَ فوقنابريحانة ريحَت عِشاء وطُلَّت
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «ألا أم عمرو أجمعت فاستقلت»

وقول رؤبة:

أحضرْت أهل حضرموت موتا

فجانس في موضعين في بيت رجز.

وقول أبي تمام:

تطلُّ الطلولُ الدمعَ في كل موقفوتمثُل بالصبر الديارُ المواثِلُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»

فجانس في المصراعين.

وقول البحتري:

صدَق الغُراب لقد رأيت حمولَهمبالأمس تغرب عن جوانب غرّب

فجانس بثلاثة ألفاظ.

وقد يكون منه التجنيس المستوفى، كقول أبي تمام:

ما مات من كرم الزمان فإنّهيحيا لدى يحيى بن عبد الله

فجانس بيحيا ويحيى، وحروف كل واحد منهما مستوفاة في الآخر؛ وإنما عُدّ في هذا الباب لاختلاف المعنيين؛ لأن أحدَهما فعلٌ والآخر اسم؛ ولو اتفق المعنيان لم يُعدّ تجنيساً، وإنما كان لفظة مكررة، كقول امرئ القيس:

فلما دنوت تسدّيتُهافثوباً نسيتُ وثوباً أجُرّ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

فقد تكرر في البيت ذكرُ الثوب، كما تكرر ذكر يحيى في بيت أبي تمام، إلا أن هذين اتّفق معناهما، واختلف ذانك المعنيان؛ فعُدّ الأول من البديع.

ومما أضيفُه الى هذا الباب وخالفني فيه بعضُ أهل الأدب قول الأعشى:

إنْ تسُدِ الحوصَ فلم تعدُهموعامِرٌ سادَ بني عامرِ

فأقول: إنه قد جانس بعامر وعامر؛ لأن الأول اسم رجل، والآخر اسم قبيلة. وأراه يخالف قولَ الآخر:

قتلنا به خيرَ الضُبَيْعات كلِّهاضُبَيعة قيس لا ضُبيعةَ أضْجَما

لأن كلتيهما قبيلتان، فكأنّما جمع بين رجلين متَّفقي الاسم.

ومنه التجنيس الناقص، كقول الأخنَس بن شهاب:

وحامي لواء قد قتَلْنا وحاملٍلواءً منعنا والسيوفُ شَوارعُ

فجانس بحامي وحامل، والحروف الأصلية في كل واحد منهما تنقص عن الآخر.

ومثله قول أبي تمام:

يمدّون من أيدٍ عواص عواصِمتطول بأسْيافٍ قواضٍ قواضبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

فأما قوله:

خلّفْتَ بالأفق الغربيّ لي سكَناًقد كان عيشي به حُلْواً بحلوان
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما اليوم أول توديع ولا الثاني»

فهو من الأول وليس بناقص؛ لأن الألف والنون في حلوان زائدتان.

ومنه التجنيس المضاف، كقول البحتري:

أيا قمر التِّمام أعَنْت ظُلْماًعليّ تطاولَ الليل التِّمام
للشاعر البحتري، من قصيدة «غرام ما أتيح من الغرام»

ومعنى التمام واحد في الأمرين، ولو انفرد لم يعدّ تجنيساً؛ ولكن أحدَهما صار موصولاً بالقمر، والآخر بالليل؛ فكانا كالمختلفين. وقد يكون من هذا الجنس ما تجانس به المفردُ بالمضاف، وقد تكون الإضافة اسماً ظاهراً ومكنيّاً، وقد تكون نسباً. ومن أملح ما سمعت فيه قول أبي الفتح بن العميد:

فإن كان مسخوطاً فقل شعر كاتبوإن كان مرضياً فقل شعر كاتب

وأما المطابقة فلها شُعَب خفية، وفيها مكامن تغمُض، وربما التبست بها أشياء لا تتميّز إلا للنظر الثاقب، والذهن اللطيف؛ ولاستقصائها موضعٌ هو أملك به. ولم نفتح هذا الكلام وقصدنا ما جرى بنا القول إليه؛ لكنّ الحديث شُجون، وربما احتاج الشيءُ الى غيره فذُكر لأجله، وربما اتصل بما هو أجنبي منه فاستصحبه.

ومن أشهر أقسام المطابقة ما جرى مجرى قول دِعْبِل:

لا تعجبي يا سَلْمُ من رجلٍضحِك المشيب برأسِه فبكى
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أين الشباب وأية سلكا»

وقول مسلم بن الوليد:

مُستَعْبر يبْكي على دِمْنةورأسُه يضحكُ فيه المشيب
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «مستعبر يبكي على دمنة»

وقول أبي تمام:

وتنظّري خبَبَ الرِّكاب ينُصُّهامُحْيي القَريض الى مُميت المال
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كفي وغاك فإنني لك قالي»

وقوله:

أرضى الثرى وأسخط الغبارا

وقوله:

هذا الذي عرفت يداهُ ساحتيمن بعد ما جهل البخيلُ مكاني
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أفدت ركاب أبي سعيد للنوى»

فكل هذا بابٌ واحد، وقد يجيء منه جنسٌ آخر تكون المطابقةُ فيه بالنفي، كقول البحتري:

يُقيّض لي من حيث لا أعلم الهوىويسري إليّ الشوق من حيث أعلم

لما كان قوله: لا أعلم كقوله: أجهل، وكان قوله: أجهل مطابقة كان الآخر بمثابته. ومن أغرَب ألفاظه وألطف ما وُجِد منه قول أبي تمام:

مَها الوحش إلا أنّ هاتا أوانِسٌقَنا الخطِّ إلا أنّ تلْك ذَوابِلُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»

فطابق بهاتا وتلك وأحدهما للحاضر، والآخر للغائب، فكانا نقيضين في المعنى، وبمنزلة الضدين.

وقد يخلط من يقْصُر علمه ويسوء تمييزه بالمطابق ما ليس منه؛ كقول كعب بن سعد:

لقد كان: أما حِلْمُه فمروَّحٌعلينا وأمّا جهْلُه فعزيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة

لما رأى الحلم والجهل، ومروّحاً وعزيباً جعلهما في هذه الجملة. ولو ألحَقْنا ذلك به لوجب أن نُلحِق أكثر أصناف التقسيم، ولاتّسع الخرْقُ فيه حتى يستغرق أكثر الشعر. ولنا في استيفاء هذا الكلام وتحديد هذه الأضرب قولٌ سنفرِد له كتاباً يُحتمل استقصاؤه فيه.

ومن أصناف البديع التصحيف؛ كقول الشاعر:

ولم يكن المغترُّ بالله إذا سرىلِيُعجِز، والمعتزّ بالله طالبُه

وقوله:

فكأنّ الشّليل والنّثْرة الحصْداء منه على سَليل غَريف

وقوله:

ما بعيني هذا الغزال الغريرمن فُتونٍ مُستَجْلَبٍ من فُتورِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما بعيني هذا الغزال الغرير»

وقول اسماعيل بن عبّاد:

غَمائمٌ هنّ فوق أرؤُسِناعمائِم لم يُذَلْنَ بالخِرَق
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «غمائم هن فوق أرؤسنا»

وهذا يدخل في بعض الأقسام التي ذكرناها في التجنيس؛ لكن ما أمكن فيه التصحيف فله بابٌ على حِياله، وجانبٌ يتميّز به عن غيره.

ومنه التقسيم، وقد يكون موصولاً، كقول زهير:

يطْعَنُهم ما ارتَموا حتى إذا اطّعَنواضاربَ حتى إذا ما ضارَبوا اعْتَنقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

فقسّم البيت على أحوال الحرب ومراتب اللقاء، ثم ألحق بكل قسم ما يليه في المعنى الذي قصده من تفضيل الممدوح، فصار موصولاً به، مقروناً إليه. ونحوه قول عنترة:

أن يلْحَقوا أكرر وإن يستَلْحِمواأشدد وإن نزلوا بضيق أنْزل

فهذا كالأول في الصنعة، وإن كان إنما أزوج كل قسم بقرينه، وما هو وفْقه، ولم يرض الأولُ إلا بأن قسم ثم تقدم عن كل قسم قُدُماً، وارتفع عليه درجة. وقد تكون القسمةُ مطلقة غير مشفوعة، كقول النابغة:

فلله عينا من رأى أهلَ قبةأضرّ لمن عادَى وأكثر نافعا
وأعظمَ أحلاماً وأكرم سيداًوأفضل مشفوعاً إليه وشافعا

فهذا ضربٌ من التقطيع على معانٍ مختلفة؛ ولستُ أسمح بتسميته تقسيماً؛ وقد رأيتُ من يُطلق له هذه التسمية.

ومما يقاربُ هذا جمعُ الأوصاف، كقول أبي دُواد:

بعيد مدى الظرف خاظِي البضيعمُمَرّ المَطا سمْهري العصَبْ

وقد يجمع على نوع آخر كقول النابغة:

حَديدُ الطّرْفِ والمنكب والعُرقوب والقَلْبِ
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

وقد يُعدّ فيه التّقفية والترصيع، كقول امرئ القيس:

والماء منهَمِرٌ والشّدُّ منحدِروالقُصْبُ مُضطَمِرٌ والمتن ملْحوب

وقد يمتنع بعضُ الأدباء من تسمية بعض ما ذكرناه بديعاً؛ لكنه أحدُ أبواب الصنعة، ومعدود في حلْي الشعر، وله أشْباه تجري مجراه، وتذكر معه؛ كالالتفات والتوصل وغيرهما، ولو أقبلنا على استيعابها، وتمييز ضروبها وأصنافها لاحتجنا الى اتباع كل ما يقتضيه من شاهد وبيان ومثال. ولو فعلنا ذلك لبخسنا أبا الطيب حقه، وافتتحنا الكتاب بذكره ثم شَغلْنا معظَمه بغيره؛ وإنما قدمنا هذا النّبْذ توطئةً لما نذكره على أثره، وتدريجاً الى ما بعده؛ ليكون كالشاهد المقبول قوله، وبمنزلة المسلم أمره.

والشاعر الحاذق يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدهما الخاتمة؛ فإنها المواقف التي تستعْطِف أسماعَ الحضور، وتستميلهم الى الأصغاء، ولم تكن الأوائل تخصّها بفضْل مراعاة؛ وقد احتذى البُحتري على مثالهم إلا في الاستهلال، فإنه عُني به فاتفقت له فيه محاسن؛ فأما أبو تمام والمتنبي فقد ذهبا في التخلص كلَّ مذهب، واهتمّا به كل اهتمام، واتفق للمتنبي فيه خاصة ما بلغ المراد، وأحسن وزاد.

النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.