من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)
السهل الممتنع من شعر البحتري
ومتى أردت أن تعرف ذلك عِياناً، وتستثبته مُواجهة، فتعرفَ فرق ما بين المصنوع والمطبوع، وفضْل ما بين السمْح المنقاد والعَصيّ المستكرَه فاعمِد الى شعر البحتري، ودعْ ما يصدر به الاختيار، ويُعَدّ في أول مراتب الجودة، ويتبيّن فيه أثرُ الاحتفال، وعليك بما قاله عن عفْو خاطره، وأوّل فكرته، كقوله:
أُلامُ على هواكِ وليس عدلاًإذا أحببْتُ مثلكِ أنْ أُلاما
أَعيدي فيّ نظرةَ مُستَثيبٍتوخّى الأجْرَ أو كرِه الأثاما
تَريْ كبِداً محرّقةً وعينامؤرّقة وقلباً مستهاما
تناءت دارُ عَلْوة بعد قُرْبٍفهل ركْبٌ يبلِّغُها السّلاما
وجدّد طيفُها عتْباً علينافما يعْتادُنا إلا لِماما
ورُبَّتَ ليلة قد بتّ أُسْقَىبعينيْها وكفّيْها المُداما
قطعنا الليل لثْماً واعتناقاوأفنيناه ضمّاً والتزاما
وقوله:
أُصْفيك أقصى الود غير مقلّلٍإن كان أقْصى الود عندك ينْفَعُ
وأراك أحسَنَ مَنْ أراه وإن بَدامنك الصّدودُ وبانَ وصلُك أجمَع
يعتادني طرَبي إليك فيغْتليوجْدي ويدعوني هواك فأتبع
كلِفاً بحبّك مولَعاًويسرّنيأني امرؤ كلِفٌ بحبّك مولَعُ
وقوله:
ردّي على المُشتاق بعضَ رُقادهأو فاشْركيه في اتّصال سُهادِه
أسهَرْتِه حتى هجَر الكرىخلّيتِ عنه ونمْت عن إسعادِه
وقسا فؤادُكِ أن يَلينَ للوْعَةٍباتتْ تقلقل في صميم فؤاده
ولقد عززْتِ فهان طوعاً للهوىوجنبْته فرأيت ذُلَّ قِياده
مَنْ مُنصِفي من ظالم ملّكْتُهودّي ولم أملك عسيرَ وِداده
ما كنت أعرف غيرَ سالفِ وُدِّهفبُليتُ بعد صدوده ببِعاده
وقوله:
أجدّك ما ينفكّ يسري لزينباخيال إذا آب الظلام تأوّبا
سرى من أعالي الشام يجلبُه الكَرىهبوب نسيم الروض تجلبه الصّبا
وما زارني إلا ولِهْتُ صَبابةًإليه وإلا قلت: أهلاً ومرْحبا
وليلتنا بالجَزْع بات مساعفاًيريني أناة الخطْو ناعمة الصِّبا
أضرّت بضوء البدر، والبدرُ طالعوقامت مقام البدر لما تغيّبا
ولو كان حقاً ما أتاه لأطفأتغليلاً ولافْتكّتْ أسيراً مُعذّبا
علمْتُك إن منيّتِ منيّتِ موعِداًجَهاماً وإن أبْرَقْتِ أبرقتِ خُلَّبا
وكنت أرى أن الصّدود الذي مضىدلالاً فما إن كان إلا تجنُّبا
فوا أسفي حتّام أسألُ مانعاًوآمَنُ خوّاناً وأعتِبُ مُذْنبا
سأثني فؤادي عنك أو أتبع الهوىإليك إن استعفى فؤادي أو أبى
ثم انظر: هل تجدُ معنى مبتذلاً ولفظاً مشتهراً مستعملاً! وهل ترى صنعة وإبداعاً، أو تدقيقاً أو إغراباً! ثم تأمّل كيف تجد نفسك عند إنشاده، وتفقّدْ ما يتداخُلك من الارتياح، ويستخفّك من الطرف إذا سمعته، وتذكّر صَبْوةً إن كانت لك تراها ممثّلة لضميرك، ومصوّرة تلقاء ناظرك.
فإن قلت: هذا نسيب والنفس تهَشُّ له، والقلب يعْلَق به، والهوى يُسرع إليه، فأنشِد له في المديح قوله:
بلوْنا ضرائب مَنْ قد نرىفما إنْ وجدنا لفَتْحٍ ضَريبا
هو المرءُ أبدت له الحادثاتُ عزْماً وشيكا ورأياً صليبا
تنقّل في خُلُقي سودَدٍسماحاً مرجّى وبأساً مَهيبا
فكالسّيف إنْ جئته صارخاًوكالبحر إن جئته مستثيبا
فتى كرّم الله أخْلاقهوألبَسَه الحمد بُرْداً فشيبا
وأعطاه من كل خبر يُعدّحظّاً ومن كل مجد نصيبا
فديناك من أيّ خطب عراونائبةٍ أوشكت أن تَنوبا
ثم خرج الى الاستعطاف وأخذ في العتاب:
وإن كان رأيُك قد حال فيّفألبستَني بعد بِشرٍ قُطوبا
وخيّبت أسبابي النازعاتإليك وما حقها أن تخيبا
يريّبني الشيء تأتي بهوأُكبِرُ قدرك أن أستَريبا
وأكره أن أتمادى علىسبيل اغترار فألْقى شَعوبا
أُكذِّب ظني بأن قد سخِطْتَوما كنتُ أعهد ظني كذوبا
ولو لم تكن ساخطاً لم أكنأذُمّ الزمان وأشكو الخُطوبا
ولابد من لوْمةٍ أنتحيعليك بها مُخطئاً أو مُصيبا
أيصبح وِرْديَ في راحتيْكَ رنْقاً ومرْعاي محْلاً جَديبا
أبيع الأحِبةَ بيع السّواموأثني عليهم حبيباً حبيبا
ففي كل يوم لنا موقفيُشقِّق فيه الوداعُ الجيوبا
وما كان سخطُك إلا الفراقأفاض العيون وأشْجَى القُلوبا
ولو كنت أعرف ذنباً لماتخالجني الشكّ في أن أتوبا
سأصْبِرُ حتى ألاقي رِضاكَ إما بعيداً وإما قريبا
أراقبُ رأيك حتى يصحّوأنظرُ عطفَك حتى يَثوبا
النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع