تجاوز إلى المحتوى

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)

عود إلى أغاليط الشعراء

ثم عدتَ الى ما عدّده العلماء من أغاليطهم في المعاني، كقول امرئ القيس:

وأركبُ في الرّوع خيْفانةًكسا وجْهَها شعرٌ مُنتشِرْ

وهذا عيبٌ في الخيل. وقول زهير:

يخرُجن من شرَباتٍ ماؤها طحِلٌعلى الجذوع يخفن الغمّ والغرقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

والضفادع لا تخاف شيئاً من ذلك. وقول سلَمة بن الخُرشُب:

إذا كان الحِزامُ لقُصرَيَيْهاأماماً حيث يمتسِك البَريم

يقول: إن الحزامَ يقرب في جولانه إذا أكثر من عدْوِه فيصير أمام القصريين.

قال الأصمعي: أخطأ في الوصف؛ لأن خيرَ جرْي الإناث الخُضوع، وإنما يُختار الإشراف في جرْي الذكور، فإذا اختضعت تقدّم الحزام، كما قال بِشر بن أبي خازم:

نَسوفٍ للحِزامِ بمرفَقَيهايسدّ خَواء طُبْيَيْها الغُبارُ
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «ألا بان الخليط ولم يزاروا»

وقد ساعد متمِّمُ بن نويرة على هذا الوصف سلَمة فقال:

وكأنه فوتَ الجوالِب جانِئاًرِئْمٌ تضايَفَه كلابٌ أخضَع
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

فوصف الذكر بالخضوع، وإنما يُختار له الإشتراف. وكقول الجعْدي:

كأن تواليهما بالضّحىنواعم جَعْل من الأثْأبِ

والجَعْل: صغار النخل، وإنما المراد الكبار، وبه يصحّ الوصفُ فيما زعموا.

وقول أبي ذؤيب يصف الفرس:

قصَرَ الصّبوحَ لها فشُرِّجَ لحمُهابالنِّيّ فهْي تَثوخُ فيها الإصبَعُ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

قال الأصمعي: حمارُ القصّار خيرٌ من هذا، وإنما يوصف الفرسُ بصلابة اللحم وقول أبي النّجم:

تسبح أُخْراه ويطفو أوّله

واضطراب مآخيرِ الفرس قبيح. وقول المسيّب بن علَس:

وكأنّ غارِبَها رباوة مخرِمٍوتَمُدّ ثِنْي جديلها بشَراع
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أرحلت من سلمى بغير متاع»

أراد تشبيه العُنق بالدّقل فغلط، كما غلط طرَفة في السُكان فقال:

كسُكّان بوصيّ بدَجْلَة مُصعِد

وإنما يريد الدّقَل. وقول امرئ القيس:

إذا ما الثّريا في السماءِ تعرّضَتْتعرُّضَ أثناء الوِشاحِ المفصَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

والثريا لا تتعرّض، وإنما تتعرض الجوزاء. وقول رؤبة:

كنتم كمن أدخل في جُحْر يَدافأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

فجعل الأفعى دون الأسود، وهي أشدّ نكاية منه. وقول زهير:

كأحْمرِ عادٍ ثم تُرضِعْ فتَفطِم

وإنما هي أحْمر ثمود. وقول ليلى، ويروى لحُمَيد:

لما تخايلت الحُمول حسبتهادوماً بأيلَة ناعماً مكْموما
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

والدّوْم لا أكمام له.

هذا ما يعرفونه صباحاً مساءً. ويمارسونه على طول الدهر؛ فدعْ ما يخفى عليهم ويبعُد عن أبصارهم. كقول أبي ذؤيب في الدُرّة:

فجاءَ بها ما شِئتَ من لطَميّةيدور الفراتُ حولَها ويموجُ

فالفرات هو العذْب، والدرُّ، لا يوجد إلا في المِلْح. وقول الآخر:

فيه الرماحُ وفيه كلّ سابغةجدْلاء مُحكَمةٍ من نسْجِ سلاّمِ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»

وقول الآخر:

وكلّ صَموتٍ نثْلَةٍ تُبّعيّةٍونسْجُ سُلَيمٍ كلّ قضّاء ذائِل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أهاجك من أسماء رسم المنازل»

أرادا داود فغلطا الى سليمان، ثم حرّفا اسمه فقال أحدهما: سلاّم وقال الآخر سُلَيم، كما قال الآخر: والشيخ عثمان بن عف أراد ابن عفان. وقال الآخر:

ومحوَرٍ أُخلِص من ماء اليَلَبْ

جعل اليَلَب حديداً وإنما هي سُيور؛ كما قال غيره:

لم تدْرِ ما نسجُ اليرَنْدَج قبْلَها

فإنه ظن أن اليرندج نسج، وإنما اليرَندَج جلود. وقول الآخر:

برّيّة لم تأكل المرَقّقاولم تذُقْ من البُقول الفُستُقا

فجعل الفُستُق بقْلاً.

وأشبه ذلك مما يكثر تعقبه، ولم نذكر إلا اليسيرَ منه فيما نريده - شككتَ في أن نفْعَ هذا الحكم عام، وجدْواه شامل، وأن المتقدم يضْرب فيه بسهم المتأخر، والجاهليّ يأخذ منه ما يأخذ الإسلامي، وأنه قول لا حظّ له في العصبية، ولا نسبَ بينه وبين التحامل.

وليس يجب إذا رأيتني أمدح محدَثاً أو أذكر محاسن حضَريّ أن تظن بي الانحرافَ عن متقدم، أو تنسُبني الى الغضّ من بدوي؛ بل يجب أن تنظر مغْزاي فيه، وأن تكشف عن مقصدي منه، ثم تحكم عليّ حكم المنصف المتثبت، وتقضي قضاء المُقسِط المتوقّف.

النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.