١أَهلاً بِدارٍ سَباكَ أَغيَدُها
أَبعَدُ ما بانَ عَنكَ خُرَّدُها
الواحدي: الاغيد الناعم البدن وجمعه غيدٌ وأراد ههنا جارية وذكر اللفظ لأنه عنى الشخص والخرد جمع الخريدة وهي البكر التي لم تمسس ويقال أيضا خرد بالتخفيف وفي قوله أبعد أوجهٌ وروايات والذي عليه أكثر الناس الاستفهام وفيه ضربان من الفساد أحدهما في اللفظ وهو أن تمام الكلام يكون في البيت الذي بعده وذلك عيب عند الرواة ويسمونه المبتور والمضمن والمقاطل ومثله لا يصلح بيني فاعلموه ولا، بينكم ما حملت عاتقي، سيفي وما أن مريض وما، قرقر قمر الواد بالشاهق، والثاني في المعنى وهو أنه إذا قال أبعد فراقهم تهيم وتحزن كان محالا من الكلام والرواية الصحيحة أبعد ما يقول أبعد شيءْ فارقك جواري هذه الدار وروى قوم أبعد على أنه حالٌ من الاغيد والعامل في الحال سباك يقول سباك أبعد ما كان منك وهذا من العجب أن السابي يسبي وهو بعيد والمعنى أنه أسرك بحبه وهو على البعد منك وانتصب أهلاً بمضمر تقديره جعل الله أهلا بتلك الدار فتكون مأهولة وإنما تكون مأهولة إذا سقيت الغيث فانبتت الكلأ فيعود إليها أهلها وهو في الحقيقة دعاء لها.
٢ظَلتَ بِها تَنطَوي عَلى كَبِدٍ
نَضيجَةٍ فَوقَ خِلبِها يَدُها
الواحدي: يريد ظللت فحذف احدى اللامين تخفيفا كقوله تعالى فظلتم تفكهون يقول ظللت بتلك الدار تنثني على كبدك واضعا يدك فوق خلبها والمحزون يفعل ذلك كثيرا لما يجد في كبده من حرارة الوجد يخاف على كبده أن ينشقّ كما قال الآخر، عشية أثنى البرد ثم ألوثه، على كبدي من خشيةٍ أن تقطعا، وقال الصمة القشري، وأذكر أيام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشيةٍ أن تصدعا، وقال الآخر، لما رأوهم لم يحسوا مدركا وضعوا أناملهم على الأكباد، وكرر أبو الطيب فقال، فيه أيديكما على الظفر الحلو وأيدي قومٍ على الاكباد، والانطواء كالانثناء والنضج لليد ولكن جرى نعتا للكدب لإضافة اليد إليها كقوله تعالى من هذه القرية الظالم أهلها والظلم للاهل وجرى صفة للقرية والمعنى التي ظلم أهلها وهذا كما تقول مررت بامرأةٍ كريمةٍ جاريتها تصفها بكرم الجارية وجعل اليد نضيجةً لأنه أدام وضعها على الكبد فانضجتها بما فيها من الحرارة ولهذا جاز إضافتها إلى الكبد والعرب تسمى الشيء بأسم غيره إذا طالت صحبته إياه كقولهم لفناء الدار العذرة ولذي البطن الغائط وإذا جاز تسمية شيءٍ بأسم ما يصحبه كانت الإضافة أهون ولطول وضع يده على الكبد أضافها إليها كأنها للكبد لما لم تزل عليها والخلب غشاءٌ للكبد رقيق لازب بها وارتفع يدها بنضيجة وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل كما تقول مررت بامرأةٍ كريمةٍ جاريتها ويجوز أن تكون النضيجة من صفة الكبد فيتم الكلام ثم ذكر وضع اليد على الكبد والأول أجود.
٣يا حادِيَي عيرِها وَأَحسَبُني
أَوجَدُ مَيتاً قُبَيلَ أَفقِدُها
الواحدي: دعا الحاديين ثم ترك ما دعاهما له حتى ذكره في البيت الذي بعده وأخذ في كلام آخر وتسمى الرواة هذا الالتفات كأنه التفت إلى كلام آخر من شأنه وقصته فإن كان كلاما أجنبيا فسد ولم يصلح ومثله، وقد أدركتني والحوادث جمةٌ، أسنة قومٍ لاضعاف ولا عزلِ، فصل بين الفعل والفاعل بما يسمى التفاتا وهو من قصته لان أدراك الاسنة من جملة الحوادث كذلك قوله واحسبني أوجد ميتا ليس باجنبي عما هو فيه من القصة واراد قبيل أن أفقدها فلما حذف أن عاد الفعل إلى الرفع كبيت الكتاب ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى فيمن رفع
٤قِفا قَليلاً بِها عَلَيَّ فَلا
أَقَلَّ مِن نَظرَةٍ أُزَوِّدُها
الواحدي: يقول للحاديين اللذين يحدوان عيسها احبساها على زمانا قليلا لأنظر إليها واتزود منها نظرةً فلا أقل منها ومن رفع أقل جعل لا بمنزلة ليس كما قال، من صد عن نيرانها، فأنا ابن قيس لا براح أي ليس عند براح والكناية في بها يجوز أن تعود إلى العيس وإلى المرأة وقريب من هذا في المعنى قول ذي الرمة، وإن لم يكن الا تعلل ساعةٍ، قليلاً فإني نافعٌ لي قليلها، ثم ذكر سبب مسألة الوقوف فقال:
٥فَفي فُؤادِ المُحِبِّ نارُ جَوىً
أَحَرُّ نارِ الجَحيمِ أَبرَدُها
الواحدي: عنى بالمحب نفسه والجحيم النار الشديدة التوقد العظيمة يقول أحر النار العظيمة المتوقدة أبرد نار الهوى يعني أن نار الهوى أشد حرارةً.
٦شابَ مِنَ الهَجرِ فَرقُ لِمَّتِهِ
فَصارَ مِثلَ الدِمَقسِ أَسوَدُها
الواحدي: الفرق حيث يفرق الشعر من الرأس واللمة من الشعر ما ألم بالمنكب والجمع لمم ولمام والدمقس الابريسم الأبيض خاصة يقول لعظم ما أصابه من هجر الحبيب أبيض شعره حتى صار ما كان أسود من لمته أبيض كالدمقس.
العكبري: الْغَرِيب اللمة الشّعْر الذى يلم بالمنكب وَالْجمع لمَم ولمام وَيُسمى الشّعْر الْقَلِيل فى الرَّأْس وفرة فَإِذا كثر عَن ذَلِك قيل جمة فَإِذا ألم بالمنكب قيل لمة وَالْفرق حَيْثُ يفرق الشّعْر والدمسق الْحَرِير الْأَبْيَض وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس (فظَلّ العَذاَرَى يرتمين بلَحْمها ... وشحم كهُدّاب الدّمَقْس المُفَتَّل) وَيُقَال فِيهِ مدقس ودمقاس أنْشد الأصمعى (سَمِين أعْشار الأدِيم كاسِى ... مِنْ ثَلَّةٍ كَهُدُبِ الدِّمْقاس) وأسودها مسودها الْمَعْنى يُرِيد لعظم مَا أَصَابَهُ من الْفِرَاق شَاب رَأسه حَتَّى صَار مسود لمته أَبيض وَذَلِكَ من هجر الحبيب وَبعده عَنهُ يصف مَا صَار إِلَيْهِ بعده ٧ - الْغَرِيب الخرعوبة والخرعبة أَيْضا الْمَرْأَة الشَّابَّة اللينة الطَّوِيلَة الطرية وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس (بَرَهْرَهَة رُأْدَة رَخْصةٌ ... كخُرْعُوبة البانَة المُنفطِر) وَقَالَ الجوهرى الخرعوبة والخرعبة الدقيقة الْعِظَام الناعمة والغصن الخرعوب المتثنى الْمَعْنى يَقُول بانوا بِامْرَأَة ناعمة لَهَا كفل وَهُوَ الردف يكَاد إِذا قَامَت يقعدها لِكَثْرَة مَا عَلَيْهِ من اللَّحْم وَالْمَرْأَة تُوصَف بثقل العجيزة وَقَوله يكَاد يُرِيد قرب من ذَلِك وَكَاد فعل وضع لمقاربة الْفِعْل وإثباته نفى فى الْمَعْنى فَأَرَادَ قرب من ذَلِك وَلم يفعل وَهَذَا مَنْقُول من قَول أَبى دلامة (وقَدْ حاوَلَتْ نَحْوِى القيامَ لحاجَةٍ ... فأثْقَلها عَن ذَلِك الكفل النهد وَمثله لآبي الْعَتَاهِيَة (بَدَت بَين حور قصار الخطا ... تُجَاهِد بالمشى أكفالها) وَأَصله لعمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي (تنوء بأخراها فتأبى قِيَامهَا ... وتمشي الهوينى عَن قريب فتبهر)
٧بانو بِخُرعوبَةٍ لَها كَفَلٌ
يَكادُ عِندَ القِيامِ يُقعِدُها
الواحدي: يقال امرأة خرعوبة وخرعبة وهي اللينة الشابة الطرية ومنه قول امرءِ القيس، كخرعوبةِ البانةِ المنفطر، والكفل الردف والمرأة توصف بثقل العجيزة وكثرة لحمها يقول ذهبوا بامرأة ناعمة إذا قامت يكاد ردفها يقعدها لكثرة ما عليه من اللحم وكاد وضع لمقاربة الفعل واثباته نفيٌ في المعنى كأنه قال قرب من ذلك ولم يفعل وهذا المعنى كثير في الشعر كقول عمر بن أبي ربيعة، تنوء بأخراها فلكيا قيامها، وتمشي الهوينا عن قريبٍ فتبهرُ، ومثله لابي العتاية، بدت بينحورٍ قصار الخطى، تجاهد بالمشي أكفالها، وبيت المتنبي من قول أبي دلامة، وقد حاولت نحو القيام لحاجةٍ، فأثقلها عن ذلك الكفل النهدُ،
٨رِبَحلَةٍ أَسمَرٍ مُقَبَّلُها
سِبَحلَةٍ أَبيَضٍ مُجَرَّدُها
الواحدي: الربحلة والسجلة من نعوت النساء وهي الجسيمة الطويلة العظيمة قالت امرأة من العرب تصف بنتها، ربحلةٌ سجلةٌ، تنمى نماءَ النخله، والمقبل موضع التقبيل وهو الشفة وتحمد فيها السمرة ولذلك قال غيلان ولقبه ذو الرمة، ليماءُ في شفتيها حوةٌ لعسٌ، وفي اللثات وفي أنيابها شنب، والمجرد حيث تجرد من بدنها أي تعرى من الثوب وصفها بسمرة الشفة وبياض اللون وخص المجرد وهو الأطراف لأنه إذا أبيض المجرد وهو الذي يصيبه الريح والشمس ويظهر للرأيين كان سائر بدنها أشد بياضاً.
العكبري: الْغَرِيب الربحلة اللحمية الطَّوِيلَة الْعَظِيمَة وَرجل ربحل وَكَذَلِكَ السبحلة وَرجل سبحل قَالَت امْرَأَة تصف بِنْتا لَهَا (رِبْحلة سِبَحْله ... تَنْمِى نماءَ النَّخْله) والمقبل مَوضِع التَّقْبِيل وَهُوَ الشّفة ويوصف بالسمرة قَالَ ذُو الرمة (لَمْياءُ فى شفَتَيْها حُوَّةٌ لعَسٌ ... ) والمجرد مَا تعرى من الثَّوْب وَهُوَ الْأَطْرَاف وَالْمعْنَى وَقَالَ (أَبيض الْمُجَرّد ... ) وَهُوَ الذى يُصِيبهُ الرّيح وَالشَّمْس وَهُوَ الظَّاهِر لمن يرَاهُ قَالَ فعلى هَذَا أَن سَائِر جَسدهَا الذى لم يره الناظرون أَشد بَيَاضًا من الْمُجَرّد فقد وصفهَا بسمرة الشّفة وَبَيَاض اللَّوْن يَقُول سَارُوا بِهَذِهِ الْمَرْأَة الَّتِى هَذِه صفتهَا
٩يا عاذِلَ العاشِقينَ دَع فِئَةً
أَضَلَّها اللَهُ كَيفُ تُرشِدُها
الواحدي: الفئة الجماعة من الناس ويريد العشاق يقول لمن يعذلهم في العشق دع من عذلك قوما أضلهم الله في الهوى حتى تعالكوا فيه واستولى عليهم حتى غلب عقولهم كيف ترشدهم بعد أن اضلّهم الله أي أنهم لا يصغون إلى عذلك لما بهم من ضلال العشق ثم ذكر قلة نفع لومه فقال:
١٠لَيسَ يُحيكُ المَلامُ في هِمَمٍ
أَقرَبُها مِنكَ عَنكَ أَبعَدُها
الواحدي: يقال أحاك فيه الشيء إذا اثر وقد يقال أيضا حاك يقول لا يؤثر لومك في هممٍ أقربها منك في تقديرك أبعدها عنك في الحقيقة أي الذي تظنه ينجع فيه لومك هو الأبعد عما تظن
١١بِئسَ اللَيالي سَهِرتُ مِن طَرَبي
شَوقاً إِلى مَن يَبيتُ يَرقُدُها
الواحدي: يذم الليالي التي لم ينم فيها لما أخذه من القلق وخفة الشوق إلى الحبيب الذي كان يرقد تلك الليالي يعني أنه كان ساليا لا يجد من أسباب امتناع الرقاد ما كنت أجده.
١٢أَحيَيتُها وَالدُموعُ تُنجِدُني
شُؤونَها وَالظَلامُ يُنجِدُها
الواحدي: أحياء الليل ترك النوم فيه يقال فلان يحيى الليل أي يسهر فيه وفلان يميت الليل أي ينام فيه وذلك أن النوم أخو الموت واليقظة أخت الحياة والانجاد الإعانتة والشؤون قبائل الرأس وهي مجاري الدموع يقول كان للدموع من الشؤون إمدادٌ ولليالي من الظلامٍ انجازٌ والمعنى أن تلك الليالي طالت وطال البكاء فيها ويجوز أن تعود الكناية في ينجدها إلى الشؤون وذلك أن من شأن الظلام أن يجمع الهموم على العاشق وفي اجتماعها عون للشؤون على تكثير وادرار البكاء يبين هذا قول الشاعر، يضم على الليل أطباق حبها، كما ضم أزرار القميصِ البنائقُ،
١٣لا ناقَتي تَقبَلُ الرَديفَ وَلا
بِالسَوطِ يَومَ الرِهانِ أُجهِدُها
الواحدي: يقول ناقتي لا تقبل الرديف وهو الذي يرتدف خلف الراكب وإذا راهنت عليها لم أجدها بالسوط يقال جهدت الدابة وأجهدتها إذا طلبت أقصى ما عندها من السير واراد بالناقة نعله كما قال في موضع آخر، وحبيت من خوصِ الركاب بأسودٍ، من دارشٍ فغدوت أمشي راكبا، فجعل خفه كالمركوب وهذا المعنى من قول أبي نواس، إليك أبا العباس من بين من مشى، عليها أمتطينا الحضرمي الملسنا، قلائص لم تعرف حنينا على طلاً، ولم تدر ما قرعُ الفنيقِ ولا الهنا، ومثله قول الاخر، رواحلنا ستٌّ ونحن ثلاثةٌ، نجنبهن الماءَ في كل منهلِ لانه لا يخاض الماء بالنعل ومثل هذا ما قيل في بيت عنترة، فيكون مركبك القعود ورحلهُ، وابن النعامة يوم ذلك مركبي، وقيل ابن النعامة عروق في باطن القدم ومعناه أنه راكب أخمصه.
١٤شِراكُها كورُها وَمِشفَرُها
زِمامُها وَالشُسوعُ مِقوَدُها
الواحدي: شراكها بمنزلة الكور للناقة وأراد بالمشفر ما يقع على ظهر الرجل في مقدم الشراك فجعل ذلك بمنزلة الزمام للناقة والشسوع السيور التي تكون بين خلال الأصابع جلها بمنزلة المقود للناقة وهو الحبل الذي يقاد به سوى الزمام والزمام يكون في الانف
١٥أَشَدُّ عَصفِ الرِياحِ يَسبِقُهُ
تَحتِيَ مِن خَطوِها تَأَيُّدُها
الواحدي: عصف الرياح شدة هبوبها ومن روى بضم العين فهو جمع عصوف يقال ريح عاصف وعصوف ومعنى تأيدها تأنيها وتلبثها ويقول أهون سير ناقتي يسبق أشد سير الريح وهذا في الحقيقة وصف لشدة عدو المتنبي منتعلاً والتأيد تفعل من الأيد وهو التقوى وليس المعنى على هذا وإنما أراد التفعل من الانئاد بمعنى الرفق والليل فلم يحسن بناء التفعل منه وحقه توؤدها.
١٦في مِثلَ ظَهرِ المِجَنِّ مُتَّصِلٍ
بِمِثلِ بَطنِ المِجَنِّ قَردَدُها
الواحدي: القردد أرض فيها نجاد ووهاد وظهر المجن ناتىء وبطنه لاطيء فهو كالصعود والحدور وأراد يسبقه تأيدها في مفازةٍ مثل ظهر المجن متصلٍ قرددها بمثل بطن المجن أي أرضها الصلبة متصلةٌ بمفازةٍ أُخرى مثل بطن المجنّ.
١٧مُرتَمِياتٌ بِنا إِلى اِبنِ عُبَي
دِ اللَهِ غيطانُها وَفَدفَدُها
الواحدي: مرتميات صفة لمحذوفٍ في البيت الذي تقدم على تقدير في مفازة مثل بطن المجنّ مرتميات بنا وجمع لفظ المرتميات حملاً على لفظ الغيطان كما قال، أيا ليلةً خرس الدجاج طويلةً، ببغداد ما كادت عن الصبح تنجلي، والوجه أن يقال خرساء الدجاج ولكنه حمل الخرس على لفظ الدجاج حين كانت جمع دجاجة ويجوز أن يقدر المحذوف على لفظ الجمع فيصبح مرتميات كأنه قال في مغاوزٍ مثل ظهر المجن مرتميات بنا أي هذه المفاوز ترمينا إلى الممدوح بقطعنا أياها بالسير فكأنها تلقينا إليها وارتفع الغيطان والفدفد بالمرتميات كما قلنا في نضيجة فوق خلبها يدها والفدفد الأرض البعيدة الغليظة المرتفعة.
١٨إِلى فَتىً يُصدِرُ الرِماحَ وَقَد
أَنهَلَها في القُلوبِ مَورِدُها
الواحدي: إلى فتى بدلٌ من قوله إلى ابن عبيد الله وهو الممدوح يقول يصدر رماحه عن الحرب أي يرجعها ويردها وقد سقاها موضع ورودها في قلوب الأعداء دماءهم ويجوز أن يكون المورد بمعنى المصدر فيكون المعنى سقاها في القلوب ورودها أي أنها وردت قلوب الأعداء ومن روى بضم الميم أراد الممدوح أي هو الذي يوردها وهذا هو الأجود ليشاكل لفظ الاصدار.
١٩لَهُ أَيادٍ إِلَيَّ سابِقَةٌ
أُعَدُّ مِنها وَلا أُعَدِّدُها
الواحدي: يقول له احسان عليّ ونعم سابقة متقدّمة ماضية ويروى سالفةٌ وإلى من صلة معنى الأيادي لا من صلة لفظها لأنه يقال لك عندي يدٌ ولا يقال لك إيّ يدٌ ولكن لما كان معنى الايادي الإحسان وصلها بإلى ويجوز أن يكون من صلة السبق أو السلوف قُدّم عليه وقوله أعد منها قال أبو الفتح أي أنا أحدها قال الجماز، لا تنتفني بعد أن رشتني، فإنني بعض أياديكا، ثم قال يريد أنه قد وهب له نفسه وهذا فاسدٌ لأنه ليس في البيت ما يدل على أنه خلصه من ورطة وأنقذه من بلية أو أعفاه عن قصاصٍ وجب عليه ولكنه يقول أنا غذيّ نعمته وربيب إحسانه فنفسي من جملة نعمه فإنا أعدّ منها ومن روى أعدّ منها كان المعنى أنه يعد بعض أياديه ولا يأتي على جميعها بالعد لكثرتها وهو قوله ولا أعددها وكان هذا من قوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي لا تعدوا جميعها من قوله تعالى وأحصى كل شيءٍ عددا
٢٠يُعطي فَلا مَطلَةٌ يُكَدِّرُها
بِها وَلا مَنَّةً يُنَكِّدُها
الواحدي: تقدير معنى البيت يعطى فلا مطله بالايادي يكدرها أي أنه لا يمطل إذا وعد الاحسان ولا يمن بما يعطى وينكده أي ينغصه ويقلل خيره وكان يقال المنة تهدم الصنيعة ولهذا مدح الله سبحانه قوما فقال تعالى ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى وقال الشاعر، أفسدتَ المنِّ ما قدمت من حسنٍ، ليس الكريم إذا أعطى بمنانِ،
٢١خَيرُ قُرَيشٍ أَباً وَأَمجَدُها
أَكثَرُها نائِلاً وَأَجوَدُها
الواحدي: يعني أن أباه أفضل قريش فهو خيرهم أبا لأنه ليس فيهم أحدٌ أبوه أفضل من أبي الممدوح وقريش اسم للقبيلة ولذلك كنى عنها بالتأنيث والنائل العطاء وأجودها يجوز أن يكون مبالغةً من الجود والجود الذي هو المطر والجودة أيضا.
٢٢أَطعَنُها بِالقَناةِ أَصرَبُها
بِالسَيفِ جَحجاحُها مُسَوَّدُها
الواحدي: ذكر القناة والسيف تأكيدا للكلام مع الطعن والضرب كما يقال مشيت برجلي وكلمته بفمي أو لأن الطعن والضرب يستعملان فيما لا يكون بالسيف والرمح كقولهم طعن في السن وضرب في الأرض والجحجاح السيد والمسود الذي قد سوده قومه
٢٣أَفرَسُها فارِساً وَأَطوَلُها
باعاً وَمِغوارُها وَسَيِّدُها
الواحدي: أي هو افرسها إذا ركب فرسه وكان فارسا وأكد الكلام بذكر الحال لأن أفرس يكون من الفرس والفراسة وطول الباع مما يمدح به الكرام ويقال فلانٌ طويلُ الباع إذا امتدت يده بالكرم ويقال للئيم ضيق الباع والمغوار الكثير الغارة.
٢٤تاجُ لُؤَيِّ بنِ غالِبٍ وَبِهِ
سَما لَها فَرعُها وَمَحتِدُها
الواحدي: لوي بن غالب أبو قريش هو لهم بمنزلة التاج به يتشرفون ويتزينون وبه علا فروعهم وأصولهم أي الأولاد والأباء والمحتد الأصل.
٢٥شَمسُ ضُحاها هِلالُ لَيلَتِها
دُرُّ تَقاصيرِها زَبَرجَدُها
الواحدي: أي هو فيما بينهم كالشمس في النهار والهلال في الليل والدر والزبرجد في القلادة أي هو أفضلهم وأشهرهم وبه زينتهم وفخرهم والتقاصير جمع تقاصر وقال ابن جنى هو القلادة القصيرة وليس هذا من القصر إنما هو من القصرة وهي أصل العنق والتقصار ما يعلق على القصرة.
٢٦يا لَيتَ بي ضَربَةً أُتيحَ لَها
كَما أُتيحَت لَهُ مُحَمَّدُها
الواحدي: كان هذا العلويّ قد أصابته ضربة على الوجه في بعض الحروب فقال ليت الضربة التي قدر لها محمدها يعني الممدوح كما قدرت الضربة له كانت بي أي ليتني فديته من تلك الضربة فوقعت بي دونه ويجوز أن يكون الممدوح أتاح وجهه للضربة حيث أقبل إلى الحرب وثبت حتى جرح فتمنى المتنبي رتبته في الشجاعة كأنه قال ليتني في رتبتك من الشجاعة والاناحة التقدير يقال اتاح الله له كذا أي قدر وأضاف محمدا إلى الضربة شارةً إلى أنها كسبته الحمدَ فأكثرت حتى صار هو محمد بها.
٢٧أَثَّرَ فيها وَفي الحَديدِ وَما
أَثَّرَ في وَجهِهِ مُهَنَّدُها
الواحدي: قصد السيف والضربة إزهاق روحه وإهلاكه وقد ردهما عن قصدهما فهو تأثيره فيهما فقوله وما أثر في وجهه مهندها أي ما شأنه فلا أثر تأثيرا قبيحا لأن الضربة على الوجه شعارُ المقدام والعرب يفتخرون بالضربة في الوجه ألا ترى إلى قول الحصين، ولسنا على الأعقاب تدمي كلومنا، ولكن على أقدامنا تقطر الدما، والطعن والضرب في الظهر عندهم مسبة وفضيحة ولذلك قال جابر بن رالان، ولكنما يخزى أمرءٌ يكلم أسته، فتا قومِهِ إذا الرماحُ هوينا، والتهنيد شحذ الحديد سيف مهند أي مشحوذ.
٢٨فَاِغتَبَطَت إِذ رَأَت تَزَيُّنَها
بِمِثلِهِ وَالجِراحُ تَحسُدُها
الواحدي: يقول اغتبطت الضربة لما رأت تزينها بالممدوح حين حصلت على وجهه وحسدتها الجراح لأنها لم تصادف شرف محلّها والاغتباط يكون لازما ومتعديا ومعنى بمثله به والمثل صلةٌ تقول مثلي لا يفعل هذا أي أنا لا أفعله قال الشاعر، يا عاذلي دعني من عذلكما، مثلي لا يقبل من مثلكما، معناه أنا لا أقبل منك ومن هذا قوله تعالى ليس كمثله شيء
٢٩وَأَيقَنَ الناسُ أَنَّ زارِعَها
بِالمَكرِ في قَلبِهِ سَيَحصِدُها
الواحدي: يشير إلى أن هذه الضربة أتته مماكرةً لا مجاهرةً ومعنى زارعها أن الضارب أودع قلبه من الغم بذرا وحصده إياها أخذه جزاءَ ذلك يقول علم الناس يقينا أن الذي ماكره بهذه الضربة زارعٌ سيحصد ما زرع أي يجازيه الممدوح جزاءَ ما فعل ويجوز أن تعود الكناية في قلبه على الزارع والمعنى سيحصد ما فعل في قلبه وتقديره إن زارعها في قلبه بالمكر أي أنه يجازيه بما فعل ضربةً في قلبه بقتله بها والضربة في القلب لا تخطىء القتل وفي على هذا من صلة الحصد ويجوز أن يكون من صلة المكر والمعنى أن زارعها بالمكر الذي أضمره في قلب نفسه.
٣٠أَصبَحَ حُسّادُهُ وَأَنفُسُهُم
يُحدِرُها خَوفُهُ وَيُصعِدُها
الواحدي: الواو في وأنفسهم واو الحال يقول أصبح حساده وحال أنفسهم أن خوفه يهبطهم ويصعدهم أي أقلقهم خوفه حتى أقامهم وأقعدهم وحدرهم وأصعدهم فلا يستقرون خوفا منه وهذا كما قال: أبدى العداةُ بك السرور كأنهم، فرحوا وعندهم المقيم المقعدُ، ويقال حدرت الشيء ضد أصعدته وأحدرته لغةٌ.
٣١تَبكي عَلى الأَنصُلِ الغُمودِ إِذا
أَنذَرَها أَنَّهُ يُجَرِّدُها
الواحدي: يقول إذا أنذر العمود بتجريد السيوف بكت عليها لما ذكر فيما بعده وهو قول:
٣٢لِعِلمِها أَنَّها تَصيرُ دَماً
وَأَنَّهُ في الرِقابِ يُغمِدُها
الواحدي: أي لعلم الغمود أنه يغمد السيوف في دماء الأعداء حتى تتلطخ بها وتصير كأنها دم لخفاء لونها بلون الدم وأنه يتخذ لها أغماداً من رقاب الأعداء أي أنها لا تعود إلى الغمود فلذلك تبكي عليها وهذا المعنى منقول من قول عنترة، وما يدري جرية أن نبلي، يكون جفيرها البطل النجيد، ومثل هذا في قول حسان، ونحن إذا ما عصتنا السيوف، جعلنا الجماجم أغمادها، وقول الجماني، منابرهن بطون الأكف، وأغمادهن رؤوس الملوك، ويقول ابن الرومي، كفى من العزِّ أن هزوا مناصلهم، فلم يكن غير هام الصيد أجفانا،
٣٣أَطلَقَها فَالعَدُوُّ مِن جَزَعٍ
يَذُمُّها وَالصَديقُ يَحمَدُها
الواحدي: اطلق الأنصل من الغمود فذمها العدو خوفا وجزعا منها وحمدها الصديق لحسن بلائها على العدو.
٣٤تَنقَدِحُ النارُ مِن مَضارِبِها
وَصَبُّ ماءِ الرِقابِ يُخمِدُها
الواحدي: أي أنها تصير إلى الأرض لشدة الضرب فتوري النار ويخمدها ما ينصب من الدماء عليها
٣٥إِذا أَضَلَّ الهُمامُ مُهجَتَهُ
يَوماً فَأَطرافُهُنَّ تَنشُدُها
الواحدي: معنى اضلال الهمام المهجة أن يقتل ولا يدري قاتله أي إنما تطلب مهجته من أطراف سيوفه لانها قواتل الملوك والمنشد موضع الطلب ويروي تنشدها أي أنها تطلب ثأر الملوك ويروى تنشدها والانشاد تعريف الضالة أي أن أطرافهن تعرفها وتقول عندي مهجةٌ فمن صاحبها ويروي فأطرافهن بالنصب وينشدها بالياء يعني الهمام يطلب مهجته في أطرافهن ونصب أطرافهن ينشد مؤخراً كما تقول زيدا ضربته
٣٦قَد أَجمَعَت هَذِهِ الخَليقَةُ لي
أَنَّكَ يا اِبنَ النَبِيِّ أَوحَدُها
الواحدي: يقول اجمعت هذه الخليقة موافقةً لي أنك أوحدهم ويجوز أن يكون على التقديم والتأخير أي أوحدها لي أي أوحدها إحساناً إليّ وإفضالا عليّ ولا يكون في هذا كثير مدح ويجوز أن يكون المعنى أجمعت فقالت لي والقول يضمر كثيرا في الكلام والاول أوجه
٣٧وَأَنكَ بِالأَمسِ كُنتَ مُحتَلِماً
شَيخَ مَعَدٍّ وَأَنتَ أَمرَدُها
الواحدي: يريد أنك بالتشديد فخفف مع المضمر ضرورةً كما قال آخر، فلو أنك في يوم الرخاء سألتني، فراقك لم أبخل وأنتِ صديق، وإنما يحسن التخفيف مع المظهر كقول الشاعر، وصدرٍ مشرقِ النحرِ، كأن ثدييه حقانِ، لان الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها ويروى وأنت بالأمس على استئناف الكلام يقول بالأمس كنت في حال احتلامك ومرودتك شيخ معدّ فكيف بك اليوم مع علو السن وهذا في ضمن الكلام وفحوى الخطاب والواو في وأنت أمردها عطف على الحال يقول كنت شيخ معدّ محتلما.
٣٨فَكَم وَكَم نِعمَةٍ مُجَلِّلَةٍ
رَبَّيتَها كانَ مِنكَ مَولِدُها
الواحدي: الوجه أنه أراد بكم الخبر عن كثرة ما له من النعم عنده وإن أراد الاستفهام لم يجز في نعمة إلا النصب والمجللة المعظمة ومعنى ربيتها حافزت عليها بأن قرنتها بأمثالها وكان منك ابتداءها أي أنت ابتدأتني بالصنيعة ثم ربيتها ولم تكن واحدةً تنسَى على طول العهد.
٣٩وَكَم وَكَم حاجَةٍ سَمَحتَ بِها
أَقرَبُ مِنّي إِلَيَّ مَوعِدُها
الواحدي: سمحت بها أي بقضائها فحذف المضاف والمعنى قضيتها لي وكذلك قوله موعدها أي موعد قضائها وهذا اخبارٌ عن قصر الوعد وقربه من الإنجاز ولا شيءَ أقربُ إليك منك وإذا قرب موعد الانجاز صارت الحاجةُ مقضيةً عن قريب.
٤٠وَمَكرُماتٍ مَشَت عَلى قَدَمِ ال
بِرِّ إِلى مَنزِلي تُرَدِّدُها
الواحدي: المكرمة ما يكرم به الإنسان من برّ ولطف واراد بها ههنا ثياباً أنفذها إليها لقوله أقر جلدي بها ومعنى على قدم البرّ أن حاملها إليه كان من جملة الهدية والبر ويجوز أن يريد مكرمات على أثر بر سابق ومعنى ترددها أي تعيدها إليّ وتكرّرها عليّ ويروي تردُّدها على المصدر
٤١أَقَرَّ جِلدي بِها عَلَيَّ فَلا
أَقدِرُ حَتّى المَماتِ أَجحَدُها
الواحدي: اقرار الجلد بظهور ما عليه من الخلع واللباس للناظرين فكأنه باكتسائه بها ناطق مقرّ كما قال الناشىء الأكبر، ولو لم يبح بالشكرِ لفظي لخبرت، يميني بما أوليتني وشماليا،
٤٢فَعُد بِها لا عَدِمتُها أَبَداً
خَيرُ صِلاتِ الكَريمِ أَعوَدُها
الواحدي: يقول أعد هذه المكرمات فإن خير ما وصل به الكريم أكثره عودا وقيل له وهو في المكتب ما أحسن هذه الوفرة فقال:
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.